مر عام كامل كالخيال في قصر السيد جوليان. لم تعد هانا تلك الطفلة الشاحبة التي ترتجف في المطر؛ بل أصبحت زهرة متفتحة في السادسة من عمرها. كانت تقضي أيامها بين دروس العزف، اللغات، والعلوم، تحت إشراف أمهر الأساتذة الذين لم يرهقوا عقلها الصغير بقدر ما غرسوا فيه الشغف. كانت صحتها في أفضل حال، وعيناها الخضراوتان تلمعان بالحياة بعد أن كانت تملؤهما الدموع.
في تلك الليلة العاتمة، كانت العاصفة تعزف لحناً غاضباً في الخارج، يشبه تماماً الليلة التي التقت فيها بجوليان. كانت هانا مستغرقة في قراءة كتاب قبل النوم، عندما شعرت بهواء بارد يتسلل إلى غرفتها.. وكأن شخصاً فتح النافذة بهدوء.
استدارت هانا، لتجد أمامها فتىً يقف في الظل. خرج ببطء لتسلط عليه إضاءة المصباح الجانبي، واتسعت عيناها من الصدمة.
كان الفتى يبدو وكأنه نسخة مذكرة منها! شعر وردي لامع يخطف الأنظار، وعينان خضراوتان حادتان كأنهما غابة غامضة. كان في الحادية عشرة من عمره، يرتدي ثياباً فاخرة تحمل شعار آل "ستيرلينغ"، لكن ملامحه لم تكن تحمل براءة الأطفال؛ بل كان يغلفها برود وقسوة غير معتادة.
هانا (بصوت مرتجف): "من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟"
الفتى (بصوت هادئ ومخيف): "أنا 'أدريان ستيرلينغ'.. ابن عمكِ الذي جاء ليأخذ ما ليس لكِ بحق. جئتُ لأنتهي من أمركِ قبل أن تصبحي أكبر وأكثر خطورة."
أخرج من خلف ظهره خنجراً صغيراً من الفضة، منقوشاً عليه شعار العائلة النبيلة. لم يكن يبدو كلص عادي، بل كان يبدو كجندي صغير تم غسل دماغه ليكره وجودها.
أدريان: "بسببكِ، والدي لا ينام الليل. وبسببكِ، يقال إن دماءنا النبيلة تلوثت. موتكِ هو الطريقة الوحيدة ليعود السلام لعائلتي."
اندفع جوليان في الردهة كالإعصار، فقد كان حدسه يخبره بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. بمجرد أن ركل باب الغرفة، تجمد في مكانه من هول المشهد: طفل صغير، بملامح تشبه هانا بشكل مرعب، يقف شاهراً خنجراً فضياً نحو قلب ابنته الصغيرة.
جوليان (بصوت يزلزل الغرفة): "ارفع يدك عنها فوراً!"
لم ينتظر جوليان رداً، بل تحرك بسرعة مذهلة وانتزع الخنجر من يد الفتى بحركة خاطفة، ثم أبعد هانا خلف ظهره، محيطاً إياها بذراعه وكأنه يحمي أثمن ما يملك في الوجود.
نظر جوليان إلى الفتى "أدريان" بذهول، فقد صدمه الشبه الكبير بينه وبين هانا. كان يرى أمامه طفلاً لا يتجاوز الحادية عشرة، لكن عينيه كانت تحملان غلاً وحقداً لا يملكهما حتى المجرمون العتاة.
جوليان (بحنق): "أنت مجرد طفل! من الذي سمم عقلك لدرجة أن تأتي لتقتل طفلة من دمك؟"
أدريان (بصوت يرتجف من الغضب لا الخوف): "إنها ليست من دمي! إنها عار علينا! والدي قال إن وجودها يهدد مكانتنا، وإنها سرقت إرثاً لا تستحقه. ابتعد يا سيد جوليان، هذه حرب بين آل (ستيرلينغ)، وأنت غريب عنها!"
هنا، خرجت هانا من خلف جوليان، كانت دموعها قد جفت وحل محلها نوع من الحزن العميق على ابن عمها هذا.
هانا (بهدوء): "أدريان.. انظر إليّ. نحن نملك نفس لون الشعر، ونفس العينين. هل تعتقد حقاً أن دمي ملوث بينما دمك نقي؟ نحن ضحايا لكلمات والدك القاسية. أنا لم أطلب قصراً ولا إرثاً، أنا فقط أردت عائلة.. وهو ما لم تمنحه لي عائلة (ستيرلينغ)، ومنحه لي هذا (الغريب) كما تسميه."
سقطت الكلمات على أدريان كالصواعق. نظر إلى يديه الفارغتين، ثم إلى جوليان الذي كان ينظر إليه بنظرة تجمع بين الغضب والأسى.
جوليان: "أتعرف ما هو الفرق بينك وبين هانا يا أدريان؟ هانا عاشت في الشوارع وتعلمت أن الحياة تُبنى بالحب، بينما أنت عشت في القصور وتعلمت أن الحياة تُبنى بالقتل. اذهب لوالدك وأخبره.. إذا أرسل طفلاً مرة أخرى، فلن أكون رحيماً كما أنا الآن. أما هانا، فهي الآن تحت حماية قانون (جوليان)، وليس قانون النبلاء."