المجلد الأول:
18 يوليو، العام الموحد 1914، مكان ما في العاصمة الإمبراطورية بيرون
في البداية لم يكن هناك سوى الضياء، ثم تلاه شعور لطيف بالطفو، سكون عابر قصير ومؤقت، كان هناك دفء وقلق غامض يولدان رغبة في التلاشي وضياع المرء عن نفسه، ضياع المرء عن نفسه؟ نعم، لقد نسيت شيئاً ما ولكن ما عساه أن يكون؟ ما الذي يمكن أن أكون قد نسيته بحق الجحيم؟
وقبل أن تلوح فرصة لمواجهة مثل هذه التساؤلات، بدأ الجسد يرتجف فجأة، وبعد لحظة استوعب العقل البرد؛ قشعريرة اخترقت الجلد، تلك كانت طبيعة أول احتكاك لـ رضيع بالهواء الخارجي النقي والقاسي خارج الرحم، ولم يكن هناك متسع من الوقت لإدراك ذلك.
لكن الهجوم المفاجئ لتلك الأحاسيس الغريبة، والتي كانت مألوفة يوماً ما، أثار حالة من الذعر وفي الوقت نفسه بدأ الجسد يتلوى من الضيق، غارقاً في صراع عنيف لالتقاط الأنفاس، كان الألم لا يطاق تقريباً بينما كانت الرئتان بل الجسد بأكمله وكل خلية فيه تصرخ طلباً للأكسجين، وعاجزاً عن الحفاظ على هدوء كافٍ للتفكير العقلاني لم يكن بوسعه سوى التخبط العشوائي.
الحواس المنهكة والمشلولة التي عاث فيها الألم فساداً لم تترك خياراً سوى التخبط في العذاب، ومختنقاً بهذه الأهوال؛ غاب عن الوعي دون مقاومة، ومتحرراً تماماً من مشاعر إنسان لم يبكِ منذ دهور، ارتعش الجسد باكياً.
تلاشى الإدراك وتداخل مفهوم الذات، وعند الاستيقاظ رأى سماءً رمادية كاحلة، كان العالم ضبابياً... أو ربما كان ذلك بسبب الرؤية المشوشة؟ بدا كل شيء مشوهاً، كما لو كان ينظر إليه من خلال نظارات ذات مقاس خاطئ.
وعلى الرغم من كونه منفصلاً عن المشاعر الإنسانية لفترة طويلة، إلا أن هذه الرؤية الضبابية أزعجته، كان من المستحيل تمييز حتى الأشكال القريبة.
وبعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات من الوقت الفعلي، بدأ الوعي يعود إليه أخيراً، ليضربه حالة من الارتباك المطلق.
ما هذا؟ ما الذي حدث لي؟ لم يكن هذا الجسد قادراً على الحفاظ على الوعي لفترة طويلة، ولم تكن ذكرى استقراره في هذا الجسد قد تجلت له بعد، لذلك عندما التقط وعيه المتلاشي بالكاد صرخات رضيع، وجد البكاء مخزياً لكنه عجز عن فهم السبب.
ربما لم يبكِ البالغون الناضجون، لكن الرضع فعلوا ذلك بالتأكيد، كان من المفترض حماية الرضع ومنحهم فرصاً متساوية لا احتقارهم، وهكذا وبشعور عميق بالراحة نفى ذلك الخزي الغامض إلى زاوية مظلمة من عقله، ملقياً باللوم على غياب الوعي الواضح.
في المرة التالية التي بزغ فيها إدراك ضبابي بالفهم، كان مذهولاً تماماً، ولم يكن ذلك غريباً إن أسعفته الذاكرة فمن المفترض أنه كان على رصيف 'قطار يامانوتي' ولكن بعد استعادة وعيه وجد نفسه بطريقة ما داخل مبنى حجري ضخم على الطراز الغربي، بينما تقوم راهبة تبدو كحاضنة بمسح فمه، إذا كان هذا مستشفى فيمكن افتراض وقوع حادث ما، ويمكن تفسير الرؤية الضبابية بالإصابة أيضاً.
ومع ذلك الآن بعد أن تمكنت عيناه من الرؤية بوضوح في الإضاءة الضعيفة، استطاع تمييز راهبات يرتدين ملابس قديمة الطراز، أما الإضاءة غير الكافية... فيبدو أنها قادمة من مصابيح غازية عفا عليها الزمن، ما لم تكن الأمور على غير ما تبدو عليه.
"تانيا، عزيزتي، قولي 'آآه'"
في الوقت نفسه، لاحظ غياباً غريباً للأجهزة الكهربائية في المكان، في مجتمع متحضر كـ عام 2013، كانت هذه الغرفة خالية من الإلكترونيات ومكتظة بأشياء اعتبرت منذ زمن طويل قطعاً أثرية، هل هم من طائفة 'المينوناتية' أو 'الآميش'؟
ولكن... لماذا؟ ما الذي أفعله هنا معهم؟
—طوائف مسيحية ترفض التطور ولاتستخدم الالات الكهربائية.
"تانيا، عزيزتي تانيا!"
كان الموقف معقداً يصعب استيعابه، وتعمق الارتباك أكثر.
