توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة انفتحت بصرير مهيب، وكأنها تفتح باباً لعالم آخر لم تحلم هانا بوجوده. كان القصر يقف شامخاً وسط الأشجار العالية، تضيئه أنوار خافتة تمنحه هيبة وغموضاً.
نزل جوليان من السيارة، وبحركة عفوية لم يفعلها منذ سنوات، حمل هانا بين ذراعيه. كانت الطفلة خفيفة كالريشة، وثيابها المبللة تركت أثراً على معطفه الثمين، لكنه لم يهتم. دخل بها إلى الردهة الرئيسية، حيث كان بانتظاره "آرثر"، كبير الخدم المسن الذي بدت على وجهه علامات الذهول.
آرثر بذهول: "سيدي جوليان؟ من هذه الصغيرة؟"
جوليان بنبرة حازمة ومختنقة: "هذه هانا.. ستقيم هنا من الآن فصاعداً. جهزوا الجناح الشرقي، واطلبوا الطبيب فوراً، إنها ترتجف من البرد."
وضعها جوليان بلطف على أريكة مخملية في غرفة المعيشة الكبيرة. كانت هانا تنظر حولها بعينين واسعتين؛ الثريات الكريستالية، السجاد اليدوي، والمدفأة التي يشتعل فيها الحطب. شعرت بالرهبة، فتمسكت بطرف قميص جوليان وهي تهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"هل سأبقى هنا حقاً؟ أم أنني سأعود للمطر عندما أستيقظ؟"
توقف قلب جوليان للحظة. اقترب منها ومسح قطرة مطر عن جبينها وقال: "لن تعودي للمطر أبداً يا هانا.. هذا البيت واسع بما يكفي ليحمينا نحن الاثنين من العالم."
في تلك الليلة، غفت هانا في سرير وثير مغطى بالحرير، بينما كان جوليان يجلس في مكتبه المظلم، ينظر إلى صورة زوجته وابنته الراحلتين. أحس لأول مرة منذ سنوات أن هناك سبباً للاستيقاظ غداً، ليس من أجل الثروة، بل من أجل تلك الروح الصغيرة التي أنقذها.. أو ربما هي التي أنقذته.