في اليوم التالي، بينما كانت القافلة تستريح لفترة قصيرة، قرر تشانغ يونغ تطبيق مسار اللطف.
رأى تشانغ شيو شان جالسة بمفردها تحت شجرة بعيداً عن الآخرين، تطل على المناظر الطبيعية بتعبير فارغ.
اقترب تشانغ يونغ بهدوء وجلس على بعد مسافة محترمة منها. لم يتحدث في البداية، لكنه حدق في الاتجاه الذي كانت تحدق فيه.
نظرت تشانغ شيو شان نحو تشانغ يونغ بطرف عينها، ثم عادت لتحدق في الأفق. كان صمتاً ثقيلاً، لكنه لم يكن مزعجاً.
"أتعلمين" قال تشانغ يونغ فجأة "هذا المنظر أمامنا، حسب القائد هاو، كان ساحة مليئة بالدماء والمعارك."
رفعت تشانغ شيو شان حاجبيها قليلاً، لكنها لم تقل شيئاً.
"الطبيعة تعيد بناء نفسها بسرعة." قال تشانغ يونغ وهو يشير إلى الأشجار والنباتات من حولهم. "كما أن البشر كذلك. قد تدمر الحروب والجراح، لكن الحياة تستمر."
نظرت تشانغ شيو شان بعيداً لفترة قبل أن تتنهد، فتحت فمها لتقول شيئاً لكن تشانغ يونغ قاطعها "يمكنك السؤال."
لقد توقع تماماً ما أرادت قوله.
"لقد تلقيت مساعدة تشو يانغ في ما مضى، لكني ظننت أنه فقط شخص طيب وليس..." توقفت للحظة ولم تستطع أن تكمل كلامها.
"أنا أفهم" قال تشانغ يونغ وأومأ برأسه.
"رغم كل التحذيرات التي تلقيتها من العم تاي، أنا... تصرفت بحماقة، وبسبب حماقتي أنا... فقدته." ضغطت تشانغ شيو شان على صدرها وشعرت كما لو أنها ستختنق. "أنا فقط..."
"سيد ناوتو، أنا أعرف أنك ساعدتني - حتى ولو بشكل غير مباشر - وأنت تريد رد الجميل، لذلك سيبدو غير لائق أن أسألك هذا لكن.... هل لديك دوافع اتجاهي مثل تشو يانغ؟" سألت تشانغ شيو شان بصوت خافت، وعيناها تلتقيان بعيني تشانغ يونغ للمرة الأولى منذ أيام.
نظر تشانغ يونغ إليها، وعرف أنها تنتظر منه أن يقول "لا" وذلك حتى لا تشعر بأن الخيار الذي اتخذته بالإيمان بالطيبة في الآخرين خاطئ.
مع ذلك، تشانغ يونغ لم يرحمها. "أجل، أنا أملك دافع نحوك."
نظرت تشانغ شيو شان إلى تشانغ يونغ، وعيناها العسليتان تتسعان من الصدمة. لم تتوقع هذه الإجابة الصريحة والقاسية. بدا وكأن الهواء بينهما قد تجمد فجأة.
"أ... أفهم." همست بصوت خافت كاد يختفي في الريح، ثم انحنت رأسها لتخفي الدموع التي بدأت تملأ عينيها.
تشانغ يونغ لم يحاول تهدئتها على الفور، بل استمر في الحديث بهدوء: "آنسة شيو شان، أقول أنك لا تفهمين." تابع تشانغ يونغ بصوته الهادئ: "نعم، لدي دوافع اتجاهك. الجميع لديه دوافع تجاه الآخرين، ذلك هو ما ندعوه بالروابط. دافع أخوي، دافع أخلاقي وغيرها، هي ما تربط الآخرين. لذلك أجل، أملك دافعاً نحوك، وهو الامتنان. لو لم يكن لدي دافع الامتنان، لما تصرفت ضد تشو يانغ."
وقف تشانغ يونغ أمامها، وأمسك بورقة شجر طائرة نحوه وبدأ بالنفخ فيها مما أطلق لحناً موسيقياً حرك الرياح
فهزت الرياح رداءه بخفة، مما أعطاه منظراً ساحراً. "اللطف التي أظهرتيه سيُرد لك عشرة أضعاف. لطفك ليس شيئاً خاطئاً، لكن الشخص الذي قررت إظهاره له، ومقداره، هو ما كان خاطئاً."
ساد صمت بينهما، لم يكن ثقيلاً هذه المرة، بل كان صمتاً تأملياً. بدأت ملامح الصدمة على وجه تشانغ شيو شان تتحول تدريجياً إلى نظرة أمل. كانت عيناها العسليتان اللتان غمرتهما الدموع لحظةً مضت تلمعان الآن ببصيرة جديدة، كما لو أن ضباباً كثيفاً بدأ يتبدد.
