الفصل الأول: أنهيدونيا

---

لم يعد يتذكر آخر مرة ضحك فيها ضحكة حقيقية. لا يقصد الابتسامة المؤدَّبة التي يرسمها في الاجتماعات، ولا الصوت الذي يخرج من حلقه حين يمزح أحد زملائه، بل تلك اللحظة القديمة التي كان يشعر فيها بشيء يتفجر من الداخل بلا سبب واضح، مجرد فرح خام.

كان اسمه يوسف، وكان يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، ومنذ ثمانية أشهر بالتحديد — يتذكر التاريخ لأنه بدأ يدوّنه كأنه حادثة — توقف كل شيء عن أن يعني له شيئًا. الطعام صار مجرد مضغ. الموسيقى صارت ذبذبات. حتى وجه ابنته الصغيرة، حين تركض نحوه بذراعين مفتوحتين، أصبح مشهدًا يراقبه من بعيد، كأنه يتفرج على حياته من خلف زجاج سميك.

ذهب إلى طبيب نفسي أول الأمر، فأعطاه اسمًا للحالة: **أنهيدونيا**. عدم القدرة على الشعور بالمتعة. قال الطبيب إنها قد تكون عرضًا لاكتئاب أعمق، ووصف له أدوية، وابتسم ابتسامة مهنية مطمئنة. جرّب الأدوية شهرين. لم يتغير شيء، إلا أن الفراغ صار أكثر نظافة، أكثر ترتيبًا، وكأن الدواء لم يعالج المرض بل زيّن غرفته.

ثم وجد الإعلان.

لم يكن إعلانًا بالمعنى المعتاد؛ بطاقة صغيرة بلون العاج، موضوعة بين أوراق كثيرة على طاولة في مقهى نصف فارغ، وكأن أحدًا تركها هناك عمدًا لمن يستحقها فقط. لم يكن عليها شعار ولا رقم هاتف، فقط جملة واحدة مطبوعة بخط أنيق:

> *"إن كنت لا تشعر بشيء، فربما الوقت قد حان لتدفع الثمن الذي يعيد لك الشعور."*

وتحتها عنوان: عيادة تحمل اسمًا غريبًا — "العتبة" — في حي قديم لم يكن يعرف أن فيه عيادات من الأساس.

ذهب من باب الفضول أكثر من الأمل. المكان لم يكن كما تخيّل؛ لا لافتات نيون ولا صالة انتظار مزدحمة، بل ممر طويل ينتهي بباب خشبي عتيق، وامرأة عجوز جلست خلف مكتب صغير، سألته سؤالًا واحدًا فقط:

"هل أنت مستعد أن تشعر بأي شيء، حتى لو كان ألمًا؟"

ضحك يوسف من السؤال، لكنه أدرك، وهو يسمع صدى ضحكته الجافة في الممر، أنه لم يضحك منذ ثمانية أشهر. حتى هذه الضحكة الساخرة كانت أول شيء حقيقي شعر به منذ زمن طويل. فأجاب: "نعم."

أعطته المرأة قارورة صغيرة بلا اسم عليها، وقالت له جملة واحدة قبل أن يغادر: "الشعور لا يُمنح، يا سيدي. الشعور يُستعاد. وكل استعادة لها ثمن يُدفع من مكان آخر بداخلك."

لم يفهم الجملة، لكنه لم يسأل. عاد إلى بيته، وفي تلك الليلة، بعد أن نامت زوجته وابنته، جلس على حافة السرير وفتح القارورة.

الأيام التي تلت ذلك كانت أشبه بالانبعاث. عاد يوسف يبكي أمام الأفلام، يضحك بصوت عالٍ من نكتة عابرة، يشعر بدفء القهوة في يده كأنه يلمسها لأول مرة. عانق ابنته وبكى من فرط السعادة، وهي تسأله بحيرة: "بابا، ليه بتعيّط وانت مبسوط؟"

لكن مع مرور الأسابيع، بدأ يلاحظ شيئًا آخر. كل مرة يشعر فيها بلحظة فرح صادقة، كانت تعقبها ساعات — أحيانًا أيام — من فراغ أعمق من الفراغ الذي كان يعرفه من قبل. وكأن كل جرعة سعادة كانت تُقتطع من رصيد محدود، رصيدٍ لم يكن يعرف أن له نهاية.

في إحدى الليالي، استيقظ فجأة على صوت بكاء. اتجه إلى غرفة ابنته، ووجدها نائمة بسلام. لكن حين مر أمام المرآة في الممر، توقف. لم ير تعبيرًا غريبًا على وجهه، بل رأى — للحظة، ربما جزءًا من ثانية — وجهه وهو خالٍ تمامًا من أي ملامح، كأن أحدًا محا التفاصيل ثم أعادها بسرعة قبل أن يتأكد مما رآه.

عاد إلى العيادة في اليوم التالي، فوجد الممر نفسه، والباب الخشبي نفسه، لكن المرأة العجوز لم تكن هناك. بدلًا منها، وجد على المكتب مرآة صغيرة فقط، وورقة مطوية كُتب عليها بخط اليد:

> *"كل شعور تستعيده، تتنازل عنه من مكان لم تكن تعرف أنك تملكه. أنت الآن تسأل: هل أكمل الطريق، أم أتوقف عند حدّي الحالي وأقبل بالفراغ الذي أعرفه؟ العتبة أمامك دائمًا. لم يكن السؤال يومًا: هل تشعر؟ السؤال كان دائمًا: بكم؟"*

وقف يوسف طويلًا أمام المرآة الصغيرة، والقارورة في جيبه لا تزال نصف ممتلئة. فكّر في ابنته وضحكتها الحقيقية التي أعاد اكتشافها، وفكّر في ذلك الفراغ الغريب الذي بدأ يتسلل حتى إلى لحظات فرحه.

لم يقرر شيئًا في تلك اللحظة. فقط وضع القارورة على المكتب، ونظر إلى المرآة مرة أخيرة، وسأل نفسه سؤالًا لم يستطع الإجابة عنه:

*"هل الفراغ الذي كنت أعرفه... كان أرحم من هذا؟"*

خرج من العيادة، ولم يعد إليها أبدًا. لكن من تلك الليلة، كان يشعر أحيانًا — في لحظات عابرة، غير متوقعة — بفرح خفيف يمر به كنسمة، يليه فراغ صغير لا يعرف مصدره. وكان كل مرة يقف فيها أمام باب بيته، يتردد لحظة قبل أن يضع يده على المقبض، وكأن هناك عتبة أخرى، غير مرئية، عليه أن يقرر إن كان سيعبرها أم لا.

ولم يخبر زوجته أبدًا بما حدث.

---

2026/08/25 · 1 مشاهدة · 727 كلمة
Mohammed Aqrid
نادي الروايات - 2026