الفصل 16
الاستماع إلى الصمت
عاد زيرو إلى قمة الجبل في صباح اليوم التالي.
هذه المرة لم يكن متحمسًا.
ولم يكن متوترًا.
بل كان فضوليًا فقط.
بعد لقائه الأول مع الناسك، أدرك أن الرجل لا يحب إعطاء الإجابات المباشرة، وأن أي محاولة لانتزاع الأسرار منه بالقوة ستنتهي بالفشل.
لذلك صعد الجبل بهدوء.
دون توقعات كبيرة.
عندما وصل إلى المنزل الخشبي، وجد الناسك جالسًا خارجًا.
يحمل كوب شاي كعادته.
وكأنه لم يتحرك منذ الأمس.
نظر إليه الرجل.
ثم أشار إلى صخرة قريبة.
"اجلس."
جلس زيرو.
مرّت دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم خمس دقائق كاملة.
ولم يتحدث أحد.
في النهاية تنهد زيرو.
"هل هذا هو التدريب؟"
أجاب الناسك دون أن يفتح عينيه:
"لا."
ثم أضاف بعد لحظة:
"هذا أنت تفشل في أول التدريب."
رمش زيرو باستغراب.
"ماذا؟"
فتح الناسك عينيه أخيرًا.
"أنت لا تستطيع تحمل الصمت."
ساد السكون مجددًا.
في البداية أراد زيرو الاعتراض.
لكنه توقف.
لأنه تذكر شيئًا.
منذ حصوله على السجل الأسود...
لم يتوقف عقله عن العمل.
أسئلة.
تحليلات.
مخططات.
مخاوف.
احتمالات.
حتى أثناء نومه كان يفكر.
وللمرة الأولى أدرك أن الرجل ربما يكون محقًا.
ابتسم الناسك ابتسامة خفيفة.
"رأيت؟"
"ماذا؟"
"أدركت الجواب بنفسك."
شعر زيرو برغبة في الجدال.
لكنه قاومها.
بعدها أشار الناسك نحو الغابة الممتدة أسفل الجبل.
"أغمض عينيك."
نفذ زيرو الأمر.
"والآن أخبرني ماذا تسمع."
استمع.
في البداية لم يسمع سوى الرياح.
ثم شيئًا آخر.
أوراق الأشجار.
ثم أصوات طيور بعيدة.
ثم حركة ماء خافتة.
ثم...
بدأ يميز أصواتًا لم ينتبه لها سابقًا.
أصوات كانت موجودة طوال الوقت.
لكنه لم يكن يركز عليها.
مرّت عدة دقائق.
وعندما فتح عينيه مجددًا...
بدا العالم مختلفًا قليلًا.
ليس لأنه تغير.
بل لأنه انتبه إليه أكثر.
أومأ الناسك.
"هذا أول درس."
"الانتباه؟"
"لا."
أجاب الرجل.
"التوقف."
عبس زيرو.
لكن الناسك تابع:
"معظم البشر لا يرون العالم."
وأشار إلى رأسه.
"إنهم يرون الضجيج داخل عقولهم فقط."
بقيت الكلمات تتردد داخل ذهن زيرو.
لأنها أصابته بدقة.
خلال الأيام الماضية كان يراقب الجميع.
ويحلل الجميع.
ويفكر في كل شيء.
لكنه نادرًا ما توقف فعلًا.
في ذلك اليوم استمر التدريب حتى المساء.
لم يكن تدريبًا قتاليًا.
ولم يتعلم أي تقنية.
ولم يشعر بطاقة غامضة تسري في جسده.
لكن شيئًا تغير.
في طريق نزوله من الجبل، لاحظ أمورًا لم يكن لينتبه لها سابقًا.
آثار أقدام قديمة قرب الطريق.
طائرًا يختبئ بين الأغصان.
صوت جدول ماء صغير خلف الصخور.
تفاصيل بسيطة.
لكنها كانت موجودة دائمًا.
هو فقط لم يكن يراها.
وقبل وصوله إلى البلدة بقليل...
توقف فجأة.
لأن عين التحليل تحركت من تلقاء نفسها.
ظهرت فوق أحد المارة موهبة جديدة.
موهبة: الإحساس بالاتجاهات
التصنيف: أخضر
لكن الغريب...
لم يكن ظهور الموهبة هو ما فاجأه.
بل أنه لاحظ الرجل قبل أن تفعل العين.
لثانية كاملة.
شعر أن هناك شيئًا مميزًا فيه.
ثم جاءت المعلومات.
اتسعت عينا زيرو قليلًا.
هذه أول مرة يحدث فيها ذلك.
أول مرة يسبق إحساسه الطبيعي النظام.
اختفت الكلمات سريعًا.
لكن الفكرة بقيت.
ربما...
فقط ربما...
لم يكن السجل الأسود يمنحه كل شيء.
بل كان يساعده على اكتشاف ما يستطيع الوصول إليه بنفسه.
وعندما عاد إلى غرفته تلك الليلة، لم يفتح السجل مباشرة.
بل جلس قرب النافذة.
ينظر إلى البلدة النائمة.
ويستمع.
إلى الرياح.
إلى الصمت.
وإلى شيء آخر صغير جدًا.
شيء بدأ يتشكل في أعماق رحلته.
ليس قوة.
ولا موهبة.
بل أساس القوة.
وفي مكان بعيد داخل أعماق السجل الأسود...
ظهرت جملة جديدة فوق إحدى الصفحات المغلقة.
"الذي لا يستطيع ملاحظة العالم... لن يفهمه أبدًا."
ثم عادت الصفحة إلى سكونها القديم.
..
الكارثة.