الفصل 24

بين الإرث والطريق

لم ينم زيرو كثيرًا تلك الليلة.

كانت كلمات الناسك تدور داخل رأسه مرارًا.

"ليس كل حامل سابق كان بطلاً."

جملة بسيطة.

لكنها حطمت فكرة كان يحملها دون أن يشعر.

منذ ظهور السجل الأسود في حياته، كان يتعامل مع الحاملين السابقين وكأنهم شخصيات أسطورية.

أشخاص أقوياء.

حكماء.

وأفضل منه.

لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟

ماذا لو كان بعضهم مخطئًا؟

ماذا لو كانت بعض آثارهم تقوده نحو طرق مسدودة؟

مع بزوغ الفجر نهض من سريره.

غسل وجهه.

ثم أخرج القطعة المعدنية السوداء.

تأمل الدوائر السبع المنقوشة عليها.

إحدى الدوائر كانت مطموسة.

وست دوائر ما تزال واضحة.

أما كلمة الرابع فبقيت ثابتة كما هي.

قلب القطعة بين أصابعه عدة مرات.

ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه سابقًا.

خدش صغير جدًا قرب إحدى الحواف.

صغير لدرجة أنه بدا كعيب في المعدن.

لكن عندما وجهه نحو ضوء النافذة...

اكتشف أنه ليس خدشًا.

بل سهم.

سهم دقيق للغاية.

تسارعت أنفاسه قليلًا.

"هل كنت تخفي شيئًا آخر؟"

تمتم لنفسه.

أخذ معطفه وغادر النزل مباشرة.

هذه المرة لم يتجه نحو الجبل.

بل اتبع اتجاه السهم.

في البداية ظن أنه مجرد صدفة.

لكن كلما تحرك أكثر...

بدا وكأن السهم يشير نحو جهة محددة فعلًا.

قادته الرحلة خارج البلدة.

ثم عبر طريق ترابي قديم.

ثم إلى منطقة لم يزرها من قبل.

كانت هناك تلال منخفضة مغطاة بالأعشاب البرية.

وصخور متناثرة بفوضى.

ولا شيء يوحي بوجود سر مخفي.

لكن زيرو واصل السير.

حتى وصل أخيرًا إلى تل صغير منعزل.

وهناك توقف.

لأن السهم لم يعد يشير إلى الأمام.

بل نحو الأسفل.

نظر حوله.

لا شيء.

ثم بدأ يبحث بين الصخور.

استغرق الأمر قرابة ساعة كاملة.

حتى عثر على فجوة ضيقة مخبأة خلف شجيرة يابسة.

انحنى بحذر.

ودخل.

بعد بضعة أمتار فقط انفتح المكان إلى تجويف طبيعي صغير.

لم يكن كهفًا حقيقيًا.

بل أشبه بغرفة صنعها الزمن داخل التل.

وفي وسطها...

كان هناك حجر واحد.

لكن هذا الحجر لم يكن أسود.

بل أبيض بالكامل.

اقترب زيرو ببطء.

ولسبب لا يعرفه...

شعر أن المكان مختلف عن المخبأ السابق.

المخبأ الأول كان يحمل شعورًا بالكتمان.

أما هذا المكان...

فحمل شعورًا بالوضوح.

كأن الشخص الذي تركه لم يحاول إخفاء نفسه.

بل أراد أن يُفهم.

وقف أمام الحجر الأبيض.

ثم لاحظ الكتابة.

كانت أكثر وضوحًا من كتابة الحامل الثالث.

وأقل تضررًا بفعل الزمن.

قرأ السطر الأول.

"إذا كنت تبحث عن الحقيقة..."

"فتوقف عن البحث في آثار الآخرين."

تجمد زيرو.

ثم أكمل القراءة.

"كل خطوة تخطوها خلف شخص آخر..."

"تبعدك خطوة عن طريقك أنت."

ساد الصمت.

أما زيرو...

فشعر بأن الكلمات تصيبه مباشرة.

لأن هذا ما يفعله منذ فترة.

يتبع آثار الحاملين.

يقرأ رسائلهم.

ويحاول فهمهم.

لكن متى كانت آخر مرة فكر في طريقه هو؟

جلس أمام الحجر.

وتذكر كلمات الحامل الثالث.

ثم قارنها بهذه الكلمات.

والفرق كان واضحًا.

الحامل الثالث ترك طريقًا.

أما صاحب هذا الحجر...

فكان يحذر من اتباع الطرق أصلًا.

فلسفتان متناقضتان بالكامل.

ولهذا فهم زيرو أخيرًا ما قصده الناسك.

الحاملون السابقون لم يكونوا مجموعة واحدة.

بل أشخاصًا مختلفين.

لكل منهم رؤيته الخاصة.

فجأة لاحظ سطرًا إضافيًا أسفل الرسالة.

كان باهتًا جدًا.

اقترب أكثر.

ثم قرأه بصعوبة.

"إذا وجدت هذا المكان..."

"فقد وصلت متأخرًا."

"كما وصل غيرك قبلك."

توقفت أنفاس زيرو للحظة.

غيرك؟

هل يقصد حاملًا سابقًا؟

أم شخصًا آخر؟

قبل أن يتمكن من التفكير أكثر...

ظهر شيء غريب على سطح الحجر.

خط واحد فقط.

ثم خط ثانٍ.

ثم ثالث.

كأن أحدهم يرسم شيئًا ببطء.

حتى تشكل رمز مألوف.

الدوائر السبع.

لكن هذه المرة...

كانت دائرة مختلفة هي المطموسة.

ليس الرابعة.

بل السادسة.

اتسعت عينا زيرو.

لأن هذا يعني شيئًا واحدًا.

هذه الرسالة لم يتركها الحامل الرابع.

بل شخص آخر.

شخص مرتبط بالدائرة السادسة.

بقي جالسًا في صمت طويل.

لأول مرة منذ بداية رحلته.

لم يشعر أنه يقترب من الإجابات.

بل شعر أن حجم اللغز يتضاعف.

والمفاجأة الغريبة...

أنه لم يكره ذلك.

على العكس.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

لأن جزءًا منه بدأ يستمتع بالطريق نفسه.

لا بالنهاية فقط.

عندما خرج من التجويف كان الغروب قد اقترب.

لون السماء تحول إلى البرتقالي الداكن.

والرياح أصبحت أبرد.

رفع رأسه نحو الأفق البعيد.

ثم تذكر أول يوم وصل فيه إلى هذا العالم.

كان خائفًا.

مرتبكًا.

ولا يفكر إلا في النجاة.

أما الآن...

فما يزال خائفًا.

لكن الخوف لم يعد يقوده.

بل يدفعه إلى الأمام.

وهذا فرق كبير.

وفي تلك اللحظة...

بعيدًا داخل السجل الأسود...

تحركت إحدى الصفحات المغلقة للحظة قصيرة.

لكنها لم تفتح.

واكتفت بترك سطر واحد قبل أن تعود للسكون.

"الوريث بدأ يختار بنفسه."

ثم اختفى كل شيء.

أما زيرو...

فبدأ رحلة العودة نحو البلدة.

دون أن يعلم أن الأثر التالي لن يقوده إلى حجر أو رسالة.

بل إلى شخص حي.

شخص يعرف أكثر مما ينبغي عن الدوائر السبع.

نهاية الفصل

..الكارثة.

2026/06/13 · 1 مشاهدة · 742 كلمة
Shadow VII
نادي الروايات - 2026