خيم السكون على القصر، لكنه لم يكن سكوناً عادياً، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة. كانت أضواء الممرات مطفأة، باستثناء ضوء خافت ينبعث من غرفة المعيشة حيث يقبع البيانو.
أمر جوليان "آرثر" بأخذ هانا إلى غرفة سرية خلف المكتبة، وأوهم الجميع أن القصر قد غط في نوم عميق. جلس جوليان في الظلام، ممسكاً بجهاز التعقب الذي نزعه من القلادة، ووضعه فوق طاولة في منتصف الردهة.
بعد منتصف الليل، انفتح قفل النافذة الجانبية بحرفية عالية. تسلل "الرجل ذو المعطف الرمادي" بخطوات ذئبية، عيناه تلمعان بطمع وهو يقترب من جهاز التعقب، ظاناً أن هانا نائمة في مكان قريب.
فجأة.. أضاء كشاف قوي في وجهه، ليجمد في مكانه كتمثال ملحي.
جوليان (بصوت جليدي): "لقد تأخرت.. كنت أنتظرك منذ ساعات."
الرجل (بارتباك وحقد): "جوليان! تظن أنك ذكي؟ أنت تحمي طفلة لا تنتمي إليك. سلمني إياها وسينتهي كل شيء بسلام."
تقدم جوليان من الظل، ملامحه كانت توحي ببركان على وشك الانفجار.
جوليان: "سلام؟ أنت كذبت على طفلة فقدت كل شيء، حاولت تلويث ذكرى والديها بأكاذيبك الرخيصة. من أرسلك؟ ومن أعطاك تلك المعلومات عن الحادث؟"
ضحك الرجل بسخرية وهو يتراجع للخلف، لكنه تعثر في طرف السجادة.
الرجل: "أنت لا تعرف شيئاً يا جوليان.. الحادث لم يكن صدفة، وتبنيّك لهانا جعلها الهدف القادم. هناك من يريد محو سلالة عائلتها بالكامل، وأنت بفعلك هذا، وضعت رصاصة في قلبها بدلاً من إنقاذها!"
قبل أن يتمكن جوليان من الإمساك به، قام الرجل برمي قنبلة دخانية صغيرة، ليمتلئ المكان بضباب كثيف. سعل جوليان محاولاً الرؤية، لكنه سمع صرخة مكتومة من الطابق العلوي.. صرخة تشبه صوت هانا!
اندفع جوليان نحو الدرج وقلبه يكاد يتوقف، لكنه قبل أن يصل، سمع صوتاً غريباً.. لم يكن صوت عراك، بل كان صوت ارتطام شيء ثقيل بالأرض، يليه صوت "آرثر" الهادئ: "سيدي، أعتقد أن ضيفنا غير المدعو قد تعثر في.. فخ الطفلة."
دخل جوليان المكتبة ليجد مشهداً غير متوقع. كان المتسلل الثاني ملقى على الأرض، وقد التف حول قدميه حبل متصل بآلية ذكية من الرفوف، وفوقه انسكب دلو من الحبر الأسود الثقيل. أما هانا، فكانت تقف خلف "آرثر" وهي تمسك بتمثال معدني صغير، وعيناها تلمعان بتحدٍ.
هانا (بأنفاس متسارعة): "لقد حاول الدخول من النافذة، لكنني تذكرت كيف كان والدي يؤمن خيمتنا في الغابة بالخيوط.. ففعلت الشيء نفسه هنا."
جوليان (بذهول وفخر): "أنتِ مذهلة يا هانا.."
التفت جوليان إلى المتسلل الذي كان يحاول مسح الحبر عن عينيه، وأمسك به بقوة: "من الذي أرسلك؟ تكلم قبل أن أفقد صبري!"
المتسلل (بصوت مخنوق): "أنت تحمي (الكنز الضائع) لآل (ستيرلينغ).. تلك الطفلة ليست مجرد يتيمة. والدها كان اللورد 'إدوارد'، النبيل الذي طُرد من العائلة لأنه تمرد وتزوج من فتاة ريفية بسيطة. العائلة تريد التخلص منها لأنها الوريثة الوحيدة لمساحات شاسعة من الأراضي التي لا يريد النبلاء الطامعون أن تذهب لـ 'ابنة فلاح'."
ساد الصمت في الغرفة. نظر جوليان إلى هانا، التي بدت مصدومة من سماع اسم والدها الحقيقي. كانت تعرف أن والدها "إدوارد" رجل طيب، لكنها لم تكن تعلم أبداً أنه كان أميراً أو لورداً ترك قصوره ليسكن في كوخ صغير مع والدتها.
آرثر (يهمس لجوليان): "سيدي، هذا يعني أن الخطر أكبر مما تصورنا. هانا الآن ليست مجرد طفلة تبنيتها، إنها قضية سياسية واجتماعية قد تحشد ضرك عائلات النبلاء بالكامل."
جوليان نظر إلى هانا التي بدت صغيرة جداً أمام كل هذه المؤامرات، ثم قال بحسم:
"ليكن ما يكون.. إذا كان والدها قد تخلى عن مملكته من أجل الحب، فأنا مستعد لحرق مملكتي من أجل حمايتها. من اليوم، هانا ليست ابنة الريف ولا ابنة النبلاء.. إنها 'ابنة جوليان'، ومن يريد الوصول إليها عليه أن يمر فوق جثتي أولاً."