# الفصل الأول
في عتمة "أستريا" التي لا تنتهي، كانت النجوم هي الأسياد والجلادين.
لم تكن أزقة "منطقة الحطام" تضيء بنور سماوي، بل بوهج المصابيح الزيتية الرخيصة التي تنفث دخاناً خانقاً يختلط برائحة المعدن المحترق والصدأ القديم. هنا، حيث ينتهي بريق القصور العلوية وتتلاشى ترانيم الكهنة، تبدأ حياة أولئك الذين سقطوا من حسابات السماء. كان العالم منقسماً بخط غير مرئي؛ جهة تنام تحت حماية البريق السماوي المنبعث من العروش المعلقة، وجهة تستيقظ في القاع لتبحث عن كسر خبز في الوحل المالح.
كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برطوبة خانقة تجعل كل نفس يبدو وكأنه كفاح. وسط ضجيج الباعة الذين يبيعون بقايا الأمل، وصيحات المنهكين الذين أكل الكدح ملامحهم، وقف **أرثر**.
كان شعره الأشقر باهتاً، مغطى بطبقة كثيفة من غبار الفحم والزيت، وجسده النحيل يرتجف بانتظام، ليس خوفاً من برودة الجو أو وحشة المكان، بل من إجهاد عضلي لم ينقطع منذ أيام. كانت عروق رقبته ويديه ناتئة، تنبض بحدة تعكس حالة الاستنفار التي يعيشها جسده. كان يقف ساكناً، متجاهلاً دفع المارة وتدافع الأجساد المنهكة، وعيناه مثبتتان على واجهة "ورشة المطارق".
خلف الزجاج المتسخ والمغطى بطبقة من السخام، كان هناك سيف.
لم يكن سيفاً مباركاً بنور نجمي، ولم يكن نصله يلمع بوميض سحري يخدع الأبصار. كان نصله من الفولاذ الثقيل، داكناً كليل أستريا، يحمل على سطحه آثار آلاف الضربات اليدوية التي شكلت كيانه. لم يكن سلاحاً للزينة أو الاستعراض؛ كان السيف الوحيد في هذا الزقاق القذر الذي يفرض هيبته بصمته المطبق، لا ببريقه الزائف. كان يعكس ضوء المصباح الزيتي الخافت بطريقة تجعل الناظر إليه يشعر بثقل المعدن في صدره، وبعظمة الجهد الخام الذي صهره وطوعه. كان يمثل كل ما يفتقر إليه هذا العالم: الحقيقة المجردة بعيداً عن هبات السماء.
"لا يزال عقلك في غيبوبة، أليس كذلك؟"
جاء الصوت حاداً، مألوفاً، ومصحوباً برائحة الصدأ والتبغ الرخيص. كانت **إلينا** تقف خلفه، متكئة على عمود خشبي متآكل، يداها الملطختان بالشحم الأسود تستقران على خصريها بتحدٍ. كانت خصلات شعرها الفضي تتطاير بفوضوية مع كل هبة ريح، وعيناها الرماديتان تحملان مزيجاً من السخرية المعتادة وقلق دفين تحاول مواراته خلف نبرتها القاسية.
"هل ما زلت تظن أن ذلك الجسد الهزيل، الذي بالكاد يحمل نفسه، سيتحمل ثقل هذا النصل الغاشم؟" تابعت وهي تقترب منه بخطوات واثقة، "الناس يتحدثون في كل ركن يا أرثر. يقولون إنك فقدت صوابك تماماً منذ تلك الليلة التي قررت فيها التخلي عن مسار 'التبعية' واللحاق بوهم تسميه العمل الجاد. يظنونك مجنوناً يبحث عن حتفه بيديه."
لم يلتفت أرثر نحوها. كانت عيناه لا تزالان تلاحقان انحناءة النصل، وتتفحصان كل ثلمة وخدش على سطحه، وكأنه يقرأ تاريخاً مكتوباً بلغة الفولاذ، قصة حداد أفنى عمره في ضرب المعدن حتى انصاع لإرادته.
"إذا كان الكلام يطعم جائعاً أو يكسر قيداً، لكان هذا الزقاق جنة الملوك،" قال أرثر أخيراً بصوت جاف، يشبه احتكاك حجر الصوان بالخشب القديم. كانت نبرته هادئة، خالية من الانفعال، لكنها تحمل ثقلاً لا يتناسب مع عمره.
زفرت إلينا بضيق، وخطت خطوة للأمام لتسد عليه زاوية الرؤية، واقفه بينه وبين الواجهة الزجاجية. "الأسقف سيمر اليوم من الجادة الرئيسية، محاطاً بفرسان الشهب. أنت تعلم يقيناً ماذا يفعلون بمن لا يحملون علامة النجم في أيام الزيارة المقدسة. سيعتبرون صمتك تمرداً، وتدريبك البدني كفراً صريحاً بنعمة النجوم. عُد إلى الورشة الآن، واختبئ خلف الأواني الصدئة كما نفعل جميعاً لنبقى على قيد الحياة."
