2 - ليلة سقوط المطر الأسود (الجزء الثاني من آرك سيول)

الفصل الثاني: ليلة سقوط المطر الأسود (الجزء الثاني من آرك سيول)

الظلام لم يكن صامتاً. كان مشحوناً بصوت طنين خافت أشبه بذبذبات الكهرباء في سلك مكشوف، يتصاعد ببطء داخل رأسي حتى تحول إلى صفير حاد أجبرني على فتح عيني رغماً عني.

وجدتُ نفسي ما زلت مستلقياً على الأرضية المشمعة الباردة لغرفتي الـ (Goshiwon). اللابتوب كان يئن، ومروحته تدور بأقصى سرعتها مطلقةً حرارة خانقة، والسطر الذي ظللته باللون الأحمر عن موت "لوكان فلير" ما زال يرتعش على الشاشة كأنه يسخر مني.

"أنا... لم أمت؟"

نهضت بصعوبة، متكئاً على حافة الطاولة الخشبية الصغيرة. جسدي كان يرتجف، لكن الغريب أن صدري لم يكن يغلي كما كان قبل دقائق. غياب السعال الدموي المفاجئ منحني شعوراً مرعباً بالخفة، وكأن المرض الذي نخر عظامي لسنوات قد تراجع خطوة إلى الوراء ليترك مساحة لشيء آخر... شيء بارد يتحرك تحت جلدي.

نظرت إلى نافذتي الصغيرة المربعة، المنفذ الوحيد لي على العالم الخارجي. المطر بدأ يهطل في الخارج، لكنه لم يكن مطراً عادياً؛ قطرات الماء التي كانت تضرب الزجاج بدت داكنة، شديدة السواد بفعل تلوث سماء سيول الصناعية، تماماً كالمطر الأسود الذي وصفتُ هطوله في فصلي الأول من الرواية عندما يولد "المتغير الملعون".

صوت طرقات جافة وعنيفة على باب غرفتي قطعت حبل أفكاري. الطرق لم يكن يحمل أي احترام، بل كان يحمل نبرة تهديد مألوفة جعلت أمعائي تلتوي خوفاً غريزياً.

"كانغ مين-وو! افتح الباب قبل أن أحطمه فوق رأسك المريض!"

تصلب جسدي. هذا الصوت... إنه ليس جاري، وليس صاحب المبنى العجوز. إنه "باك تاي-هيون". المتنمر الذي جعل من سنوات ثانويتي جحيماً حياً، والذي لم أره منذ ثلاث سنوات. ما الذي يفعله هنا في هذا الوقت من الليل؟ وكيف عثر على جحري؟

فتحتُ الباب ببطء، لتندفع رائحة السجائر الرخيصة والكحول من جسده الضخم الذي سد الممر الضيق بالكامل. كان يرتدي معطفاً جلدياً باهظ الثمن، وعيناه المحتقنتان بالدم تطالعان غرفتي المهترئة باحتقار شديد قبل أن تستقرا عليّ.

"ما زلت تعيش كالجرذان في هذه الحفرة، هاه؟"

قالها تاي-هيون وهو يدفعني بيده على صدري، ليدخل الغرفة دون إذن ويجلس على فراشي الرقيق، واضعاً حذاءه المتسخ بالطين فوق وسادتي.

"ما الذي تريده، تاي-هيون؟"

خرجت كلماتي خافتة، مشحونة بالخوف القديم الذي لم أستطع التخلص منه قط.

ابتسم بسخرية، وأخرج من جيبه هاتفاً ذكياً حديثاً، عارضاً أمامي صفحة إحدى المنصات الأدبية الكبرى. كانت روايتي المفترسة

"صراع بنتاغونيا"

تتصدر المركز الأول في قائمة الأكثر قراءة، لكن اسم الكاتب لم يكن اسمي... كان يحمل اسماً مستعاراً يخص ابن عم تاي-هيون، الذي يعمل مديراً في شركة النشر التي سرقت عقدي.

"سمعت أنك تحاول إرسال رسائل بريد إلكتروني للمنصة تشتكي فيها من سرقة حقوقك؟"

انخفضت نبرة تاي-هيون لتصبح مرعبة، ومال برأسه للأمام وهو يضغط بأصابعه الضخمة على الطاولة.