"هيا الآن، ألن تفتحي فمكِ من أجلي يا عزيزتي؟ تانيا؟"
أنا لا أفهم، تلك كانت المشكلة تحديداً، ولهذا السبب لم يلاحظ الملعقة التي في يد الراهبة ولكن بالطبع حتى لو لاحظها، لم يكن ليحلم في غضون مليون سنة بتناول الطعام المقدم، بالتأكيد كانت الملعقة مخصصة لـ "تانيا العزيزة" هذه.
ولكن بينما كانت كل هذه الأفكار تتصارع في رأسه، فقدت الراهبة صبرها أخيراً، وبابتسامة حلوة لكنها صارمة لا تقبل الجدال، حشرت الملعقة في فمه.
"يجب ألا تكوني منتقاة في طعامكِ يا عزيزتي، افتحي!"
كانت مجرد قضمات من خضروات طُبخت حتى أصبحت مهروسة، لكن تلك الملعقة المنفردة فرضت الحقيقة أيضاً على "تانيا" التي عجزت عن الاستيعاب حتى تلك اللحظة.
خضروات مهروسة، هذا كل ما حشرته الراهبة في فمه، ولكن بالنسبة للشخص المعني فإن هذا التصرف لم يزد الأمور إلا غموضاً، وبعبارة أخرى هو—أنا—أكون تانيا.
وهكذا، انطلقت صرخة من أعماق روحه: لماذا؟
14 أغسطس، عام 1971 ميلادي، الولايات المتحدة الأمريكية.
في الرابع عشر من أغسطس لعام 1971، بدأ فريق من الباحثين بقيادة الدكتور فيليب زيمباردو تجربة بموجب منحة حصل عليها من معهد الأبحاث التابع لوزارة البحرية الأمريكية، وكان من المخطط لها أن تستمر لأسبوعين فقط بهدف جمع بيانات أولية حول مشكلة كانت تواجهها البحرية في سجون مشاة البحرية.
كان المشاركون الذين جُندوا لهذه التجربة طلاباً جامعيين طبيعيين، يتمتعون بعقل وجسد سليمين ولكن في اليوم الثاني واجه الفريق مشكلة أخلاقية خطيرة.
فلم يقتصر الأمر على قيام أولئك الذين عُينوا كـ حراس بتوجيه الإهانات اللفظية لـلأسرى وإذلالهم رغم حظر مثل هذا السلوك، بل أصبحت أعمال العنف الجسدي سائدة بشكل متزايد، ونتيجة لذلك أُجبر الفريق على إيقاف التجربة بعد ستة أيام فقط من بدئها.
عُرفت هذه التجربة لاحقاً باسم تجربة سجن ستانفورد، وللمفارقة الساخرة وعلى الرغم من العيوب التي شابت أخلاقيات المشروع المشبوهة إلا أن النتائج كانت زاخرة بالدلالات في مجال علم النفس حيث أظهرت تجربة سجن ستانفورد جنباً إلى جنب مع سابقتها تجربة ميلغرام، شيئاً جوهرياً عن الطبيعة البشرية.
ففي مكان معزول يخضع الأفراد للقوة والسلطة، بينما يمارس أولئك الذين في مناصب هيمنة سلطتهم دون قيود، وقد أسفر تحليل هذه الظاهرة المعروفة باسم "طاعة السلطة" عن نتائج صادمة فالمثير للدهشة أن هذا الخضوع لم يكن له أي علاقة بعقلانية الشخص أو حساسيته أو شخصيته بل كان نتاجاً لتلاشي الهوية الفردية بشكل ملحوظ بفعل توزيع الأدوار.
وبعبارة أخرى أثبتت التجربتان أن السلوك البشري يعتمد على البيئة، وإذا صغنا الأمر بعبارات متطرفة فإن النتائج أشارت إلى أن أي شخص كان بإمكانه العمل كـ حارس في معسكر أوشفيتز، بغض النظر عن نزعته الفردية أو طابعه الأخلاقي.
في النهاية لعبت البيئة دوراً أكبر في تحديد هوية الفرد من سماته الشخصية، وعندما علم في الجامعة أن البشر من هذا النوع من المخلوقات، بدا له الأمر منطقياً وليس خاطئاً.
بالتأكيد يتعلم الجميع كجزء من التعليم الإلزامي في المدرسة الابتدائية أن جميع الناس يولدون متساوين، ويُلقن الأطفال أنهم جميعاً متميزون ولا يمكن تعويضهم على حد سواء، ولكن ليس من الصعب العثور على تفاوتات تناقض تلك الحكم المألوفة.
لماذا يبدو الطفل الجالس في الأمام أطول مني؟
لماذا يجيد بعض زملائي في الفصل لعبة كرة المراوغة بينما لا يجيدها الآخرون؟
لماذا لا يستطيع الطفل المجاور لي حل مسألة بسيطة كهذه؟
لماذا لا يستطيع الأطفال في الخلف التزام الهدوء عندما يتحدث المعلم؟
ولكن في بيئة المدرسة الابتدائية يُتوقع من الأطفال أن يكونوا "صالحين"، ويُقال لهم إن الجميع مختلفون ولكنهم مميزون، ويصيبهم الرعب من أنهم إذا لم يتبعوا قواعد السلوك فسيصبحون "سيئين"، ولذلك يسعى "الأطفال الصالحون" جاهدين لتجنب التحول إلى "سيئين".