استدار تشانغ يونغ ومد يده نحوها، حيث رفعت يدها بهدوء ووضع ورقة الشجر في يدها.
"تماما كما هذه الورقة جزء من شجرة، لطفك هو جزء منك. إنه ما يجعلك نفسك."
(تم تفعيل القلب اللطيف)
لمست تشانغ شيو شان ورقة الشجر بأطراف أصابعها، ثم أمسكت بها برفق.
شعرت بدفء غريب ينتشر في صدرها، كما لو أن ثقلاً كبيراً بدأ يخف عن كاهلها. لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك بسبب كلمات تشانغ يونغ الحكيمة، أو بسبب ذلك الشعور الغامض الذي انبعث منه.
نظرت إلى عيني تشانغ يونغ الحمراوين، ولم تعد ترى فيهما ذلك اللون المخيف، بل رأت فيهما تعاطفاً وفهماً نادراً.
"شكراً لك، سيد ناوتو." همست بصوت خافت، لكنه كان واضحاً هذه المرة. "شكراً لأنك لم تكذب علي."
ابتسم تشانغ يونغ بهدوء. "لا أمتلك سبباً للكذب حول هذه المسألة. مع ذلك، قد أكذب في مسائل كالحياة والموت." ثم استدار وبدأ بالمغادرة، تاركاً لها مساحة للتفكير.
بينما كان يمشي بعيداً، شعر بتغير في داخله. مسار اللطف الذي استخدمه لم يكن مجرد أداة للتأثير على تشانغ شيو شان، بل كان له تأثير عليه أيضاً
على الرغم من تقنية القلب المعلق التي كان يمارسها، وكان يركز على تنمية شعور الهدوء، لكن في هذه اللحظة لاحظ أن قلبه أصبح أكثر هدوءاً، وأن نظره للأمور أصبح أكثر وضوحاً.
'غريب، ماذا كان هذا؟ لا يهم.'
عند عودته إلى مقصورته، فكر في الخطوة التالية. مدينة هوا ييلاي كانت تقترب، وكان عليه التحضير للتبادل واستعادة بعض الخسائر وجمع بعض الموارد.
كانت هوا ييلاي مدينة تجارية مزدهرة، أصغر من تيانشوي لكنها أكثر حيوية وتنوعاً. كانت تعج بالتجار من مختلف الأعراق والخلفيات. وأجل، كان هناك أعراق، بعد كل شيء، كانت هذه قارة تيان شو (الوحش السماوي).
لم يستطع تشانغ يونغ سوى ترك الذئاب خارج المدينة، إذ أن إحضارها سيقوم باختراق القواعد.
بعد دخول القافلة المدينة، كان قد توجه التجار إلى السوق وذلك لبيع منتجات الوحوش التي كانوا يمتلكونها ثم اقتسام الأرباح بالتساوي.
بينما كان التجار ينهون صفقاتهم في السوق، استدار تشانغ يونغ إلى رفاقه.
"حسناً، الراحة قليلاً لن تضر." ثم قلب كفه وقام بإعطاء كل فرد ألف حجر روحي.
نظر الجميع إلى الأحجار الروحية في أيديهم بمزيج من الصدمة والامتنان. كانت ألف حجر روحي ثروة صغيرة بالنسبة للعائلات الذهبية في قارتهم، لكن تشانغ يونغ كان هذا النوع من الأغنياء، كان غنياً جداً.
اقترب سو مينغ وهمس: "احم، تشانغ يونغ، كم بالضبط أخرجت من خزينة المتجر؟"
ارتفع حاجب تشانغ يونغ قليلاً: "لا شيء يتعدى نفقتي الشخصية، لماذا؟"
تنهد سو مينغ بارتياح: "جيد، خشيت أن تكون قد أفرغت الخزينة بالكامل."
ضحكت ليو يان بخفة: "لا داعي للقلق، أثق بأن الأخ الأصغر يخطط لشيء ما، أليس كذلك؟"
"بالطبع." ابتسم تشانغ يونغ بشكل غامض. "اذهبوا واستمتعوا بأنفسكم. سأذهب لأقضي بعض الأمور بمفردي."
بعد أن انفصل عن الآخرين، وضع تشانغ يونغ قناعه. ولم يتوجه إلى السوق، بل توجه إلى الحانة، فقد كانت مكاناً آخر حيث تتواجد المعلومات.
