في صباح اليوم الثالث على الجبل، لم ينتظر الناسك وصول زيرو.
عندما وصل الشاب إلى المنزل الخشبي، وجد الرجل العجوز واقفًا قرب حافة مرتفعة تطل على الغابة بأكملها.
كانت الرياح أقوى من الأيام السابقة.
تدفع أطراف ثيابه وتحرك الأعشاب الطويلة التي تغطي المنحدرات.
اقترب زيرو بهدوء.
ولأول مرة منذ لقائه بالرجل، لم يبادر بالكلام.
اكتفى بالوقوف بجانبه.
ينظر إلى الأفق.
مرّت عدة دقائق.
ثم قال الناسك فجأة:
"هل رأيت الطيور؟"
رفع زيرو رأسه.
كانت عدة طيور تحلق فوق الوادي.
"نعم."
"هل تعلم كيف تطير؟"
رمش زيرو باستغراب.
"بأجنحتها؟"
ضحك الرجل.
"إجابة صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه."
أشار نحو السماء.
"الأجنحة أداة."
ثم أشار إلى الهواء المحيط بهما.
"أما ما يسمح لها بالطيران فعلًا فهو شيء آخر."
نظر زيرو إلى الرياح.
وبدأ يفهم المقصود.
"الهواء."
أومأ الناسك.
"بالضبط."
ثم التفت إليه.
"والقوة التي يبحث عنها معظم البشر تشبه ذلك."
صمت للحظة.
"الجميع يركز على الأجنحة."
ثم أشار إلى صدره.
"وينسون الهواء."
بقيت الكلمات معلقة داخل عقل زيرو.
لم يكن الرجل يتحدث عن الطيور.
كان يتحدث عن المقاتلين.
وعن المواهب.
وعن القوة نفسها.
جلسا فوق صخرة كبيرة قرب حافة الجبل.
هذه المرة لم يطلب الناسك منه إغلاق عينيه.
ولم يطلب منه التأمل.
بل سأله سؤالًا بسيطًا.
"عندما تشعر بالخوف..."
"ماذا يحدث لجسدك؟"
فكر زيرو قليلًا.
"يتسارع نبضي."
"وماذا أيضًا؟"
"أصبح أكثر انتباهًا."
أومأ الرجل.
"وعندما تغضب؟"
"يتوتر جسدي."
"وعندما تفرح؟"
"أشعر بالخفة."
ابتسم الناسك.
"إذن أنت تعرفه بالفعل."
عبس زيرو.
"أعرف ماذا؟"
نظر الرجل نحو السماء.
"الطاقة."
تجمد زيرو قليلًا.
لكن الناسك أكمل قبل أن يقاطعه.
"البشر يعتقدون أن الطاقة شيء غامض."
"شيء بعيد."
"شيء لا يملكه إلا الأقوياء."
هز رأسه ببطء.
"وهذا خطأ."
ثم وضع يده فوق صدره.
"كل نبضة قلب."
"كل نفس."
"كل فكرة."
"كل حركة."
"هي جزء منها."
ساد الصمت.
ولأول مرة لم يشعر زيرو أن الكلمات مجرد فلسفة غامضة.
لأنها كانت منطقية.
بشكل مزعج.
استمر التدريب طوال النهار.
لكن التدريب هذه المرة كان مختلفًا.
كان عليه أن يمشي عبر طريق جبلي طويل.
ببطء.
ببطء شديد.
وكلما فقد تركيزه...
كان الناسك يطلب منه العودة للبداية.
في المرة الأولى ظن الأمر سخيفًا.
في المرة الثانية شعر بالانزعاج.
أما في المرة الثالثة...
بدأ يلاحظ شيئًا.
كلما هدأ عقله...
أصبحت خطواته أكثر ثباتًا.
وأصبح تنفسه أكثر انتظامًا.
وأصبح الإرهاق أبطأ.
فرق صغير.
لكن موجود.
مع اقتراب الغروب، جلس فوق إحدى الصخور يلتقط أنفاسه.
كانت الشمس تنحدر ببطء خلف الجبال.
والعالم يغرق في ألوان برتقالية هادئة.
أغمض عينيه للحظة.
فقط للحظة.
ثم...
شعر بشيء غريب.
إحساس خافت للغاية.
أضعف من نسمة هواء.
وأصغر من أن يوصف.
لكنه كان موجودًا.
كأن هناك حركة مستمرة حوله.
داخل الأشجار.
وفي الأرض.
وفي الكائنات الحية المحيطة به.
فتح عينيه فورًا.
فاختفى كل شيء.
تجمد مكانه.
هل تخيل ذلك؟
أم حدث فعلًا؟
نظر نحو الناسك.
كان الرجل يشرب الشاي بهدوء.
وكأنه لم يلاحظ شيئًا.
لكن بعد لحظات قال دون أن ينظر إليه:
"لا تطارده."
اتسعت عينا زيرو.
"ماذا؟"
ابتسم الناسك.
"كلما طاردته..."
"ابتعد."
ثم رفع رأسه نحو السماء.
"بعض الأشياء لا تُمسك بالقوة."
"بل تُلاحظ عندما تتوقف عن الإمساك بها."
في تلك الليلة، عاد زيرو إلى غرفته داخل النزل.
ولم يفتح السجل الأسود.
ولم يفكر في المواهب.
ولم يحاول تحليل ما حدث.
جلس فقط قرب النافذة.
ينظر إلى النجوم.
ويتنفس بهدوء.
لأن شعورًا غريبًا بدأ يتكون داخله.
شعور يقول إن الطريق الذي يسير فيه أطول بكثير مما تخيل.
لكن للمرة الأولى...
لم يكن منزعجًا من ذلك.
وفي أعماق السجل الأسود...
تحركت إحدى الصفحات القديمة جدًا.
صفحة تحمل اسمًا مطموسًا.
اسم أحد الحاملين الستة السابقين.
وللحظة قصيرة جدًا...
ظهر تحت الاسم سطر واحد.
"لقد شعر به لأول مرة."
ثم عاد كل شيء إلى السكون.
...الكارثة.