بحلول الوقت الذي يبدأون فيه الذهاب إلى المدارس التمهيدية للاستعداد لامتحانات القبول، ينظر الأطفال الصالحون سراً بدونية إلى الأطفال السيئين ويتعمدون تجنبهم، وسيدخلون مدرسة إعدادية جيدة، تليها مدرسة ثانوية محترمة، ثم جامعة مرموقة، فهؤلاء الأشخاص يسيرون في المسار الأسرع، ويبذلون قصارى جهدهم في حدود القواعد واللوائح المعروضة عليهم.
ومن أجل البقاء صالحين في تلك البيئة، يتعين على الطلاب فعل ما يؤمرون به تماماً، وتلبية توقعات الجميع دائماً، ومثلما يقال لهم يقضون يوماً بعد يوم منكبين على الكتب المدرسية والمراجع يتنافسون مع زملائهم في الفصل على الدرجات وبينما يعيشون مثل هذه الحياة فإن أولئك المنخرطين في المعركة الشرسة لامتحانات القبول الجامعية ينظرون إلى الخاطئين والكسالى كخاسرين وفي ظل بيئة تحدد فيها الدرجات كل شيء فمن الطبيعي أن يستخف المتفوقون بالطلاب الاغبياء، ومن ناحية أخرى فإن غالبية أولئك الطلاب الناجحين لا يعتبرون أنفسهم أذكياء بشكل خاص، فالعرف السائد منذ فترة طويلة أنه كلما أظهر طالب عادي قدراً من الفخر، قام الموهوبون حقاً في صفهم بإعادته إلى حجمه الطبيعي.
قد يمر أحد الطلاب بوقت عصيب بينما يقوم الطفل المجاور له بالدخول بلا مبالاة إلى أولمبياد الفيزياء الدولي أو أولمبياد الرياضيات الدولي، ويتطلب الأمر جهداً كبيراً للجلوس كتفاً بكتف في فصل دراسي مع عباقرة يعد استيعاب جميع المواد بالنسبة لهم أمراً بديهياً، ورغم النظرة المشوهة إلا أنهم يملكون إدراكاً قوياً بالواقع يدفعهم لمتابعة دراستهم بجد.
وسواء أحبوا ذلك أم لا، فإن جميع الطلاب المتوجهين إلى الجامعة يعرفون الحقيقة، فإذا أرادوا دخلاً يضاهي ما يملكه آباؤهم، يتعين عليهم الالتحاق بجامعة جيدة والحصول على وظيفة لائقة على أقل تقدير، وتتحرك هذه المجموعة برغبة شبابية قوية في النجاح، ولكن يصاحب تلك الرغبة خوف قاتل من الفشل، وعلى هذا النحو، ليس أمامهم خيار سوى تكبيل أنفسهم إلى مكاتبهم.
وبعد المعاناة في ذلك العالم القاسي، يجتاز أفضل الطلاب امتحانات القبول في جامعات تستحق أن توصف بأنها "مرموقة"، ثم تتغير اللعبة حيث يُجبر الكثيرون على إدراك أنهم دخلوا عالماً لم يعد فيه الناس يُقّيمون بالدرجات، بل بالسؤال عن الإنجازات التي حققوها.
أولئك الذين يستطيعون التكيف مع التحول المفاجئ في المفاهيم والبيئة الجديدة يفعلون ذلك، حيث يطيعون القواعد ويبحثون عن الثغرات ويسخرون من المبادئ التوجيهية رغم كونهم مقيدين بها، وفي النهاية يتعلم الجميع أن القواعد ضرورية لجعل النظام يعمل بسلاسة.
الحرية بدون قوانين تعني الفوضى، والقوانين بدون حرية تعني الطغيان، ولذلك بقدر ما يكرهون القيود فإنهم يخشون الحرية المطلقة.
لم يكن يفهم الأشخاص الذين يأتون متأخرين إلى الصف، ولم يستطع رؤية قيمة الأشخاص الذين يشربون حتى يغيبوا عن الوعي، ولم يستطع استيعاب الأنواع الرياضية التي تثرثر حول قوة الروح البشرية.
ولكن عندما تعرَّف على مدرسة شيكاغو ورأى كيف طبقت هذه الأعمال العقلانية على العلاقة بين القواعد والحرية، شعر بابتهاج شديد ففي النهاية كان ذلك يعني أنه يمكنه البقاء في المسار الصحيح طالما أنه يلعب وفقاً للقواعد، ونجح في إظهار مظهر طالب جامعي مجتهد مع إخفاء حقيقة أنه مهووس بالدراسة، وجوهر الأمر أن هذا ما يعنيه أن تكون حراً في حدود القواعد.
