في بحر من الغيوم اللامتناهية، حيث تلتقي الأجرام السماوية بالغيوم الذهبية
كان جو هاي ، سيد البحر القديم يمشي بدون هدف "ما هذا؟ هل هذا حلم؟ كم مضى منذ أن رأيت واحدا"
قبل أن يتم كلامه، تشكل ضباب ذهبي أمامه، ثم انتشر من أمامه ليظهر قصر كبير عملاق
على عرش من لؤلؤ أسود، جلس شخصية مهيبة بملامح تشبه ملامح جو هاي نفسه، لكنها تبدو أكثر حكمة وأقدم، تلبس درعًا من قشور التنين وتحمل صولجانًا من مرجان النار.
"حفيدي..." صدر صوت القاعة المهيب، يتردد صداه في كل ركن من أركان حلم جو هاي. "أنا جو تيان هاو، سلف عائلتك، أول من أبحر في المحيط الشمالي المتجمد."
"ماذا؟..." لم يستطع جو هاي سوى أن يصدم عند رؤيته
جو هاي تراجع خطوة إلى الوراء، عيناه العريضتان تحدقان في الشخصية الجالسة على العرش. الشعور بالرهبة والارتباك غمراه. "سلف... سلف العائلة؟ كيف؟...ه-هذا غير ممكن"
"كل شيء ممكن في عالم الأحلام، يا حفيدي." قال جو تيان هاو، نبرته بدت عتيقة"لقد بقيت روحي تراقب عائلتنا. أراك تسعى جاهدًا، ولكن... جهودك سطحية."
كلمات "السلف" أثارت دفاعا خفيًا في جو هاي. "سطحية؟ لقد بنيت إمبراطورية في حي الميناء! سفني تبحر في كل اتجاه!"
"ولكنك تهتم فقط بالسيطرة على ما هو مرئي." قاطع السلف حديثه، ورفع صولجان المرجان. فجأة، تحولت صورة القاعة إلى خريطة ثلاثية الأبعاد لحي الميناء، تظهر فيها خطوط القوة والتحالفات والضعفاء. "أنت تحارب على الأرض، بينما القوة الحقيقية تكمن في المياه."
أشار إلى نقطة على الخريطة حيث التقاء نهرين. "هنا، ميناء النهر الداخلي. تتحكم فيه عائلة وانغ الصغيرة. أنت تتجاهله لأنه لا يتعامل مع السفن البحرية الكبيرة، أليس كذلك؟"
جو هاي حدق في النقطة، عيناه تضيقان. "إنه ميناء صغير للمراكب النهرية... لا قيمة له."
"لا قيمة له؟" ابتسم جو تيان هاو ابتسامة عميقة، وضرب صولجانه على الأرض، فاهتزت الخريطة وتحولت أمام أعين جو هاي. امتدت من ميناء النهر الداخلي عروق ذهبية تتشعب مثل الشرايين، تتخلل كل زقاق وكل متجر وكل رصيف في حي الميناء.
"هذا الميناء الصغير هو مفتاح السيطرة على طرق الإمداد البرية. من خلاله، يمكنك خنق تجارة الحبوب والأخشاب والمعادن دون أن تشعر بذلك سفنك العملاقة." أشار السلف بصولجانه، فتطايرت جزيئات النار من طرفه. "الأسماك الكبيرة تأكل الصغيرة، لكن الحوت الأعمى يصطدم بالشبكة التي لا يراها."
معلومة مفصلة ومحددة كهذه صعُب على جو هاي تجاهلها. كان يعرف ميناء النهر، لكنه لم يفكر أبدًا في قيمته الاستراتيجية بهذه الطريقة.
"ولكن... كيف أعرف أن هذه النصيحة صحيحة؟" سأل بحذر، لا يزال يشك.
ابتسم السلف ابتسامة تملؤها الثقة. "تحقق بنفسك غدا ، طالما سلفك هنا موجود ، لن يسمح بمضرة عائلة جو"
استيقظ جو هاي فجأة في فراشه، جبينه مغطى بعرق بارد. ضوء الفجر كان يتسلل من خلال النافذة. كان قلبه لا يزال يدق بسرعة
كان الحلم حيًا جدًا، التفاصيل واضحة جدًا
...
