الفصل 18
الأثر الذي لم يختفِ
استيقظ زيرو قبل الفجر بقليل.
لعدة ثوانٍ لم يعرف أين هو.
ثم تذكر.
البلدة الجبلية.
النزل القديم.
الناسك.
والشعور الغريب الذي اختبره بالأمس.
ذلك الإحساس الخافت الذي ظهر للحظة ثم اختفى.
جلس فوق السرير بصمت.
لم يحاول استدعاءه مجددًا.
ولم يحاول فهمه.
لقد تعلم شيئًا خلال الأيام الماضية.
كلما ركض خلف بعض الأشياء...
ابتعدت.
خرج من النزل قبل شروق الشمس.
كانت البلدة ما تزال نائمة.
والمصابيح القليلة المعلقة على أطراف الطرق ترسل ضوءًا باهتًا فوق الأحجار القديمة.
بدأ صعود الجبل.
لكن هذه المرة كان انتباهه مختلفًا.
لم يعد يركز فقط على وجهته.
بل على الطريق نفسه.
صوت خطواته.
برودة الهواء.
احتكاك الرياح بالأشجار.
أشياء صغيرة لم يكن يلاحظها سابقًا.
عندما وصل إلى منزل الناسك، وجد الباب مفتوحًا.
لكن الرجل لم يكن موجودًا.
بدلًا منه وُضعت ورقة صغيرة فوق الطاولة الخشبية.
اقترب زيرو والتقطها.
كانت تحتوي على جملة واحدة فقط.
"اصعد إلى القمة الشرقية."
لا شرح.
لا تعليمات.
لا شيء آخر.
تنهد.
ثم استدار نحو الطريق المؤدي إلى القمة.
استغرق الوصول أكثر من ساعة.
كلما ارتفع أكثر أصبحت الأشجار أقل.
وأصبح الهواء أبرد.
حتى وصل أخيرًا إلى منطقة صخرية مرتفعة تطل على الجبال المحيطة كلها.
وهناك...
وجد الناسك جالسًا فوق صخرة كبيرة.
"تأخرت."
قالها دون أن يلتفت.
"كنت أظن أنني مبكر."
"إذن الجبل أسرع منك."
كاد زيرو يرد.
لكنه تراجع.
فلا فائدة من محاولة فهم منطق هذا الرجل أحيانًا.
جلس بجواره.
وظل الاثنان صامتين لبعض الوقت.
ثم أشار الناسك نحو الأرض.
"أنظر."
خفض زيرو نظره.
في البداية لم ير شيئًا.
ثم لاحظ مجموعة من الخطوط المحفورة داخل الصخور.
قديمة جدًا.
حتى إن أجزاءً منها كانت ممحوة بفعل الزمن.
"ما هذه؟"
أجاب الناسك:
"آثار."
"لمن؟"
هز الرجل كتفيه.
"لا أعلم."
قطب زيرو حاجبيه.
"إذا كنت لا تعلم فلماذا أحضرتني إلى هنا؟"
ابتسم الناسك.
"لأنك تنظر."
ساد الصمت.
ثم أضاف:
"أما معظم الناس فلا يفعلون."
عاد زيرو للتحديق في النقوش.
كانت غريبة.
لا تشبه كتابة يعرفها.
ولا رموزًا مألوفة.
لكن شيئًا ما...
أثار شعورًا غريبًا داخله.
شعورًا مألوفًا.
تجمدت أنفاسه للحظة.
لأنه شعر بالإحساس نفسه الذي شعر به عندما لمس السجل الأسود للمرة الأولى.
إحساس بعيد.
قديم.
وعميق بشكل يصعب وصفه.
فجأة...
تحرك السجل الأسود داخل عقله.
ليس برسالة.
ولا بإشعار.
بل بشعور.
كأن صفحة ما اهتزت في الأعماق.
ثم عاد كل شيء إلى طبيعته.
اتسعت عينا زيرو.
"ماذا حدث؟"
نظر إليه الناسك للحظة.
ثم قال:
"هل شعرت بشيء؟"
تردد زيرو.
لكنه أومأ في النهاية.
لأول مرة منذ لقائه بالرجل...
ظهرت الجدية فوق وجه الناسك.
"جيد."
لم يشرح أكثر.
ولم يطرح أسئلة إضافية.
فقط نهض ببطء.
"تعال."
بدأ الاثنان بالسير بمحاذاة الجرف الصخري.
وخلال الطريق قال الرجل فجأة:
"الناس يعتقدون أن الزمن يمحو كل شيء."
توقفت خطوات زيرو قليلًا.
"أليس هذا صحيحًا؟"
هز الناسك رأسه.
"لا."
وأشار إلى الصخور.
"الزمن لا يمحو."
ثم لمس أحد النقوش القديمة.
"الزمن يدفن."
ساد الصمت.
أما زيرو...
فشعر أن الكلمات لم تكن موجهة لتلك النقوش.
بل لشيء آخر.
شيء أكبر بكثير.
في المساء عاد إلى النزل.
كان مرهقًا.
لكن عقله كان أكثر نشاطًا من أي وقت مضى.
جلس قرب النافذة.
وأخرج السجل الأسود.
ظهرت الصفحات المعتادة.
صفحة موهبة سرعة الاستيعاب.
وصفحات فارغة كثيرة.
لكن أثناء تقليبه للصفحات...
توقف فجأة.
لأن شيئًا لم يكن موجودًا سابقًا.
في آخر الكتاب...
بعيدًا جدًا عن الصفحات المفتوحة...
ظهرت صفحة رمادية باهتة.
لم تكن واضحة بالكامل.
وكأنها تحاول الظهور.
وعلى سطحها...
كان هناك اسم واحد فقط.
اسم غير مكتمل.
الحامل الثالث...
ثم اختفت الصفحة فورًا.
قفز زيرو واقفًا.
أعاد فتح السجل.
وقلب الصفحات بسرعة.
لكن الصفحة لم تعد موجودة.
كأنها لم تظهر أصلًا.
ظل واقفًا لعدة دقائق.
وقلبه ينبض بقوة.
لأنه أدرك شيئًا أخيرًا.
الحاملون السابقون ليسوا مجرد قصة قديمة.
وليسوا مجرد أسماء مجهولة.
إنهم ما زالوا هناك.
بطريقة ما.
مختبئين داخل أعماق السجل الأسود.
ينتظرون.
وفي تلك الليلة...
لأول مرة منذ بداية الرحلة...
لم يحلم زيرو بالمستقبل.
بل حلم بصفحات سوداء تتطاير وسط ظلام لا نهاية له.
وفي أعماق ذلك الظلام...
وقف شخص مجهول.
لا يظهر وجهه.
ولا صوته.
لكن قبل أن يستيقظ زيرو بلحظة...
سمع همسة واحدة فقط.
"لا تكرر خطأنا..."
ثم انقطع كل شيء.
نهاية الفصل 18
...الكارثة.