وفيما يتعلق بالأصدقاء فقد استمتع بالتسكع مع رفاقه من المدرسة الثانوية بالإضافة إلى مجموعة من الأرواح الشبيهة به ممن التقى بهم في الجامعة، وكان هذا بمثابة فترة مهلة وتأجيل حتى يخرج إلى العالم، على الرغم من أنه ما زال يحرص على تحسين نفسه وتطوير علاقاته، بطبيعة الحال استثمر في رأس ماله البشري من خلال اكتساب المهارات اللغوية والثقافة إلى حد ما، وهذا بالإضافة إلى خلفيته التعليمية وفقاً لنظرية الإشارات، من شأنه أن يعكس الصورة المثالية للمجتمع عن "الطالب الجامعي الصالح"
والمثير للدهشة أن ما يحتاجه أشخاص مثله لم يكن الموهبة في الواقع، بل كان الشيء الأكثر أهمية هو أن تبدو جيداً على الورق، وبعبارة أخرى يفضل مسؤولو التوظيف شخصاً يجتاز امتحان الشركة بتفوق، ويأتي من مدرسة مرموقة ويكون وجهاً مألوفاً للمقابلين ولهذا السبب تحديداً لم تهب الرياح المعاكسة لركود التوظيف ضده بشكل خاص.
ففي النهاية كان يقف على خط بداية مختلف مقارنة بالآخرين، وفي الحقيقة كان يتمتع بالميزة فهذه المسابقة كانت مزورة تماماً ومنذ البداية، كان من الطبيعي زيارة الخريجين الذين ينتمون إلى نفس الجامعة، بل إنه ذهب إلى حد قبول دعوات لتناول المشروبات مع مسؤولي التوظيف من إدارة الموارد البشرية.
الآن تخيل فقط لو أن شخصاً ما في جانب التوظيف قد درس في نفس المدرسة الإعدادية والثانوية أو كان خريجاً من جامعته، سيقدمون له التوجيه بشأن المؤهلات التي يبحث عنها مسؤولو التوظيف في هذه وتلك من الشركات وكيفية تقديم نفسه في المقابلات.
وطالما أنه يجمع بين علاقاته المختلفة ويؤدي بشكل جيد في المقابلات، فلن يكون لديه ما يقلق بشأنه وإذا لم يكن شديد التدقيق فيمكنه الحصول على وظيفة توفر له لقمة العيش بالتأكيد، ومن خلال طاعة كل ما يقال له أصبح ترساً اجتماعياً يؤدي جيداً بوتيرة ثابتة، وفي مكان ما على طول الطريق بدأ ينظر إلى نفسه كشخص بالغ ناضج في بيئة العمل تلك.
الرضا الوظيفي؟
الفردية؟
الإبداع؟
لقد كان ترساً في المجتمع، وكان بإمكانه التأكيد على أن محتوى عمله لا يهم طالما أنه يتلقى تعويضاً عادلاً، ومن منظور الشركة يُطلب من الموظف المثالي إنجاز المهام على الفور مع الحفاظ على مستوى من الجودة يتناسب مع راتبه، والالتزام بفلسفة الشركة في كل شيء حيث يبادر الموظف المثالي ويبحث عن طرق لتحقيق الربح، ولم يكن من الصعب عليه التكيف مع الحياة كعبد لمنطق الشركات.
بلا قلب؟ آلي؟ قاسي؟ مجرد من المشاعر؟
مخاوف من هذا القبيل أزعجته فقط في البداية، حيث كان يرتعب من الأشخاص الذين يصرخون بشكل مخزٍ أو يلجأون إلى العنف، ولم يكن من الممكن له استيعاب مثل هذا السلوك المخزي، ولكن مع مرور الوقت تأقلم، وكان الأمر تماماً مثل المدرسة.
البشر مخلوقات صممت للتكيف مع التغيير، وعندما يتعلق الأمر بالأمر فإن التوافق مع البيئة يعني اتخاذ الدور المحدد للمرء فالحارس يتصرف كـ حارس، والسجين يتصرف كـ سجين، ومرت الأيام دون أحداث تذكر، تتناوب بين العمل والهوايات، وبطبيعة الحال تقدم العمل بكفاءة، وكان اتباع توجيهات الشركة وتجنب الأخطاء قدر الإمكان أمراً مهماً لعدم السماح للعمل باقتطاع وقت الفراغ الثمين.
وبناءً على ذلك، بحلول الوقت الذي دخل فيه عقد الثلاثينات من عمره، لم يكن قريباً من مضاهاة دخل والديه فحسب بل كان بالتأكيد قد تجاوزه، وحظي بتقدير كبير لتفانيه في الشركة وولائه للمسؤولين التنفيذيين، وارتقى في سلم التقدم في إدارة الموارد البشرية، حتى إنه حصل على جائزة اختبار كمدير قسم.
نعم هذا صحيح لقد كان لدي عمل مهم ولا يوجد سبب على الإطلاق، لا يوجد أي سبب يدفع راهبة إلى حشر ملعقة من الخضار المهروسة في حلقي، إنني أتصرف كـ سيد محترم تماماً، ولا أصرخ بأعلى صوتي لأطالب بمعرفة أي حق يمنحكِ القدرة على مناداتي بـ "تانيا العزيزة"
وبسبب نفاد صبره، حاول الوقوف لكي يشن هجوم تساؤلاته حول سبب حدوث هذا له، وكان ذلك عندما داهمه الأمر، حيث بدأ رأسه ينبض بالألم مع طفو ذكريات غير سارة على السطح فجأة.
22 فبراير، عام 2013 ميلادي، طوكيو، اليابان
"لماذا؟ لماذا أنا؟!"