في قصر أحلام هو ليانغ الفاخر، حيث كل شيء مصنوع من ذهب وحرير، كان يجلس على أريكة فاخرة، محاطًا بجواري جميلات
لكن تعبير وجهه كان متجهمًا، بعيدًا عن الرضا
"ثروة... مجد... متعة... لدي كل شيء." همس لنفسه، ولكن عينيه كانتا تعكسان فراغًا عميقًا. "لكنها مملة ، أريد أن أكون شيئا أكبر"
فجأة، تبعثرت الجواري مثل دخان، وذاب القصر الذهبي ليحل محله منظر طبيعي بري وغريب. صخور متوهجة، أشجار مشتعلة لا تحترق، وسماء حمراء كالدماء. وفي وسط هذا المشهد الجهنمي، على عرش من عظام وحوش عملاقة، جلس شخصية ترتدي درعًا من جلد تنين أسود، وعيناه تتقدان بلهب أصفر
"يا سليلي..." صدر صوت الشخصية مثل هدير بركان، يهز عالم الحلم بأكمله. "أنا هو يانغ، المحارب الذي احتوى قلب وحش الجحيم في كفه ، لقد بقيت أراقب سلالتنا من عالم الأسلاف."
هو ليانغ، الذي كان يجلس على أرضية الحلم، ارتعش قليلاً لكن عيناه اشتعلتا بفضول هائج. "سلف؟ من عالم الأسلاف؟ هذا مثير!"
"مثير؟" ضحك السلف، ضحكة جافة تشبه تكسر الصخور "يا لك من حفيد مثير للشفقة ، هل الإثارة أكثر أهمية من الحياة؟"
"هل الإثارة أكثر أهمية من الحياة؟" كرر هو ليانغ، وابتسامة متحدية تلعب على شفتيه. "ما فائدة الحياة إذا كانت مملة؟ أريد شيئًا... أكبر ، أسعى لتحقيق شيء يذكر"
السلف، هو يانغ، حدّق فيه بعينين ناريتين، ثم أطلق ضحكة عميقة مفعمة بالموافقة هذه المرة. "أه! روح تشبهني! لكن روح بلا اتجاه كسفينة بلا شراع. أنت تلعب بألعاب صغيرة بينما العالم ينتظر أن يُحتَل."
أشار إلى المشاهد البركانية حولهم. "رؤيتي محدودة بالجدران التي بنيتها لنفسك. تنافس مع لصوص صغار على حفنة من العملات الذهبية، بينما ثروات الإمبراطورية تنتظر من يمتلك الجرأة لأخذها."
همس هو ليانغ، عيناه تضيئان بإثارة متجددة. "الإمبراطورية؟"
"ليس الإمبراطورية نفسها، يا أحمق." هز السلف رأسه، ولهيب عينيه يتأجج. "بل الثغرات فيها. أنت تتحكم في القمار والدعارة في حي الميناء ، لكن ماذا عن تجارة المعلومات؟ كل من في العاصمة لديه أسرار. وأسرار أولئك الذين في الأعلى تساوي أكثر من كل الذهب في حي الميناء."
هو ليانغ اقترب أكثر، فضوله يحرقه الآن. "كيف تعرف هذه الأسرار؟ وكيف أضمن أنها حقيقية؟"
"بكوني تجاوزت العالم البشري ، أصبحت معرفة العالم ما يجري في العالم الفاني سهلة" قال السلف، وهو يطوي اللفافة التي تختفي في الهواء "ثق بسلفك ، و ستفتح لك أبواب الإرتقاء"
استيقظ هو ليانغ فجأة، وكأنه صُعق بصاعقة. كان جالسًا في فراشه الفخم، قلبه يدق كالطبول. نصائح سلفه لا تزال ترن في أذنيه
...
