الفصل الأول: ما وراء الباب
لم تكن مدينة إيرافيل تعرف الهدوء.
في الصباح، كانت الشوارع تمتلئ بأصوات الباعة والعربات ، وفي السماء كانت مناطيد ضخمة تحلق بين الأبراج، مدفوعة بالهواء ونار زرقاء تتوهج داخل محركاتها.
مدينة عادية...
على الأقل، هذا ما كان يعتقده تيرو.
كان يسير وسط الشارع ويداه في جيبيه، يحمل قطعة خبز في فمه، بينما يحاول اللحاق بصديقه الذي كان يصرخ من بعيد.
— تيرو! أسرع! سنتأخر!
رفع تيرو يده دون أن يسرع.
— أنا أسرع... أنت فقط بطيء.
التفت صديقه إليه باستغراب.
— أنت تمشي!
— المشي السريع نوع من السرعة.
— أنت مستحيل.
ضحك تيرو.
كان من السهل عليه التحدث مع الآخرين.
بائع الخبز يعرفه، صاحب المقهى يعرفه، وحتى الحارس عند البوابة الرئيسية اعتاد على سماع تعليقاته السخيفة كل صباح.
لم يكن تيرو يمانع وجود الناس حوله.
وفي الوقت نفسه، لم يكن يمانع أن يكون وحيدًا.
بالنسبة إليه، الأمران متشابهان.
الناس ممتعون حين يكونون ممتعين، والوحدة مريحة حين يصبح الضجيج مزعجًا.
وصل إلى ساحة المدينة، فتوقف للحظة.
كان هناك شيء غريب.
لم يكن يعرف ما هو.
حدق في النافورة الحجرية وسط الساحة.
الماء يتساقط بشكل طبيعي.
الأطفال يركضون حولها.
العربات تمر من خلفه.
كل شيء طبيعي.
لكن...
كان هناك شخص يقف بجانب النافورة.
رجل طويل يرتدي معطفًا أسود.
لم يكن يفعل شيئًا.
فقط يقف.
تيرو رمش مرة.
ثم مرت عربة أمام الرجل.
وعندما اختفت العربة...
لم يعد الرجل موجودًا.
توقف تيرو.
— غريب.
صديقه الذي كان أمامه التفت.
— ماذا؟
— لا شيء.
أكمل السير.
ربما تخيل الأمر.
لم يكن هناك سبب يجعله يهتم.
---
في المساء، عاد تيرو إلى منزله.
كان منزله صغيرًا، يقع في أحد الأحياء القديمة بعيدًا عن مركز المدينة.
ألقى حقيبته على الكرسي، ثم فتح النافذة.
دخل هواء بارد.
رفع رأسه نحو السماء.
كانت هناك ثلاثة أقمار فوق إيرافيل.
قمر أبيض.
وقمر فضي.
وقمر صغير أزرق يظهر مرة كل بضعة أيام.
كان منظرًا اعتاد عليه منذ طفولته.
لكن الليلة...
كان هناك شيء ناقص.
ظل تيرو ينظر إلى السماء.
ثم عبس.
— لحظة...
عدّ الأقمار.
واحد.
اثنان.
ثلاثة.
ثم أعاد العد.
ثلاثة.
لكن شيئًا في داخله أخبره أن السماء كانت تحتوي على أربعة.
قمر احمر؟
لا يعرف لماذا.
فقط كان متأكدًا.
اقترب من النافذة.
وفجأة...
ظهر انعكاس غريب على زجاجها.
لم يكن انعكاس غرفته.
كان هناك ممر طويل خلفه.
ممر مظلم، يمتد إلى مكان لا نهاية له.
استدار تيرو بسرعة.
لا شيء.
الغرفة كما هي.
عاد إلى النافذة.
اختفى الممر.
ابتسم تيرو بتوتر.
— بدأت أتخيل أشياء.
ابتعد عن النافذة.
ثم سمع صوتًا.
هادئًا.
قريبًا جدًا.
— تيرو.
تجمد في مكانه.
لم يكن الصوت قادمًا من الخارج.
كان خلفه.
استدار ببطء.
لم يكن هناك أحد.
ابتلع ريقه.
— من هناك؟
لا جواب.
اقترب من منتصف الغرفة.
ثم سمع الصوت مرة أخرى.
— أخيرًا... وجدناك.
توقف قلبه للحظة.
لم يفهم الجملة.
ولم يفهم من قالها.
لكنه عرف شيئًا واحدًا.
هذه المرة لم يكن يتخيل.
نظر إلى الأرض.
كان هناك شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات.
باب.
نعم...
باب خشبي أسود مستلقٍ على الأرض، دون جدار، ودون غرفة خلفه.
باب وحيد.
اقترب تيرو منه.
لمسه.
كان باردًا.
وعلى سطحه كانت هناك كتابة محفورة بلغة لم يرها في حياته.
ومع ذلك...
فهم معناها غريزيا.
«لا تفتح.»
ابتسم تيرو.
ظل يحدق في الكلمات لثوانٍ.
ثم قال:
— حسنًا... الآن بالتأكيد سأفتحه.
وضع يده على المقبض.
وقبل أن يديره، سمع صوتًا آخر.
هذه المرة لم يكن صوتًا غامضًا.
بل صوت رجل يعرفه.
صوت صديقه.
— تيرو؟
توقف.
رفع رأسه.
كان صديقه يقف عند باب الغرفة.
نظر إلى الباب الأسود على الأرض.
ثم إلى تيرو.
— ماذا تفعل؟
نظر تيرو إليه.
ثم إلى الباب.
ثم عاد بنظره إليه.
— لا أعرف.
ابتسم صديقه.
— إذن لا تلمسه.
ضحك تيرو.
—لقد تأخرت.
وأدار المقبض.
في اللحظة نفسها...
انطفأت جميع مصابيح المدينة.
اختفت أصوات الشوارع.
اختفت الرياح.
اختفى كل شيء.
ثم انفتح الباب.
وخلفه...
لم تكن هناك غرفة.
ولا ممر.
ولا ظلام.
كان هناك عالم آخر.
وعلى الجانب الآخر من الباب، وقف الرجل ذو المعطف الأسود.
نفس الرجل الذي رآه تيرو في الساحة صباحًا.
رفع الرجل رأسه.
ونظر مباشرة إلى عينيه.
ثم قال:
— كنت أتساءل متى ستتذكر أنك رأيت هذا العالم من قبل.
اتسعت عينا تيرو.
— ماذا تقصد؟
ابتسم الرجل.
لكن قبل أن يجيب...
أُغلق الباب.
وعادت أصوات المدينة.
وعادت الأضواء.
وعاد كل شيء كما كان.
إلا تيرو.
لأنه، للمرة الأولى في حياته...
لم يعد متأكدًا من أن العالم الذي يعيش فيه هو العالم الحقيقي.