الفصل 9
الرجل الذي يسير عكس التيار
مرت الأيام التالية بهدوء ظاهري.
في الصباح كان زيرو يتجول بين شوارع المدينة، وفي المساء يعود إلى مكتبة الغروب أو يجلس فوق سطح منزله يراقب السماء. لم يحدث شيء كبير، ولم تظهر أسرار جديدة، لكن شعورًا خفيًا كان يتشكل داخله ببطء.
كان يتغير.
ليس جسده.
ولا قوته.
بل طريقته في النظر إلى العالم.
في السابق كان يرى الناس كما يراهم الجميع.
أما الآن...
فأصبح يرى خلف الوجوه.
خلف الكلمات.
وخلف الأفعال الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
كان يرى المواهب.
لكن الأهم من ذلك...
أنه بدأ يرى آثارها.
في أحد الأيام، كان يسير في سوق مزدحم يعج بالباعة والمارة.
الأصوات تتداخل من كل اتجاه.
نداءات التجار.
ضحكات الأطفال.
أصوات العربات المتحركة.
فوضى معتادة.
لكن وسط تلك الفوضى لفت انتباهه رجل في منتصف العمر.
لم يكن مميزًا من ناحية المظهر.
ثياب عادية.
خطوات هادئة.
ووجه لا يتذكره أحد بعد دقائق من رؤيته.
ومع ذلك...
توقفت عين التحليل عنده.
موهبة: قراءة النوايا
التصنيف: أخضر
شعر زيرو بالدهشة.
كانت الموهبة غريبة.
أكثر غرابة من معظم ما رآه سابقًا.
لكن ما أثار فضوله أكثر هو الرجل نفسه.
فبدل أن يتحرك مع الزحام...
كان يتحرك عكسه.
كأن لديه طريقًا مختلفًا لا يراه الآخرون.
دون أن يشعر، بدأ زيرو يتبعه.
ليس بدافع الطمع.
بل الفضول.
قاد الرجل خطواته عبر عدة شوارع ضيقة قبل أن يدخل حديقة صغيرة تقع في طرف المدينة.
هناك جلس على مقعد خشبي قديم.
وأخرج كيسًا صغيرًا من الطعام.
ثم بدأ يطعم الطيور.
فقط ذلك.
لا شيء آخر.
وقف زيرو بعيدًا يراقب.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
ثم نصف ساعة.
الرجل لم يفعل شيئًا مثيرًا.
لكنه لم يشعر بالملل.
بل على العكس.
كلما راقبه أكثر، شعر أن هناك هدوءًا غريبًا يحيط به.
عندما نهض الرجل أخيرًا وغادر، لم يتبعه زيرو هذه المرة.
بل جلس مكانه على المقعد نفسه.
ونظر إلى الطيور التي بقيت تبحث عن الفتات.
"غريب..."
تمتم بصوت منخفض.
في تلك اللحظة فقط أدرك شيئًا مهمًا.
كان يطارد المواهب منذ أيام.
لكن أصحابها...
لم يكونوا مجرد وسائل للحصول عليها.
لكل واحد منهم حياة.
وتجارب.
وأسباب جعلته يصل إلى ما هو عليه.
وفي المساء، عاد إلى مكتبة الغروب.
وجد العجوز جالسًا كعادته خلف المكتب.
يقلب صفحات كتاب قديم.
"هل سبق أن حصلت على موهبة؟"
سأل زيرو فجأة.
رفع العجوز عينيه ببطء.
ثم ابتسم.
"سؤال خطير."
"وهل هذا جواب؟"
ضحك الرجل العجوز بخفة.
ثم أغلق كتابه.
"دعني أسألك شيئًا."
أشار إلى رفوف المكتبة الممتدة حولهما.
"لو أعطيتك عشرة آلاف كتاب دفعة واحدة..."
"هل تصبح عالمًا؟"
هز زيرو رأسه.
"بالطبع لا."
أومأ العجوز.
"إذن لماذا يعتقد كثير من الناس أن امتلاك القوة يكفي؟"
ساد الصمت.
لم يكن زيرو بحاجة إلى شرح إضافي.
لقد فهم المقصود.
عندما غادر المكتبة كان الليل قد حل بالكامل.
المدينة أكثر هدوءًا الآن.
والسماء صافية بشكل نادر.
وقف فوق سطح منزله.
ينظر إلى النجوم.
ثم استدعى السجل الأسود.
ظهرت الصفحات المألوفة.
لكن هذه المرة...
توقفت عيناه عند سطر جديد.
سطر لم يكن موجودًا من قبل.
التقييم الحالي للوريث: مراقب.
ظل يحدق فيه عدة ثوانٍ.
ثم ظهرت تحته عبارة أخرى.
اقتربت من الشرط الأول.
اختفت الكلمات فورًا.
وكأنها لم تظهر أصلًا.
لكن قلب زيرو تسارع.
لأنه للمرة الأولى منذ حصوله على السجل...
شعر أن شيئًا ما يقترب فعلًا.
شيء صغير.
لكنه حقيقي.
وفي مكان مجهول بعيدًا عن الأرض...
داخل قاعة مظلمة خالية من النوافذ...
تحركت صفحة قديمة داخل كتاب أسود ضخم.
ببطء شديد.
وكأن قوة غير مرئية بدأت تدفعها.
أما الاسم المكتوب على الصفحة...
فبقي مخفيًا داخل الظلام.
لكن لأول مرة منذ زمن طويل...
بدأ الحبر فوقه يستعيد جزءًا من لونه.
...الكارثة.