أرثر نظر إليها أخيراً. لم تكن في عينيه تلك اللمعة السحرية الملونة التي يملكها "المختارون" الذين يشربون نور السماء، بل كان هناك عمق مظلم، يشبه بئراً قديمة لا قاع لها، بئر حُفرت بالصبر والكدح.
"نذر شؤم،" همست إلينا وهي تقترب من أذنه لدرجة أن أنفاسها دغدغت جلده البارد، "يقولون إن المحققين الجدد الذين وصلوا مع الفجر يملكون حساً مرعباً؛ يشمون رائحة 'الجهد البشري' في العروق ويعتبرونها رجساً يجب تطهيره بالنار. إنهم يحرقون كل من يحاول تجاوز قدره الذي رسمته النجوم في السماء."
دفعها أرثر برفق، وهو يفرك أذنه بإصبعه الخشن الذي غطته الندوب. "هل انتهيتِ من إلقاء خطبة الجنازة هذه؟ أم أن هناك المزيد من النبوءات المظلمة؟"
"أنت عنيد بشكل مقرف، ومستفز لدرجة تجعلني أتمنى لو تركتك للوحل،" ردت وهي تبتعد عنه خطوات، لكنها لم تغادر المكان. "الجميع يتهامسون عن الفتى المعتوه الذي يقضي لياليه في ضرب الصخر الأصم بقبضتيه العاريتين حتى تدميا. إذا اقتادوك إلى الكنيسة بتهمة الهرطقة البدنية، أقسم أنني لن أتعرف عليك ولن أذرف دمعة واحدة."
لم يرد أرثر هذه المرة. عاد بصره إلى السيف، وكأنه يستمد منه القوة لمواجهة كلمات إلينا وضجيج العالم من حوله.
"بكم؟" سأل فجأة، والكلمة خرجت منه كطلقة رصاص.
سخرت إلينا بصوت عالٍ جذب أنظار بعض المارة الشاحبين، "خمس قطع ذهبية! هل تسمع؟ خمس قطع كاملة. بهذا المبلغ الخيالي، يمكننا شراء حريتنا من هذا الزقاق الملعون، والعيش في الضواحي الخضراء لسنة كاملة دون أن نلمس قطعة خردة واحدة. هل تظن حقاً أن عرقك سيتحول يوماً إلى ذهب يلمع؟"
خمس قطع ذهبية. ثمن مستحيل، ضرب من الخيال في عالم يُسرق فيه حتى العرق من المسام قبل أن يجف، وحيث يُقايض البشر كرامتهم بكسرة خبز يابسة.
في تلك اللحظة، انفتح باب الورشة بعنف أدى إلى اهتزاز الواجهة الزجاجية. خرج الحداد العجوز، وجهه محتقن بالدم وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت كالنار تحت الرماد. "أيها الأوغاد الصغار! هل سددتم مدخل رزقي الوحيد بوقوفكم هذا؟ اذهبوا لتموتوا في مكان آخر بعيداً عن بابي!"
بصق الحداد بلفظاً مقززاً على الأرض، ونظر إلى إلينا باحتقار ظاهر. "وأنتِ أيتها الصعلوكة ذات اللسان الطويل، عودي لغسل الأطباق القذرة قبل أن أفقد صبري وأكسر ساقيكِ النحيفتين!"
"عجوز خرف، تعيش على ذكريات صدئة،" ردت إلينا وهي ترفع رأسها بتحدٍ سافر، "سيفك هذا سيظل معلقاً هنا حتى يأكله الصدأ وينخر في نصله، لأن أحداً في هذا الزقاق البائس لا يملك ثمنه، وأسيادك الذين تخدمهم في الأعلى لا يشترون إلا الخردة المضيئة التي تشبه قلوبهم الفارغة."
ارتجف الحداد غضباً، وبرزت عروق يده الغليظة وكأنه يوشك على رفع مطرقته الضخمة، لكن أرثر، وبحركة سريعة ومدروسة، أمسك بكتف إلينا وجرها بهدوء وحزم نحو نهاية الزقاق المظلم. خلفهم، كان العجوز لا يزال يصرخ بكلمات غير مفهومة عن "الأطفال المشردين الذين أطعمهم من فضلة طعامه"، وعن "السم الذي يجري في عروق أهل القاع الذين لا يعرفون الامتنان".
توقف أرثر عند زاوية مظلمة حيث يتلاشى الضوء تماماً. كانت قدماه قد غاصتا في وحل الزقاق القذر، تاركة أثراً عميقاً وواضحاً بشكل غير طبيعي. نظر الحداد العجوز إلى ذلك الأثر بعد أن غادرا واختفيا في الزحام. لم يكن مجرد أثر قدم عابرة لصبي مشرد؛ كان انغراساً عميقاً في التربة الصلبة يوحي بأن من وقف هنا لم يكن مجرد جسد نحيل، بل كان يحمل ثقلاً هائلاً لا تراه العين، أو أن إرادته التي تثبته في الأرض كانت تزن أكثر من كل ذهب أستريا. تلاشت صرخات العجوز تدريجياً، وحل مكانها شعور غريب بالرهبة وهو ينظر إلى ذلك الفراغ الذي تركه أرثر في الوحل.