لماذا؟ الأمر واضح كالشمس؛ لأن مردود كفاءتك مقابل تكلفتك ضئيل للغاية وعلى رأس ذلك غيابك الكثير ولتأكيد الأمر لدي تقرير من مشرفك المباشر يفيد باقتراضك مبالغ نقدية سلفاً لا يعلم أحد قيمتها بالإضافة إلى رفضك القاطع لمقابلة طبيب العمل في كل مرة وباختصار من الواضح أنك أصبحت موظفاً مكلفاً والأهم من ذلك أنه لا يمكننا السماح لك بالتسبب في فضيحة تشوه سمعة الشركة الطيبة.
كنت أود سؤالك: هل هناك أي سبب يدعونا للاحتفاظ بك في العمل؟ ولكن نظراً لقوانين معينة يتحتم علي كتمان هذه المشاعر في أعماق قلبي والرد بأكبر قدر ممكن من اللياقة.
"لقد فشلت بالفعل في اجتياز خطة تحسين الأداء مرتين وقدمت لك الشركة أمراً منطقياً تماماً لحضور التدريب الخاص بها لكنك رفضت فضلاً عن غيابك العديد غير المبرر"
مجاملة مزيفة؟ لا بأس بذلك فالقانون لا يحظرها وهذه شركة هادفة للربح وليست جمعية خيرية للمخفقين اجتماعياً.
"ومع ذلك وبما أنك ساهمت في شركتنا لفترة طويلة فإنني أرى أن الاستقالة الطوعية بدلاً من الفصل التأديبي ستخدم مصلحتنا المشتركة بشكل أفضل"
رغم أن هذا قد يكون هدراً كبيراً للوقت إلا أنه يظل جزءاً من الوصف الوظيفي.
"لم يسبق لي أن قمت بزيارة للعملاء من قبل فكيف يعد هذا تدريباً بحق الجحيم؟!"
"إنه يعالج تدهور نتائج العمل بمساعدة المشرفين على فهم ممثلي المبيعات وإيجاد طرق لتحسين ممارساتهم الإدارية ومع وضع ذلك في الاعتبار شعرنا أنه من الضروري خضوعك لهذا التدريب"
حتى لو كان هذا كله ضمن العمل اليومي المعتاد فإنه يظل أمراً مرهقاً ومزعجاً للغاية التعامل مع هذا الطابور اللامتناهي من الموظفين الباكين الذين يحاولون التشبث بنا وإذا كنت تظن أن البكاء سيغير الأمور فافعل ما بدى لك ففي بعض قطاعات عالم الأعمال يعد هذا تكتيكاً مقبولاً ولكن إن كنت تظن أنه سينجح بعد نعَتي بأوصاف مثل "وحش بلا قلب" أو "مدلل المدير" أو "رجل آلي" فأنت واهم تماماً.
كنت أعلم دائماً أنني لست الأفضل وعاجز عن منافسة العباقرة ومجاراة الموهوبين عبر العمل الجاد والتفاني فنمَت شخصيتي بشكل مشوه تماماً وأصبحت مزيجاً من العقد المعقدة.
إن الأشخاص الطيبين حقاً يثيرون الرهبة وفيما يتعلق بالنفاق فأنا أملك ما يعتبره المجتمع ككل مستوى متوسط ولكن معرفتي بأنني غير مخلص تجعلني أسخر أكثر فأكثر.
ورغم وعيي الذاتي بهذا الأمر وبمدى بشاعتي إلا أنني ما زلت أحمل اعتقاداً متغطرساً بأنني متفوق على هذا الأحمق العاجز الذي يبكي أمامي، وعلى الأقل فيما يتعلق بالمردود مقابل التكلفة فقد حافظت على نتائج متفوقة لذا ورغم أن إعادة هيكلة الأقسام المخصصة للدمج عبر تسريح العمال أمر مزعج إلا أنني آخذه على محمل الجد ومن هنا ينبغي لي الصعود مباشرة في السلم الوظيفي لأتربع على كرسي مدير الموارد البشرية
كان ينبغي لحياتي أن تسير بسلاسة نسيباً.
...كان ينبغي لها ذلك
وبعد التفكير حتى هذه النقطة تطفو في ذاكرتي حادثة غير سارة على الإطلاق.
يقال إن البشر حيوانات سياسية بطبيعتها ولكن يبدو أن نوع البشر الذين يتلقون إشعارات الفصل هم حيوانات تقدم العواطف البدائية على المنطق أو المحرمات المقبولة عموماً، وعندما تصل إلى جوهر الأمر أليس هناك المزيد من الأشخاص الذين يتصرفون بناءً على دوافعهم على عكس النخبة الأكاديمية "الصالحة"؟
لقد حذرني المدير تحديداً بأن أحمي ظهري في المحطة ولكنني لم أفهم ما كان يرمي إليه.
طاخ!
شيء ما يصطدم بي بعنف فأسقط من الرصيف بحركة بطيئة غريبة وفي اللحظة التي أرى فيها القطار ينقطع وعيي تماماً.
وعندما أستيقظ أواجه ظلاماً لا يمكن وصفه.