جلس تشانغ يونغ في زاوية هادئة نسبياً، وعندما قدم النادل إليه، أمسك تشانغ يونغ بذراعه: "أخبرني أيها الشاب، أيمكنك تقديم معلومات قيمة؟"
"أعتذر يا سيدي، ولكن كما ترى هناك العديد من العملاء، لذلك هل يمكنك-" حاول النادل التملص لأن مظهر تشانغ يونغ لم يوحي بكونه شخصاً غنياً.
مع ذلك قاطعه تشانغ يونغ حيث وضع كيساً فوق الطاولة: "ألف حجر روحي سيكون ملكك، أخبرني عن لورد السماء العميقة."
ارتعش النادل، محدقاً في كيس الأحجار الروحية كما لو كان يحلم. لم ير مثل هذه الثروة في حياته. التهمته عيناه الحمراوان اللتان تشعان ببرودة خفيفة.
"لورد... لورد السماء العميقة؟" همس النادل بصوت أجش، مبللاً شفتيه الجافتين بسرعة. "حسناً... نعم، أعرف بعض الأشياء."
أمسك النادل الكيس بسرعة وأخفاه في ثيابه، ثم التفت سريعاً ليتأكد من عدم وجود من يراقب. انحنى نحو تشانغ يونغ وخفض صوته.
"أنت تلمح إلى الدوق، أليس كذلك؟ دوق عائلة دونغ فانغ، دونغ فانغ لو تشن. هو يحكم الإقليم الغربي، قوته... لا يمكن تصورها. هذا كل ما أستطيع إخبارك إياه."
ضاقت نظرة تشانغ يونغ لتصبح حادة، لكنه عرف كيف يتعامل معه: "أخبرني عن آخر الأخبار و عن لورد شبح الدم"
تعرق النادل بغزارة. "سيدي... هذه معلومات قد تكلفني حياتي."
وضع تشانغ يونغ كيساً آخر على الطاولة. "ألفان إضافيان. وهذا كل ما سأعطيك."
ابتلع النادل ريقه، ثم ألقى نظرة سريعة حوله قبل أن يهمس: "بالنسبة الى لورد شبح الدم ، فهو واحد من كبار المسار الشيطاني و على يديه هلكت العديد من المدن و على رأسه وصلت المكافأة حتى مليون حجر روحي ، و موقعه غير معروف ، أما بالنسبة الى لورد السماء العميقة يقال... يُقال إنه على الرغم من انتمائه للبلاط الإمبراطوري فهو متمرد، ولا يوافق على حكم الإمبراطورة. لكن هذه الأخبار غير رسمية ولم يقلها بنفسه، وقد يتم اتهامي بالتشهير لذا..."
"هكذا إذاً." تنهد تشانغ يونغ كما سحب الكيس قليلاً: "هذه المعلومات لا تكلف ثلاثة آلاف حجر، يكفيك ألفان."
"لا، لا، سيدي! لدي معلومات أخرى!" همس النادل مذعوراً، ممسكاً بذراع تشانغ يونغ. "يمكنك أن تسألني أي شيء آخر!"
نظر تشانغ يونغ نحوه بابتسامة كما ترك الكيس: "جيد، إذن، أخبرني عن عائلة تشانغ، ومعلومات عن تشانغ شيو شان."
ارتعش النادل ارتعاشة خفيفة، وعيناه اتسعتا فجأة. نظر حوله بسرعة قبل أن ينحني أقرب إلى تشانغ يونغ، صوته يهبط إلى همسة بالكاد تسمع.
"سيدي... هذا الموضوع حساس للغاية." قال والنظرة في عينيه خليط من الخوف والتردد. "عائلة تشانغ... لم يعد أحد يتجرأ على الحديث عنهم علناً."
لكن نظرة تشانغ يونغ الحادة وإغراء الأحجار الروحية جعلته يستمر. انحنى أقرب وهمس بصوت بالكاد مسموع:
"عائلة تشانغ... كانت واحدة من 'العائلات العظيمة الأربع' في تيان شو. لكنها تعرضت للاضطهاد، وبسبب تأثير عائلة دونغ فانغ بشكل سري، تم نشر أنهم قد أضاعوا أمانة التي منحهم إياها الإمبراطور في أيام سلفهم من الجيل الخامس، وكان يستمر دونغ فانغ لو تشن في الضغط عليهم بهذه الحقيقة."
نظر تشانغ يونغ للأسفل بشكل عميق. الجيل الخامس، هذا يعني أن الجيل الحالي للعائلة هو نحو الثامن والثلاثين أو أعلى. والأهم، هو أنهم عانوا أجيالاً وأجيالاً من الاضطهاد، وإذا تحدثوا عن أمانة، فهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً: الختم.
'هكذا يبدو الأمر على ما يبدو.حسناً، سيكون علي مساعدتهم، منذ أن هذا أحد أسبابي الرئيسية للقدوم.'
