الفصل 23
الرجل الذي اختار طريقًا آخر
في طريق عودته من المخبأ الحجري، لم يشعر زيرو بالحماس الذي توقعه.
بل بشيء أثقل.
شيء أقرب إلى الحيرة.
كان يظن أن كل أثر جديد سيمنحه إجابة.
لكن كلما تقدم خطوة...
ازدادت الأسئلة.
الحامل الثالث يقوده نحو الحامل الرابع.
لكن لماذا؟
ولماذا ترك ذلك الرمز؟
ولماذا كانت إحدى الدوائر السبع مطموسة؟
لم يحصل على جواب.
ولم يتوقع الحصول عليه قريبًا.
لهذا أخفى القطعة المعدنية داخل حقيبته.
وعاد إلى البلدة.
كانت السماء قد تحولت إلى اللون البرتقالي عندما دخل الشارع الرئيسي.
بدأت المتاجر بإغلاق أبوابها.
وعاد الناس إلى منازلهم بعد يوم طويل.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا.
هادئًا.
بسيطًا.
لكن زيرو لم يعد يرى الأمور بالطريقة نفسها.
كل شخص يمر أمامه يحمل قصة.
كل طريق قد يخفي أثرًا.
وكل حجر قد يكون شاهدًا على شيء أقدم مما يتخيل.
عندما وصل إلى النزل، فوجئ بوجود شخص ينتظره أمام الباب.
رين.
كان يجلس فوق أحد الصناديق الخشبية.
وقد بدا عليه الملل الشديد.
ما إن رأى زيرو حتى نهض.
"أخيرًا."
عبس زيرو.
"هل كنت تنتظرني؟"
"منذ ساعتين."
"لماذا؟"
أشار رين نحو معدته.
"لأنك وعدتني بالغداء منذ يومين."
ساد الصمت.
ثم تذكر زيرو فعلًا.
وانفجر رين ضاحكًا عندما رأى تعبير وجهه.
"كنت أمزح."
تنهد زيرو.
"بدأت أفهم لماذا لا يطيقك بعض الناس."
"وهذا دليل على ذكائك."
بعد قليل كانا يجلسان داخل مطعم صغير.
لأول مرة منذ فترة طويلة وجد زيرو نفسه يتحدث بشكل طبيعي.
ليس عن السجل الأسود.
ولا عن الحاملين.
ولا عن الأسرار.
بل عن أمور عادية.
عن البلدة.
والتدريب.
والسفر.
وأدرك شيئًا غريبًا.
منذ حصوله على السجل الأسود...
بدأ يبتعد تدريجيًا عن الناس.
ليس لأنه يريد ذلك.
بل لأن جزءًا منه أصبح يحمل سرًا لا يستطيع مشاركته مع أحد.
ولهذا كانت هذه الجلسة مريحة بشكل غير متوقع.
بعد انتهاء الطعام خرجا معًا.
وفي أثناء سيرهما عبر السوق الليلي...
توقف رين فجأة.
"هل تشعر بذلك؟"
رفع زيرو رأسه.
"بماذا؟"
لم يجب رين مباشرة.
بل نظر نحو السماء.
كانت هناك نقطة صغيرة بعيدة جدًا تتحرك بين السحب.
في البداية ظنها طائرًا.
لكنها كانت أسرع.
أسرع بكثير.
ثم اختفت.
اتسعت عينا زيرو قليلًا.
"ما كان ذلك؟"
هز رين كتفيه.
"لا أعلم."
ثم أضاف:
"لكن كبار السن في هذه المنطقة يتحدثون أحيانًا عن مقاتلين يستطيعون الطيران."
ابتسم ساخرًا.
"أظنها مجرد قصص."
لكن زيرو لم يضحك.
لأنه يعرف أن هذا العالم أكبر بكثير مما يراه سكان هذه البلدة.
في صباح اليوم التالي صعد نحو الجبل مجددًا.
هذه المرة كان الناسك واقفًا أمام المنزل.
وكأنه كان ينتظره.
نظر الرجل إلى زيرو للحظات.
ثم قال:
"وجدت الأثر التالي."
لم تكن سؤالًا.
بل حقيقة.
تنهد زيرو.
"هل تعرف كل شيء؟"
ابتسم الناسك.
"لو كنت أعرف كل شيء لما بقيت هنا."
ثم أشار إلى المقعد الخشبي.
"اجلس."
جلس زيرو.
وأخرج القطعة المعدنية السوداء.
لأول مرة عرضها على أحد.
أخذها الناسك.
وقلبها بين أصابعه.
لكن المفاجأة...
أن ملامحه لم تتغير.
كأنه يعرفها مسبقًا.
"رأيتها من قبل؟"
سأل زيرو فورًا.
أعاد الرجل القطعة إليه.
ثم قال بهدوء:
"لا."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"لكنني رأيت شيئًا يشبهها."
شعر زيرو بأنفاسه تتباطأ.
وأكمل الرجل:
"منذ سنوات طويلة."
"أطول مما تتصور."
نهض الناسك ببطء.
ثم سار نحو حافة الجبل.
وقال دون أن يلتفت:
"هناك أشخاص يتركون آثارًا لأنهم يريدون أن يُتذكروا."
"وهناك أشخاص يتركون آثارًا لأنهم يخشون أن يختفي شيء مهم معهم."
رفع القطعة بين أصابعه.
"أما هذه..."
توقف قليلًا.
"فلا تبدو لي من النوع الأول."
ساد الصمت.
ثم التفت نحو زيرو.
ولأول مرة منذ بداية التدريب...
ظهرت الجدية الكاملة على وجهه.
"إذا كنت ستتبع هذا الطريق..."
"فتذكر شيئًا واحدًا."
"ليس كل حامل سابق كان بطلاً."
تجمد زيرو مكانه.
لكن الناسك أكمل.
"وليس كل من فشل كان ضعيفًا."
مرت عدة ثوانٍ.
قبل أن يضيف جملته الأخيرة.
"أخطر الأشخاص في التاريخ..."
"هم أولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم على حق."
بقيت الكلمات معلقة في الهواء.
أما زيرو...
فنظر إلى الدائرة المنقوشة خلف القطعة.
إلى كلمة "الرابع".
وشعر للمرة الأولى أن الطريق الذي يسير فيه قد لا يقوده فقط إلى أسرار.
بل إلى أشخاص.
أشخاص اختلفوا.
وتصارعوا.
وربما...
خان بعضهم بعضًا.
وفي مكان بعيد جدًا...
خلف الجبال.
وخلف المدن.
وخلف المناطق التي يعرفها زيرو.
كان رجل مجهول يحلق عبر السماء بسرعة هائلة.
يمزق السحب أثناء مروره.
وقوة خافتة تهز الهواء حوله.
أما زيرو...
فلم يكن يعلم بعد أن عالمه الهادئ ليس سوى زاوية صغيرة جدًا من عالم أكبر بكثير.
عالم تتحرك فيه وحوش حقيقية.
وعمالقة قادرون على تحطيم الجبال.
وعندما يصل إليهم يومًا ما...
سيكتشف أن كل ما تعلمه حتى الآن لم يكن سوى البداية.
نهاية الفصل
...الكارثة.