"هل أنتم حقاً مخلوقات حية من لحم ودم؟"
"عذراً، من أنت؟"
رجل عجوز يبدو كأنه خرج للتو من رواية مبتذلة يطلق زفيراً عميقاً وهو يتأملني، ولا بد أن يكون هناك أحد تفسيرات ثلاثة محتملة:
١. إما أنني نجوت بأعجوبة وطبيب يفحصني ولكنني عاجز عن إدراك ذلك بشكل صحيح وبعبارة أخرى من المحتمل أن عيني أو دماغي قد تعرضا لصدمة خطيرة.
٢. أو أنني أموت وهذا إما وهم أو هلوسة وربما يمر شريط حياتي أمام عيني.
٣. أو أنني استيقظت في العالم الحقيقي بعدما أخطأت وظننت الحلم حقيقة وربما ما زلت نصف نائم.
"...إنكم جميعاً تملكون الشخصيات الأكثر التواءً ويا له من هراء يملأ عقولكم!"
هل قرأ أفكاري للتو؟
إن كان قد فعل فهذا انتهاك غير لائق ومرفوض تماماً لخصوصيتي وتطفل على أمور سرية.
"لقد فعلت ذلك بالتأكيد، ولكن مقزز قراءة عقول غير المؤمنين المجردين من التعاطف"
"يا للمفاجأة لم أكن أحلم يوماً بأن الشيطان حقيقي"
"إنك تأتي بأفكار هي الأكثر جنوناً!"
الآله أو الشيطان فقط من يملك القدرة على تحدي القوانين الكونية ولو كان الآله موجوداً لما تجاهل كل هذا الظلم في العالم وبناءً على ذلك يفتقر هذا العالم لوجود إله إذن هذا 'الكيان إكس' الذي أمامي هو الشيطان وانتهت القضية.
"...هل تحاولون أيها الملحدون إرهاق خالقكم حتى الموت؟"
"أيها الملحدون" بصيغة الجمع مما يعني أنه يشير إلى آخرين معي فهل ينبغي لي أن أواسي نفسي بحقيقة أنني لست وحدي؟ من الصعب قول ذلك فرغم أنني لا أكره نفسي تحديداً إلا أنني لا أحبها بشكل خاص أيضاً.
"أقصد النفوس المضطربة مثل نفسك فهي تملأ كل مكان هذه الأيام، ولماذا لا تصلون إلى التنوير مع تقدم البشرية؟ ألا تريدون الخلاص من قيودكم الدنيوية؟"
"أشك في أن هذا مجرد نتيجة لذك التقدم الاجتماعي"
إن نظرية رولز في العدالة رائعة تماماً ولكن تطبيقها الفعلي غير واقعي فقد قُسم البشر بالفعل إلى مالكين ومحرومين، وقد يكون الأمر مثيراً للاهتمام كاقتراح افتراضي ولكن في الواقع لا يمكن للناس التخلي عما يملكونه من أجل الآخرين وأليس من الطبيعي السعي وراء المكاسب المادية في هذه الحياة بدلاً من القلق بشأن المستقبل؟
وحتى لو كان الأمر كذلك فما أهمية ذلك؟
إذا كنت ميتاً فماذا سيحدث لروحي؟
لنناقش هذا بشكل بناء فالمهم حقاً هو ما سيأتي بعد ذلك.
"سأعيدك فحسب إلى دورة الحياة والموت وسوف تولد من جديد"
يجيب من يدعي الألوهية 'الكيان إكس' والإجابة التي يقدمها الغريب بسيطة للغاية وأراهن أنه يؤدي واجبه في الشرح فنعم العمل ليس شيئاً يستهان به، ويمكنني تقدير أهمية تحمل المسؤولية والتصرف وفقاً للقانون وسواء أحببت ذلك أم لا وبصفتي عضواً في المجتمع وفي منظمة ينبغي لي على الأرجح الإشارة إلى أنني أفهم كيف سنسير.
"جميل جداً، في هذه الحالة تفضل وافعل ما تراه"
كبداية أخطط للقيام بعمل أفضل لحماية ظهري في حياتي القادمة فقد تعلمت أن هناك نوعين من البشر عقلانيين وغير عقلانيين لذا سأحتاج بلا شك إلى إعادة مراجعة الاقتصاد السلوكي.
"...آه لقد طفح الكيل"
ولكن الكلمات التي يهمس بها تحت أنفاسه تتركني حائراً.
"هاه؟"
"ألا يمكنكم أيها الرفاق ترتيب أموركم؟ فأنتم أبعد ما يكون عن تحقيق التنوير والتحرر من الدورة، فأنتم تفتقرون إلى ذرة واحدة من الإيمان"
يشكو الكيان مسبباً لي الحرج.
بصراحة تامة ليس لدي أدنى فكرة عن سبب غضب 'الكيان إكس' هذا وأدرك أن كبار السن يمكن أن يكونوا سريعي الانفعال ولكن عندما يثور شخص يبدو أنه يشغل منصباً رفيعاً في غضب أعمى فقد يصعب فهمه ولو كان هذا أنمي لفضضت الأمر كدعابة ولكن في العالم الحقيقي نادراً ما تحظى بهذه الرفاهية.
"لقد ابتعد البشر هذه الأيام كثيراً عن القوانين الكونية ولا يمكنهم التمييز بين الصواب والخطأ!"