"ابن عمي أخبرني أنك تزعجهم. هل تعتقد حقاً أن شخصاً نكرة ومريضاً مثلك يمكنه مقاضاة شركة كبرى؟ القصة ليست لك الآن. لقد وقعت على الورق بيدك، والآن.. ستصمت تماماً"

.

نظرت إلى الشاشة، ثم إلى وجهه. الظلم كان خانقاً لدرجة أنني شعرت بدمي يتجمد. لقد سرقوا حياتي، مالي، والآن يقتحمون مساحتي الأخيرة ليسحقوا ما تبقى من كرامتي.

"لكنني... أنا من كتبها. كل سطر، كل تكتيك عسكري، كل قطرة دم في تلك الرواية خرجت من عقلي"

همستُ، وقبضتاي تنقبضان حتى ابيضت مفاصلي.

"ومن سيهتم؟"

ضحك تاي-هيون ونهض، مسدداً لكمة مفاجئة وثقيلة إلى معدتي.

انحنيتُ ساقطاً على ركبتي، والأكسجين انقطع عن رئتي بالكامل. سعلتُ بشدة، وسقطت بقعة دم جديدة على حذائه المتسخ.

"أنت مجرد قمامة، مين-وو. تذكر مكانك دائماً"

قالها وهو يرفع قدمه ليركلني في وجهي، لكن في تلك اللحظة بالذات... تجمّد العالم.

حرفياً، تجمد.

قطرة المطر الأسود التي كانت تنزلق على الزجاج توقفت في مكانها. تاي-هيون بقي معلقاً في الهواء وقدمه ممتدة نحوي، وملامح وجهه السادية تيبست كصنم من الشمع. حتى صوت الرعد في الخارج انقطع تماماً ليحل محله ذلك الطنين الميكانيكي البارد من أعماق وعيي:

> [تحذير: تم رصد تهديد خارجي يهدد سلامة 'المضيف الأعلى'].

> [معدل النبض المتوقع للمضيف يتجاوز الحد المسموح به بيولوجياً].

> [بدء مرحلة المزامنة القسرية بين الحاكم و'المخطوطة'].

>

أمام وجهي المتألم، انبثقت شاشة زرقاء عملاقة، امتدت خطوطها النيونية الحادة كخيوط العنكبوت لترتبط بعروق يدي ومعصمي. الألم في معدتي اختفى، وحل محله تدفق مرعب لمعلومات تكتيكية وبيانات رقمية لم أستطع استيعابها.

الشاشة لم تكن تظهر بيانات ألعاب، بل كانت تعرض المخطط الهيكلي الكامل لعائلة "فلير" في قارة بنتاغونيا، وبجانبها العداد التنازلي الملعون الذي بدأ يتحرك بسرعة مجنونة:

> [العداد الزمني للانتقال النهائي: 00 يوم، 00 ساعة، 05 دقائق].

> [تنبيه نظام أيجيس: الجسد الحالي للمضيف في العالم الأصلي شارف على الانهيار التام بسبب فشل عضوي كامل. سيتم نقل الوعي إلى 'الوعاء البديل' لحمايته].

>

نظرت إلى تاي-هيون المتجمد. في تلك اللحظات الخمس الأخيرة من حياتي في كوريا، أدركت أن العالم الذي عشت فيه لم يعد يملك مكاناً لي. لقد طردني البشر، وسرقتني المنصات، وسحقني المتنمرون.

لم أعد خائفاً. نظرت إلى الخطوط الزرقاء التي بدأت تلتهم جلدي وجدران الغرفة، وتحولت ملامح وجهي الشاحب إلى جمود جليدي يشبه جمود القادة العسكريين الذين لطالما كتبت عنهم.

"إذا كان هذا العالم يرفض وجودي..."

تمتمتُ، وصوتي يتردد داخل الغرفة المتجمدة، بينما كانت شاشة النظام تومض باللون الأحمر معلنةً انتهاء الوقت:

"فسأذهب إلى العالم الذي صنعته بيدي. وسأرى إن كان إخوتي السبعة هناك يمتلكون الشجاعة لمواجهة الكاتب الذي صمم مقابرهم"

.

ومض الضوء الأزرق بقوة عمياء، انفجرت معه شاشة اللابتوب، واختفت الغرفة 404، وتاي-هيون، وسماء سيول الملوثة، ليسقط وعيي بالكامل في هاوية أبعاد لا قاع لها.

2026/06/15 · 11 مشاهدة · 843 كلمة
الصاقل.
نادي الروايات - 2026