الفصل 6
الصفحة التي لم تكن موجودة
عندما عاد زيرو إلى منزله تلك الليلة، لم يتجه إلى سريره كما اعتاد، بل جلس قرب النافذة المطلة على الشارع الهادئ.
كان المطر قد توقف منذ ساعات، لكن آثار الماء ما زالت تلمع فوق الأرصفة تحت ضوء المصابيح الصفراء الخافتة. أما المدينة فقد بدأت تغرق تدريجيًا في سكون الليل.
أخرج الكتاب البني القديم من حقيبته ووضعه فوق الطاولة.
منذ مغادرته المكتبة لم يتوقف عن التفكير في الصفحة الممزقة.
كان الأمر غريبًا.
غريبًا أكثر مما أراد الاعتراف به.
فلو كانت الصفحة تحتوي معلومة مهمة، فلماذا لم يمزق أحد الكتاب كله؟
ولماذا تركه في المكتبة أصلًا؟
مد يده نحو الكتاب وفتحه من جديد.
بدأ يقلب الصفحات ببطء.
صفحة بعد صفحة.
سطر بعد سطر.
لم يكن يبحث عن شيء محدد.
فقط يحاول ملاحظة أي تفصيلة فاتته.
مرت دقائق طويلة.
ثم فجأة...
توقفت يده.
عبس زيرو.
وأعاد النظر إلى الصفحة أمامه.
كان متأكدًا أنه قرأها سابقًا.
لكنه لم يتذكر وجود هذا السطر.
اقترب أكثر.
كانت الكلمات باهتة جدًا.
وكأنها كُتبت بحبر اختفى مع الزمن.
"الأشياء التي تُمحى لا تختفي دائمًا."
ساد الصمت داخل الغرفة.
شعر زيرو بقشعريرة خفيفة تمر في ظهره.
أعاد قراءة الجملة مرة أخرى.
ثم ثالثة.
لكنها لم تتغير.
كانت موجودة فعلًا.
ومع ذلك...
كان متأكدًا أنه لم يرها عندما فتح الكتاب داخل المكتبة.
تحرك السجل الأسود في أعماقه.
لا رسالة.
ولا نافذة.
فقط ذلك الشعور المألوف.
كأن شيئًا ما انتبه.
أغلق زيرو الكتاب فورًا.
ثم نهض واتجه نحو النافذة.
كان بحاجة إلى التفكير.
منذ حصوله على النظام، بدأت تظهر أمامه أمور أكثر مما يستطيع فهمه.
لكن المشكلة لم تكن في عدد الأسرار.
بل في الترابط بينها.
الرجل فوق الجبل.
الصفحة المفقودة.
الأثر.
العجوز.
والآن هذه الجملة.
كلها تبدو مرتبطة بطريقة ما.
لكنه لا يرى الصورة كاملة.
في صباح اليوم التالي، عاد إلى حياته الطبيعية.
أو حاول ذلك على الأقل.
تناول إفطاره، وخرج إلى الشارع، وتجول بين الأحياء المعتادة.
لكن تركيزه أصبح مختلفًا.
لم يعد ينظر إلى المواهب فقط.
بل بدأ يراقب الناس أنفسهم.
كيف يتصرفون.
كيف يتحدثون.
كيف يستفيدون من مواهبهم دون أن يعرفوا بوجودها أصلًا.
ومع مرور الساعات بدأ يلاحظ أمرًا غريبًا.
الأشخاص الذين يملكون مواهب قوية نسبيًا...
غالبًا ما يملكون أهدافًا واضحة.
بينما أصحاب المواهب الضعيفة يعيشون بشكل عشوائي أكثر.
لم يكن الأمر قاعدة مطلقة.
لكنه كان نمطًا متكررًا.
"هل الموهبة تصنع الشخص؟"
تمتم وهو يسير في الشارع.
ثم هز رأسه.
"أم أن الشخص هو من يصنع موهبته؟"
كان سؤالًا بسيطًا.
لكنه بقي يرافقه طوال اليوم.
عند الغروب، مر بجوار ساحة صغيرة كان عدد من الشباب يتدربون فيها على الجري.
راقبهم بصمت.
بعضهم موهوب.
وبعضهم عادي.
لكن الجميع كانوا يتعبون ويتدربون بنفس القدر.
في تلك اللحظة فقط فهم شيئًا مهمًا.
حتى لو امتلك أفضل موهبة في العالم...
فلن تفيده إن لم يعرف كيف يستخدمها.
ابتسم للمرة الأولى منذ أيام.
كانت فكرة بسيطة.
لكنها أعطته شعورًا بالراحة.
وفي تلك الليلة...
عندما فتح السجل الأسود قبل النوم، لاحظ شيئًا جديدًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
في آخر صفحة من الصفحات التي يستطيع الوصول إليها.
كان هناك أثر خافت لصفحة أخرى.
صفحة مغلقة.
لم تكن موجودة سابقًا.
أو ربما...
لم يكن قادرًا على رؤيتها.
حاول فتحها.
لكنها لم تستجب.
وبقيت مغلقة.
صامتة.
كأنها تنتظر شيئًا.
أما زيرو...
فلم يكن يعلم أن أول خطوة حقيقية في رحلته لم تبدأ عندما حصل على النظام.
بل بدأت اليوم.
في اللحظة التي بدأ فيها طرح الأسئلة الصحيحة.
نهاية الفصل.
(شباب عارف والله انه بعض رواياتي غريبة بس لستنا مبتدى شكرا على دعمكم)
...الكارثة.