كانت أحلام مي يوان مختلفة. كانت واقفة في صحراء من الظلام المطلق، ممرات لا حصر لها من الأبواب المغلقة تحيط بها
كانت تلمس الأبواب بيد شفافة، وعيناها الباردتان تدرسان العوائق ولكن بدون طريقة لفتحها
فجأة، اهتزت الصحراء المظلمة. من الفراغ، تشكل درج من الضوء البارد الفضي، يصعد إلى ما لا نهاية
وفي قمته، جلس شخصية غامضة ، كانت ترتدي رداءً من ظلام الليل المرصع بنجوم وهمية، ووجهها كان غير مرئي تحت غطاء مقنع
حفيدتي..." صدر صوت الشخصية "أنا مي لين، سلف عائلتك، أول من حقق الصعود العظيم و غادر هذا العالم"
"الصعود العظيم..." همست مي يوان، صوتها الخافت يبدو كأنه صوت الريح في الظلام. "لقد سمعت الأساطير. أنت تدعي أنك وصلت إلى ذلك المستوى؟"
"أدعي شيئًا؟" ضحك السلف، ضحكته صدت في أرجاء العالم. "أنا هنا، في حلمك، أتحدث معك. أي دليل آخر تحتاجينه؟ لقد تركت هذا العالم، لكني أراقب سلالتي. أرى جهدك، أرى براعتك... وأرى كيف تقيدين نفسك بأقفال من صنعك."
سقطت الكلمات كالحجر الذي يسقط في بركة الماء الساكنة
الأقفال ضرورية." قالت أخيرًا، بصوت واضح " بدونها، تفقد الأشياء قيمتها."
"حكمة، ولكن حكمة قصيرة النظر." قال السلف مي لين، وبدأت النجوم على ردائها بالتألق. "أنتِ تقفلين الأبواب لحماية أسرارك، لكنكِ تنسين أن الأقفال أيضًا تحبسكِ داخلها. تعتقدين أنكِ تسيطرين على السوق السوداء في حي الميناء؟ أنتِ فقط تديرين زنزانة جميلة."
ظلت مي يوان صامتة. نقد السلف لم يكن خاطئًا. لقد بنت شبكتها على السرية المطلقة، العزلة التامة. كان ذلك قوتها، ولكنه أيضًا حدّها
"ماذا تقترح إذن، أيها السلف؟" سألت، نبرتها محايدة لكنها تحمل لمحة من الفضول الحقيقي.
"الخروج من زنزانتك" أجاب السلف ببساطة "لقد انتهى عهد البقاء في البئر و التحديق في السماء ، و حان عهد الخروج الى العالم الواسع ، لم يعد يكفي البقاء ساكنا و محافظا على التوازن ، إليك نصيحتي يا حفيدتي"
استمر صوت السلف مي لين، يتردد صداه في الظلام الدامس. "البوابة الجنوبية الشرقية للميناء ، مستودع الأرقام الحديدية ،ستجدين هناك سجلات لشحنات غير مسجلة، مدفوعات غير معلنة للعديد من التجار ، و أظنك تدركين فائدة هذه السجلات"
مي يوان لم تتحرك، لكن الظلام المحيط بها بدا وكأنه يلتوي قليلاً. هذه المعلومة إن كانت صحيحة، فهي ليست مجرد وسيلة ضغط ، إنها ثروة
"كيف أعرف أن هذا صحيح؟" سألت، صوتها ما يزال محايدًا.
"التحقق سهل." أجاب السلف. "فقد أرسلي شخصا تثقين فيه الى المكان و سيجده"
استيقظت مي يانغ من نومها في فراشها ، حركة نادرة تدل على الاضطراب
لم تكن معتادة على الأحلام الواضحة، والأقل من ذلك على الأحلام التي تقدم هدايا ملموسة كهذه
أصدرت أمرًا بصوت خافت، وفي غضون دقائق، اختفى ظل من غرفتها
قبل طلوع الشمس، عاد الظل. تقريره كان مختصرًا: "المستودع موجود. الحراس أخف من المعتاد. السجلات موجودة."
مي يانغ استمعت بلا تعبير، لكن عقليتها كانت تعمل بسرعة. كانت هذه المعلومة دقيقة. ماذا يعني هذا؟ هل كان سلفها حقًا يرقبها من وراء الستار؟
...
بسرعة ، في غضون أسبوع واحد ، تكرر ظهور أسلاف الثلاثة في أحلامهم ، و كانت إما نصائح فنون قتالية أو استراتيجيات تجارية
ثم في الجلسة الأخيرة تحدث الأسلاف الثلاثة مع سلانهم "يا أحفادي ، لقد نقلت معرفتي لكم ، و لكن وقتنا محدود ، و لذلك ، كوصية أخيرة ، سأقدم لكم نصيحة"
"أنا أصغي لكلمات السلف"
في أحلامهم المتزامنة، بدت شخصيات الأسلاف الثلاثة أكثر شفافية، كأنها تتلاشى ببطء في ضوء الفجر اللامرئي
"بدأت قوانين السماء و الأرض تتغير و سينفصل العالم العلوي و ينقطع الإتصال بكم ، و أشعر بالقلق نحوكم ، لذلك سأرشدكم الى ابن الحظ ، طالما تتبعونه ، سيكون مستقبلكم مشرقا ، كلما قدمتم له ، زادت مكافآتكم في المستقبل و السبب و النتيجة سيكونان عظيمين"
فمن نعني بابن الحظ هذا، يا سلفي؟" سأل جو هاي في حلمه، صوته يحمل توقًا حقيقيًا بعد أن أثبتت نصائح سلفه صحتها مرارًا وتكرارًا.