يا إلهي يمكن لـ 'لكيان إكس' الوعظ كما يشاء عن القوانين الكونية ولكنني لا أفهم بحق الجحيم ما يتحدث عنه وإذا كانت هذه القوانين موجودة حقاً فمن المزعج أنه لم يرسل إشعاراً مسبقاً وهو يطلب الكثير إذا كان يتوقع من الناس الالتزام بقوانين لم يروها يوماً ناهيك عن موافقتهم عليها ولا يمكنني استيعاب شيء لم يصغ في كلمات وحسب علمي لم أطور قدرات تخاطرية بعد.
"لقد أعطيتكم الوصايا العشر لعلمكم!!"
تدفقت الوصايا فجأة إلى عقلي عبر التخاطر أو شيء من هذا القبيل ولكن... آه... حسناً... تباً لقد ولدت في منطقة متعددة الآلهة من العالم حيث اعتدنا على تمرير الأمور تحت مسمى "التسامح الديني" لذا لست متأكداً بصراحة من كيفية الرد على شخص يطرح الوصايا وللعلم أنا أكرم والدي ولم أقتل أحداً يوماً ولكنني ذكر بيولوجياً وهناك غرائز جنسية معينة مبرمجة في داخلي ولا يمكنني فعل أي شيء حيالها وكان الأمر ليتغير لو كنت أنا من تولى البرمجة ولكنني لم أفعل.
"سأندم على ذلك طوال حياتي!"
كم يعيش الإله يل ترى؟
لدي فضول بسيط وإن كان من منظور أكاديمي بحت، وهذا ليس مفاجئاً بالنظر إلى فضولي.
ولم أحارب يوماً الرغبة أو الدفاع لقتل شخص ما، و نعم إنه لأمر منعش كلما سددت رصاصة في الرأس في ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول، ولكن هذا لا يجعلني متعطشاً للدماء أكثر من الشخص التالي وأنا أؤيد حقوق الحيوان ومستعد للتأكيد على أنني على الأقل أخذت ملصقات لدعم فرقة تحاول تقليل برامج الصيد والقتل في الملاجئ المختلفة.
"إذن أنت لم تلضخ يديك ولكنك ما زلت تستمد المتعة من فعل القتل أليس كذلك؟!"
ولم أسرق شيئاً يوماً ولم أشهد زوراً على آخر ولم أحظَ بمتعة الفوز بقلب امرأة متزوجة، وفوق كل شيء فقد عشت حياتي كشخص مستقيم وصادق وأديت واجباتي في العمل والتزمت بالقانون، ولا يمكنني تذكر مخالفتي النشطة للسلوك المحدد للكائن البشري، ولو كنت قد أُرسلت إلى الحرب فربما كنت سأتلقى وحياً من الآله أثناء الهبوط بالمظلة يفيد بأنني يجب أن أكرس حياتي لتربية الروبيان ولكن لسوء الحظ اقتصرت تجربتي في الخدمة العسكرية على الألعاب عبر الإنترنت.
"لتكن مشيئتك، إذا كنت لن تتوب فلن يكون أمامي خيار سوى فرض عقوبة مناسبة عليك!"
أود الاعتقاد بأن هذه الاتهامات الباطلة لها حدود ولماذا أنا؟ ولكن كقاعدة عامة أعلم أنه ليس من الحكمة أبداً ترك الأمور تسير على مجراها.
"انتظر لحظة إذا سمحت"
"اخرس!"
...أتمنى ألا تفقد أعصابك، وإذا كنت تدعي أنك الكائن الأسمى ورغم أنك لا تبلي بلاءً حسناً في ذلك فأتمنى أن تكون أكثر نضجاً من الناحية العقلية وأعتقد أنه يمكنك حتى الاحتفاظ بالقناع فهذا المحامي الذي أعرفه يبدو كشخصين مختلفين تماماً اعتماداً على ما إذا كان في المحكمة أو عبر الإنترنت، والرجل يملك حياة اجتماعية كاملة ورغم أنني لا أتوقع منك الوصول إلى مستوى كماله إلا أنه يمكنك المحاولة بجد أكبر...
"أنا مرهق بالفعل من إدارة سبعة مليارات نسمة!"
يقول الكتاب المقدس "أثمروا واكثروا واملأوا الأرض" ومع أن معرفتي بالمسألة محدودة إلا أنني متأكد تماماً من أن البشرية تطيع هذه العقيدة بإخلاص ويمكنني تخيل مالتوس يتقلب في قبره، ويمكنك القول إن البشرية "تكاثرت" أكثر من اللازم وإذا كنت ستعمل في الإدارة فأتمنى أن تتابع الأوامر التي تصدرها وآمل ألا تُطرد بعد خسارة احترام جميع مرؤوسيك.
وعلى أية حال وبما أنك المدير فيجب عليك تحمل المسؤولية الكاملة عما قلته.
"كل ما أحصل عليه دائماً هو أنتم أيها المشككون الذين لا يملكون ذرة إيمان إنكم تدفعونني نحو اليأس!"
بصراحة أليس هذا عيباً في نموذج العمل؟
"لن أقبل هذا من شخص نكث عقده، وليس لديهم الرغبة في خوض تجربة التنوير في المقام الأول؟"
لا يمكنك توقع معرفتي ما لم تخطرني وهذا ما أظنه حقاً ومن البديهي إرسال المستندات المهمة عبر البريد المسجل وفي الواقع يجب تسليم العقد شخصياً وكان من الجميل لو تركت العقد على وسيط دائم أيضاً.
