مرت السنوات كأنها حلم جميل داخل أسوار القصر، وتحولت تلك الطفلة الخائفة التي كانت تركض تحت المطر إلى شابة في الرابعة عشرة من عمرها، تفيض فتنة وذكاءً. لم تكن هانا مجرد "ابنة بالتبني"، بل أصبحت ركن القصر المتين؛ فهي تكنّ للسيد جوليان حباً نقياً واحتراماً جعل قلبه القاسي يلين أكثر فأكثر.
يرى جوليان في هانا اليوم كل الصفات التي تمناها في وريثته: الشجاعة، البر، والنباهة. لقد أصبحت "بارّة" له لدرجة أنه بات يخشى عليها من نسمة الهواء، لكنه يعلم أن وقت "المواجهة الكبرى" قد حان.
في جناحها الفاخر، كانت هانا تقف أمام المرآة الكبيرة، بينما كانت "ماري" تضع اللمسات الأخيرة على فستانها الذي صُمم خصيصاً لهذه الليلة. كان فستاناً بلون أزرق ليلي مرصعاً بجزيئات ماسية صغيرة تشبه النجوم، يتناغم بشكل ساحر مع شعرها الوردي الذي أصبح طويلاً ومنساباً كالحرير.
دخل جوليان الغرفة، وقد بدا في قمة أناقته ببدلته الرسمية السوداء. وقف خلفها ينظر إلى انعكاسها في المرآة بفخر لا يمكن وصفه.
جوليان (بصوت حنون): "لقد كبرتِ بسرعة يا هانا.. اليوم لن يدخلكِ هذا الحفل كطفلة يتيمة، بل كـ 'الآنسة جوليان'، وريثة إمبراطوريتي."
هانا (بابتسامة هادئة): "أعلم أن العيون ستكون عليّ ليس بسبب جمال الفستان، بل بسبب 'اسمي'. لستُ خائفة يا أبي (كما بدأت تناديه مؤخراً)، فكل ما علمتني إياه سيكون درعي الليلة."
أمسك جوليان بيديها وضغط عليهما: "ستكون عائلة ستيرلينغ هناك.. وربما يكون أدريان قد عاد. لا تنسي، هم يبحثون عن ثغرة، عن لحظة ضعف. كوني كما أنتِ؛ قوية، فاتنة، وبعيدة المنال."
في قاعة الحفل الرخامية
وصلت العربة الفاخرة إلى أبواب القصر الملكي حيث يُقام الحفل السنوي للعائلات الشهيرة. عندما نزل جوليان ومد يده لهانا، حبس الجميع أنفاسهم. كانت هانا تخطف الأنظار؛ ملامحها النبيلة ووقفتها الواثقة جعلت الهامس يزداد: "من هذه الفتاة التي ترافق جوليان؟ هل هي حقاً الوريثة الغامضة؟"
بينما كانت تمشي في الرواق الكبير، شعرت هانا بنظرة حادة تخترق ظهرها. استدارت ببطء، لتجد في زاوية القاعة شاباً طويلاً، يرتدي ملابس رسمية عسكرية سوداء، وشعره الوردي اللامع ينسدل على جبينه بحدة.
إنه أدريان. لم يعد ذلك الطفل الغاضب، بل أصبح فتىً في التاسعة عشرة، بعينين خضراوتين أكثر عمقاً وغموضاً، وفي يده كأس يرفعه نحوها وكأنه يحيي عدواً قديماً.. أو ربما "فريسة" طال انتظارها.
بينما كانت الأنظار تلاحق هانا وجوليان، اقترب منهما رجل ذو هيبة ووقار، يرتدي وشاحاً يعكس رتبته النبيلة الرفيعة. كان هذا هو "اللورد فيكتور"، الصديق المقرب الوحيد الذي يثق به جوليان في هذا المجتمع المليء بالأقنعة.ابتسم اللورد فيكتور وهو يصافح جوليان بحرارة، ثم التفت نحو هانا بنظرة إعجاب وتقدير حقيقي.
اللورد فيكتور: "يا إلهي، يا جوليان! لقد كنت تقول لي إن لديك جوهرة في قصرك، لكنني لم أتخيل أبداً أنها بهذا البريق. الآنسة هانا ليست فاتنة فحسب، بل تملك نظرة عينين تنطق بالذكاء."
هانا (بثبات وأدب): "شكراً لك لورد فيكتور، كلماتك وسام أعتز به في أول ليلة لي هنا."
في تلك اللحظة، تقدم شاب كان يقف خلف اللورد فيكتور بوقار. كان شاباً في السادسة عشرة من عمره، يخطف الأنفاس بجمال هادئ ومختلف تماماً عن حدة أدريان. كان شعره فضياً ناعماً يلمع تحت ثريات القاعة كأنه خيوط من ضوء القمر، وعيناه عسليتان دافئتان تعكسان طيبة ونبلاً نادراً.
انحنى الشاب أمام هانا بكل لطف واحترام، في تحية كلاسيكية راقية، ثم رفع رأسه بابتسامة مهذبة:
الشاب: "أسمحي لي أن أعرفكِ بنفسي، أنا 'أليكسندر'. لقد سمعتُ الكثير عن شجاعتكِ يا آنسة هانا، ويشرفني جداً أن التقي بكِ أخيراً."
كان صوته هادئاً ومريحاً، بعيداً كل البعد عن التهديد أو السخرية. شعرت هانا لأول مرة بأن هناك من يراها كإنسانة، وليس كـ "وريثة" أو "هدف".
جوليان (وهو يضع يده على كتف أليكسندر): "أليكسندر شاب استثنائي يا هانا، هو الوحيد الذي سمحتُ له بطلب رقصتكِ الأولى الليلة، لأنه يشبه والده في صدقه."
مد أليكسندر يده نحو هانا بانتظار موافقتها، بينما كان أدريان يراقب المشهد من بعيد، وقد اشتعلت عيناه الخضراوتان ببريق من الغيرة والغضب؛ فكيف لـ "ابنة الريف" أن تحظى باهتمام أرفع عائلات النبلاء وأكثرهم أدباً؟