في عالم الأحلام المماثل، سمع هو ليانغ ومي يانغ السؤال نفسه يتردد في أذهانهم
الشخصيات الثلاثة للأسلاف التفتت نحو نقاط ضوء متوهجة تشكلت في فراغ أحلامهم ، لقد كانت خريطة
"هذه..." همس جو هاي
"العاصمة الإمبراطورية!" صدم الثلاثة على الفور
ثم بدأت في التكبير، لتكشف عن تفاصيل الحي الغربي، ثم شارعًا محددًا، ثم أخيرًا... متجرًا.
كان المتجر بسيطًا وأنيقًا، مع لافتة خشبية مكتوب عليها
يونغ مينغ
تحت الاسم، ظهرت صورة غامضة لشاب بشعر فضي وعينين حمراوين، تبدو وكأنها مرسومة بالضوء. كان المظهر غامضًا لكن الملامح الأساسية واضحة
"ابحث عن ابن الحظ للسماوات و الأرض ، قدم له ولاءك ودعمك غير المشروط. ساعدوه في طريقه للمستقبل. ثق به كما تثقون بي. في المقابل، سيقودكم إلى ارتفاعات لم تتخيلوها قط."
"هذه وصيتي الأخيرة. لا تضيعوا هذه الفرصة ، المستقبل مرتبط بهذا الشاب."
مع آخر كلمة، بدأت شخصيات الأسلاف في التلاشي، تتحول إلى غبار من الضوء الذهبي الذي تبعثر في رياح الأحلام.
جو هاي مد يده كما لو كان يريد الإمساك بهم. "انتظر! لماذا نعترف بهذا الشخص؟ ماذا نقدم له؟"
هو ليانغ ضحك ضحكة متهورة في حلمه. "ابن الحظ؟ يبدو مثيرًا! أنا معجب به بالفعل!"
مي يانغ بقيت صامتة، لكن عيناها الخفيّتان في الحلم كانتا تتابعان تلاشي سلفها، وتخزّنان كل تفصيلة عن المتجر والشاب.
استيقظ القادة الثلاثة في نفس اللحظة تقريبًا، مع شروق شمس اليوم الجديد.
كان الرجل العجوز جو هاي جالسًا في سريره،يلهث قليلاً
ضوء الصباح كان يملأ الغرفة. استدعى خادمه الشخصي على الفور. "جهز العربة. سنذهب إلى تلسوق الغربي... إلى متجر يُدعى 'يونغ مينغ'."
هو ليانغ قفز من فراشه الفاخر، عيناه تتقدان بإثارة جامحة. "ابن الحظ! يا له من لقب رائع!" ضحك وهو يرتدي ملابسه بسرعة غير معتادة. "السلف كان محقًا، الألعاب القديمة أصبحت مملة. حان وقت شيء جديد!"
أصدر أوامره بلمحة عين لحراسه الشخصيين: "جهزوا العربة. لا، أفضل أن أمشي. أريد رؤية هذا 'يونغ مينغ' بعيني."
مي يانغ لم تتحرك من فراشها لفترة طويلة بعد الاستيقاظ. عيناها المغلقتان كانتا تراقبان الصورة المحفورة في ذهنها: المتجر البسيط، اللافتة الخشبية، وصورة الشاب ذو الشعر الفضي والعينين الحمراوين.
كانت أكثرهم حذرًا، وأكثرهم شكًا بطبيعتها. لكن دقة كل نصائح "سلفها" لم تترك مجالًا للشك بهدوء، نطقت بكلمة واحدة في الظلام: "استعدي."
من زاوية الغرفة، تقدمت خادمة صامتة وانحنت.
"سأخرج اليوم."