"لقد انحنيتم أمام قوانين الآله لعلمك!"
آه إن التقدم العلمي هذه الأيام يكاد يكون سحرياً فالعلم المتطور للغاية، هو سحر عملياً وتحيا العلوم الطبيعية فكل شيء يسير على ما يرام في العالم وفي مجتمع الوفرة، لن ينتشر الشعور بالأزمة ولا التفاني دون وجود تهديد وشيك ولهذا السبب نتشبث بالأشياء يائسين وما لم يُحشر الناس في زاوية فلن يتشبثوا بالدين.
"...إذن وبعبارة أخرى الأمر يشبه... ذلك... آه... أنت تعلم؟"
تقول إنني أعلم ولكنني أخشى ألا أفعل حتى تخبرني
ولا يمكن فعل شيء حيال الطريقة المستخفة المتزايدة التي أعامل بها 'الكيان إكس' ولكن عدم القدرة على إجراء محادثة أمر محبط حقاً فماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟ وفي هذه النقطة لو كانت هناك خدمة مترجم فوري لاستأجرتهم دون قلق كبير بشأن الرسوم.
"إنك مدفوع بالشهوة وتفتقر إلى الإيمان ولا تخشى آلهتك، وعلاوة على ذلك لا يمكنك العثور على ذرة أخلاق في جسدك بالكامل"
اعتراض! أريد أن أصرخ لست بهذا السوء وبناءً على المعايير الأخلاقية والاجتماعية لست فظيعاً كما تصوّرني على الإطلاق!
"وفر عليك هذا فأنتم جميعاً متشابهون وإلا لما التفتنا وكررنا هذه الأغنية والرقصة في كل مرة يولد فيها أحدكم من جديد!"
آه كما قلت من قبل المشكلة الحقيقية هنا هي الانفجار السكاني، أو على الأقل الأمر يتعلق بمتوسط أعمارنا الطويلة فهناك شيء يسمى متوسط العمر المتوقع، ونعم بالطبع هناك أيضاً كتاب مالتوس "مقالة في مبدأ السكان" ألم تقرأه؟ والطريقة التي نتكاثر بها مثل الفئران لا بد أن يديك ممتلئتان وليس الأمر كما لو أننا نفعل شيئاً محدداً وأعتقد أن تحليلاً بسيطاً سيظهر أن نموذج عملك معيب.
"لو زاد عدد المؤمنين مع زيادة السكان لكانت الأمور على ما يرام!"
أجل إذن هناك الخلل في نموذج عملك، وكل ما يمكنني قوله هو أنك قمت بعمل متهور في التحليل النفسي لقاعدتك الاستهلاكية وهذا خطأ هيكلي يعود إلى مراحل التخطيط.
"إذن في حالتك لا تعتقد أن السبب في ذلك هو كونك ذكراً تعيش في عالم العلم وجاهلاً بالحرب وغير مهدد؟"
...هاه؟ ماذا؟ أنا أظن أنني قد أخطأت
حسناً لنهدأ الآن 'الكيان إكس' خطير تماماً كما كان مدير الموارد البشرية خلال تلك الفوضى عندما قامت شركة أخرى باجتذاب مجموعة من مهندسينا المخضرمين، وأنا أفهم الوضع وقد فكرت بالفعل في كيفية التعامل معه.
"إذن لو عالجت ذلك هل كان لمثلك أن يستيقظ فيه الإيمان؟"
آه ألا تقفز إلى الاستنتاجات؟ لماذا لا تهدأ؟ سأعترف بأنني قلت إن العلم المتطور قد حجب الإيمان، ولكن يا إلهي أرجوك اهدأ! هذا صحيح استرخِ ولو كان بإمكاننا الشعور بنعمة الرب لحل ذلك كل شيء وأوه ولكن بالطبع أنا أفهم وأعلم جيداً كيف ترعانا بكرمك بينما ترشدني الآن ونعم أنا أفهم تماماً فهل تتكرم بخفض يدك؟ وهل لي أن أضيف أنني أخشى أن الجزء المتعلق بجهلي بالحرب كان سوء فهم.
"التذلل لن يوصلك إلى أي مكان الآن!"
انتظر يا ربي! أرجو أن تتذكر أنه لم يثبت وجود السحر ولا المعجزات في عالمنا وأي شخص يدعي أنه رأى معجزة تبدو رائحته مريبة والأمر نفسه ينطبق على وجودك! ولأمر آخر لا يهم ما إذا كنت ذكراً أم أنثى فمن الواضح أن كلا الجنسين لديهما رغبة جنسية!
"يكفي هذا لقد عرضت قضيتك وعموماً سأجرب هذا"
"عذراً؟"
"سأختبر هذا عليك!!!!"
-إذن نعم... هذا موجز الذاكرة تقريباً وليتني أستطيع نسيانها
~~~~~~~~ نهاية المقدمة ~~~~~~~~
.........................................................
ترجمة وتدقيق: 𝐾𝐴𝑁𝑃𝐸𝐾𝐼_4