تساقط الصمت على المطعم كستار ثقيل، لم يعد أحد يتجرأ على إصدار أي صوت، حتى النادل الذي كان يهمّ بوضع الأطباق على إحدى الطاولات تجمّد في مكانه، والعرق يتصبب من جبينه.
تقدّم الشاب ذو الرداء الأبيض خطوة إلى الأمام، فاهتزّت الأرضية تحت قدميه. هالة سيفه ارتفعت كأنها نصل عملاق يشقّ السقف إلى السماء، وصرخ بصوت يزلزل المكان:
ــ “اذكر اسمك… إن كنت تجرؤ!”
رفع شي هاو رأسه ببطء، عيناه تلمعان كوميض البرق وسط العاصفة.
ــ “شي هاو.”
صمت لبرهة، ثم أردف بابتسامة باهتة:
ــ “تذكّر هذا الاسم جيدًا… لأنك ستحتاجه لاحقًا.”
شهقت مجموعة من الزبائن:
ــ “شي هاو…؟ لم نسمع بهذا الاسم من قبل، من يكون هذا المزارع الغامض؟”
بينما تبادل أتباع سيد السيف السماويّ نظرات السخرية. أحدهم قال بضحكة مليئة بالازدراء:
ــ “جرذ مجهول يتوهّم أن بإمكانه منازلة سيدنا.”
لكن فجأة… ارتفعت الهالة الروحية لشي هاو إلى ذروة جديدة، وكأن السماء والأرض استجابت لوجوده!
تيارات من البرق الأرجواني الوهميّ تومض حول جسده، وصوت منخفض يشبه هدير الرعد دوّى في أرجاء المطعم.
ارتجف أتباع الشاب الأبيض، حتى أنهم اضطروا للاتكاء على الطاولة كي لا ينهاروا تحت الضغط.
توسّعت عينا القائد الأبيض، ونبرته تحوّلت من البرود إلى الحذر:
ــ “هذا… هذا ليس مجرد مزارع عادي… من أين أتيت؟!”
ردّ شي هاو بصوت عميق، مليء بالغموض:
ــ “من حيث لا تستطيع أن تطأ بقدميك.”
وفي اللحظة التالية، التقت هالتيهما مجددًا بقوة أعنف من قبل!
“بووووم!”
تصدّعت بعض الأعمدة الخشبية في الطابق الأول، وبدأ السقف يئنّ من الضغط.
قفز الزبائن بعيدًا في خوف، بعضهم اندفع نحو المخرج، والبعض الآخر ظل مذهولًا من المشهد، عاجزًا عن الحركة.
وقبل أن يصل الصدام إلى الذروة، انطلقت فجأة صيحة مهيبة من الطابق العلوي:
ــ “توقفوا!”
صوت عجوز عميق، يحمل قوة تفوق الوصف، كأن السماء نفسها تحدّثت.
فجأة انطفأت الهالتان، واختفى الضغط القاتل من المكان.
أدار الجميع أنظارهم نحو الدرج، حيث ظهر شيخ يرتدي رداءً أخضر فضفاضًا، عيناه تشعّان نورًا سماويًا.
بخطوات هادئة نزل من الطابق الثاني، لكن كل خطوة منه كانت تزلزل قلوب الحاضرين.
همس أحد المزارعين:
ــ “إنه… المالك الحقيقي لمطعم الزهور الحمراء! يُقال إنه خبير حقيقي يملك قوة لا يستهان بها، وما زال حتى اليوم لا يجرؤ أحد على استفزازه!”
توقف الشيخ عند منتصف القاعة، نظر إلى شي هاو ثم إلى سيد السيف السماويّ، وقال بصوت لا يقبل الجدل:
ــ “هنا مكان للشرب والأكل… لا لسفك الدماء. إن أردتما القتال… فاذهبا إلى ساحة القمر السماويّ خارج المدينة.”
تبادل شي هاو وسيد السيف السماويّ نظرات صامتة، كلٌّ منهما يحمل في قلبه رغبة عارمة في اختبار الآخر.
لكن هيبة الشيخ الأخضر كانت كافية لإخماد نار التصادم، ولو مؤقتًا.
جلس الشيخ عند الطاولة الوسطى، ووضع عصاه الخشبية على الأرض برفق، فصدر صدى خافت تردّد في المكان.
نظر إلى شي هاو مطولًا، وكأن عينيه تكشفان خبايا الروح. ثم قال:
ــ “شاب في عمرك… يملك هالة بهذا النقاء والحدة؟ نادر… نادر جدًا.”
أطرق برهة، ثم أردف بنبرة غامضة:
ــ “لكن تذكّر… في هذه المدينة، ليس كل ما يلمع ذهبًا، ولا كل من يبتسم صديقًا.”
شعر شي هاو ببرودة طفيفة في قلبه، كلمات الشيخ لم تكن عادية، بل أشبه برسالة مخفية تحمل إنذارًا أو تلميحًا.
من الجهة الأخرى، ضحك سيد السيف السماويّ باستهزاء، وقال وهو يتراجع نحو الباب:
ــ “شي هاو… لن يحميك وجود شيخ هنا. في ساحة القمر السماويّ، لن يكون بيننا من يمنعني من قطعك نصفين.”
ترك كلماته تتردد في أرجاء المطعم، ثم غادر مع أتباعه.
ساد صمت ثقيل لوهلة، ثم عاد الزبائن رويدًا رويدًا إلى أماكنهم، لكن همساتهم لم تهدأ:
ــ “يا له من مشهد… شاب غامض يجرؤ على تحدي وريث السيف السماويّ!”
ــ “هذا اللقاء لن ينتهي هنا، المواجهة الحقيقية قادمة.”
أما شي هاو، فظل جالسًا أمام النافذة، يراقب الشارع المزدحم، كأسه لا يزال نصف ممتلئ.
ابتسم بخفة، وهمس في نفسه:
ــ “ساحة القمر السماويّ… يبدو أن ليل هذه المدينة لن يكون هادئًا.”
الشيخ الأخضر لم يتحرّك، عيناه لا تزالان تراقبانه بصمت عميق. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض، كأنه يحدّث نفسه:
ــ “هذا الفتى… ربما يكون الشرارة التي ستغيّر موازين المدينة بأكملها.”