رفع تشانغ يونغ رأسه ببطء، عيناه الحمراوان تومضان بضوء بارد. "ماذا عن تشانغ شيو شان؟"
ارتعش النادل، نظراته تتجنب تشانغ يونغ. "هذا... ما سأقوله تالياً ليس سرياً حقاً. هذه الفتاة هي حفيدة أحد شيوخ العائلة، وحالياً هي من قائمة المتنافسين على منصب سيد العائلة الشاب الذي سيصبح سيد العشيرة التالي. مع ذلك، يمكن القول أنها المرشح الأضعف. هناك تشانغ هيو لاو، وهو شخص معروف بكونه عبقرياً، وهناك تشانغ بينغ تان، متعصب فنون القتال الذي يكاد لا يترك سيفه على الإطلاق، والأفراد الآخرين. مع ذلك، هي تحظى باهتمام لكونها حفيدة الشيخ الأكبر، ويُقال أنها حالياً في عزلة."
سحب تشانغ يونغ كيس الأحجار الروحية ودفعه نحو النادل ببطء. "خذها. هذه المعلومات تستحق الثمن."
التقط النادل الكيس بيد مرتعشة، ثم تراجع بسرعة بعد إلقاء نظرة خاطفة حوله. "شكراً لك، سيدي. شكراً لك." ثم اختفى بين الحشد المتكدس في الحانة.
بعد قضاء بعض الوقت في الحانة، غادر تشانغ يونغ وتوجه إلى سوق هوا ييلاي.
كانت شوارع المدينة مزدحمة بالبائعين والمشترين من مختلف الأعراق والخلفيات. هواء المدينة كان ممزوجاً بروائح التوابل الغريبة، واللحوم المشوية، وأصوات المساومة الحادة.
قام تشانغ يونغ بشراء بعض الإمدادات الأساسية، ثم توجه إلى متجر الكتب.
هناك،أمضى ساعات في قراءة المخطوطات والخرائط المتعلقة بجغرافية وتاريخ قارة تيان شو.
كان بحاجة إلى فهم أعمق للعالم الذي وجد نفسه فيه،وهذا في حال كان ينوي اختلاق كذبة لتكون أكثر تصديقاً.
بعد الخروج من متجر الكتب، كان تشانغ يونغ يحمل تحت إبطه عدة لفائف من المخطوطات والخرائط التي اشتراها و التي وضعها في المخزن ، الشمس بدأت تميل نحو الغروب، مما يعني أن الوقت قد حان للعودة إلى القافلة.
في طريقه إلى مكان تجمع القافلة، لاحظ ازدحاماً غير عادي أمام بوابة المدينة. حشد كبير تجمع حول إعلان معلق على لوحة خشبية كبيرة، فاقترب تشانغ يونغ ليرى ما الأمر.
كان الإعلان من حكومة المدينة، وكان يشعر بالصدمة حيث كان هناك أربع صور معلقة، كانت تشبه تشانغ يونغ والباقين.
كان مذكور أنهم كانوا أربعة أشخاص من رتبة معلم، وكانت المكافأة على رؤوسهم ثلاثة آلاف حجر روحي، والمعلومات بألف حجر روحي.
أعطى تشانغ يونغ نظرة حادة للصور، ثم استدار بعيداً. لقد تحركت عشيرة ميو أسرع مما تصور. لقد كانت بالفعل قرابة النصف شهر أو أكثر منذ رحيلهم، ومع ذلك وصلت الصور والمنشورات إلى المدن هنا. كانت عشيرة ميو مستميتة للانتقام.
بدأ تشانغ يونغ يعود إلى موقع القافلة. 'مالذي يمكنني فعله؟ رغم أن المستوى خاطئ وقمنا بتغيير مظهرنا، لكنها مسألة وقت قبل أن يتم اكتشاف التشابه في الأوصاف.'
عند وصوله إلى مخيم القافلة، وجد المجموعات تناقش حول الإعلان الذي ظهر. البعض نعتهم بالقتلة عديمي الضمير، والبعض كان سعيداً لأنهم كانوا بعيدين.
بعد كل شيء،بين موقعهم الحالي، وبين موقع عشيرة ميو، بلغت المسافة على الأقل عشرة آلاف كيلومتر، مما جعلهم يشعرون بالأمان نسبياً. ولكن هذا بالتأكيد لن يبعد الشكوك.
قرر تشانغ يونغ ألا يشارك في هذه الحوارات، وادعى بأن السيطرة على الذئاب طوال الطريق إلى هنا كانت متعبة له.
بعد أن عاد إلى مقصورته، أغلق تشانغ يونغ الباب وراءه.