1 - الشرير ولورا - المجلد الأول - الفصل الأول

كانت لورا غارقةً في كآبةٍ موحشة.

شعرت وكأنها غدت طفلةً عاقةً أو سيئةً في قرارةِ نفسها.

خرجت إلى الطّريقِ لقضاءِ بعضِ الحاجياتِ التي طلبتها والدتُها، لكنَّ مزاجَها لم يُبدِ أيَّ علامةٍ على التّحسن.

كانت تعبثُ بالعملةِ الفضيّةِ التي أعطتها إياها والدتُها في جيبِها، وتسترجعُ في ذهنِها ما دارَ على مائدةِ الإفطارِ هذا الصّباح.

كان اليومُ هو اليومَ التّالي لعودةِ شقيقتِها الكبرى وأختِها الصّغرى من الأكاديميّةِ لقضاءِ العطلةِ في مسقطِ رأسهما.

في الواقع، كان مجردُ انتسابِ أحدِ الأبناءِ إلى الأكاديميّة -التي لا يدخلُها إلا نوابغُ المملكة- يُعدُّ أمرًا يدعو للفخر، لكنَّ حقيقةَ أنَّ الابنةَ الثانيةَ من بينِ الأخواتِ الثّلاثِ هي الوحيدةُ التي فشلت في الالتحاقِ بها، كانت تدفعُ أيَّ شخصٍ، مهما كان بليدَ الحسّ، للتفكيرِ بشيءٍ واحد.

'الابنةُ الثانيةُ، مقارنةً بالأخريينِ، تبدو...'

لطالما كانت شقيقتُها الكبرى متفوقةً في دراستِها منذ أن كانت لورا صغيرة، لذا لم يعد الأمرُ يثيرُ دهشتَها الآن.

غير أنها حين شعرت بوطأةِ الفجوةِ في الموهبةِ أمام أختِها التي تصغرُها بعامين، انكمشت لورا على نفسِها بشدة.

وعلى الرّغم من أنَّ شقيقتيها تعاملانِها بلطفٍ ومودة، إلا أنها لم تستطعْ منعَ نفسِها من الشّعورِ بالدّونيةِ وهي بينهما.

أحيانًا كانت تشعرُ بضيقٍ مفاجئٍ منهما، بل وتجدُ نفسَها تتمنى لهما سوءَ الحظ، ممّا جعلَ عودتَهُما إلى المنزلِ أمرًا يبعثُ على الضّيقِ الشّديدِ في نفسِها.

'هل أنا حقًا أخت سيئة؟'

كان ينبغي لها في الأصلِ أن تبارك لهما نجاحَهُما.

كان عليها أن تتمنى الخيرَ لمن يشاركونَها الدّمَ نفسَه، لعائلتِها التي لا يضاهيها أحدٌ مكانةً.

كانت تدركُ ذلكَ في عقلِها، لكنَّ عجزَها عن فعلِه جعلها تشعرُ بالانكسارِ أمام نفسِها.

بدلًا من أن تبذلَ جُهدًا لتصبحَ مثلَهُما، كانت تدركُ كم هي إنسانةٌ ضيقةُ الأفقِ وحقيرةٌ لأنها لا تستطيعُ حتى تمني السّعادةِ لهما.

كان هذا الإحساسُ لا يفعلُ شيئًا سوى ترسيخِ فكرةِ وجودِ فجوةٍ مطلقةٍ لا يمكنُ ردمُها بينها وبينَهُما.

على أيِّ حال، بهذا القلبِ المثقلِ والروحِ الكئيبةِ استيقظت هذا الصّباح.

وبينما كانت شقيقتُها وأختُها تتحدثانِ بمرحٍ عن مغامراتِ الأكاديميّةِ وقصصِ الأصدقاء، ووالداهما يستمعانِ بتعابيرَ تفيضُ بالسّعادة، كانت لورا تبذلُ قصارى جُهدِها لتمثيلِ دورِ الأختِ الصّالحةِ والابنةِ البارّةِ، متصنعةً الإشراق.

إلى أن نطقت شقيقتُها الكبرى، التي ستتخرجُ من الأكاديميّةِ العامَ المقبل، بكلمةٍ واحدةٍ حطمت ذلكَ الهدوءَ الهشَّ الذي كانت لورا تحاولُ الحفاظَ عليه.

"أخططُ للعملِ في مختبرِ أبحاثٍ تابعٍ للمملكةِ فورَ تخرجي، حتى وإن لم يكن منصبًا مباشرًا، فإنَّ الشّروطَ جيدة، وسأتمكنُ من مواصلةِ الدّراسةِ التي أرغبُ بها."

"أيمكنكِ الحصولُ على وظيفةٍ فورًا؟"

"نعم، لقد تلقيتُ عرضًا بالفعل."

طريقةُ كلامِ رينا، شقيقةِ لورا الكبرى التي غادرت مسقطَ رأسِها منذ زمنٍ طويلٍ لتعيشَ في الأكاديميّة، أصبحت تشبهُ تمامًا طريقةَ أهلِ المدن.

أنيقةٌ، وذاتُ رُقيّ.

"الرّاتبُ ليس سيئًا أيضًا، لذا سأبدأُ بإرسالِ مصاريفِ المعيشةِ لكم بانتظامٍ من الآن فصاعدًا."

"لا حاجةَ لذلك."

تحدثَ والدُ لورا بوجهٍ صارمٍ ولكن بنبرةٍ غلبت عليها الرّقة.

"ستحتاجينَ للكثيرِ من المالِ لتستقري في منصبِكِ لبعضِ الوقت، استخدِميهِ لأجلِ نفسِكِ."

"أجل، لدينا ما يكفينا في المنزل، ولسنا بحاجةٍ للاعتمادِ عليكِ..."

أخذت لورا تقبضُ يدها وتفتحُها مرارًا وهي تستمعُ لحديثِهم.

"يا للروعة!، أنا أيضًا أريدُ كسبَ المال!"

قالت سواليت، الأختُ الصّغرى المشاكسةُ التي تصغرُ لورا بثلاثِ سنوات، وهي تميلُ بجسدِها نحو رينا بحماس.

ابتسمت رينا بلطفٍ وهي تنظرُ إلى صغيرتِها التي تصغرُها بسبعِ سنوات.

"لكنكِ ألستِ بعدُ في سنٍّ حيث لا يجب ان تفكرينَ بهذهِ الأمور؟"

"رغمَ ذلك!، أريدُ أن أكونَ عونًا لأمي وأبي."

"يا لكِ من فتاةٍ طيبة، أختي الصغرى."

"هيهي."

في خضمّ هذا الحديثِ العائليّ الدافئ، كانت لورا هي الوحيدةُ التي لم تجد لنفسِها مكانًا، فظلت تشعرُ بالاضطرابِ وعدمِ الاستقرار.

انجرفت مع ضحكاتِ عائلتِها واستطاعت بالكادِ تمثيلَ ابتسامةٍ باهتة.

لو أنَّ الحديثَ انتهى عند هذا الحدّ، لو أنَّ سواليت الفضوليّة، أو بالأحرى الساذجة، لم توجه إليها الكلام، لما غرقَ مزاجُ لورا في هذا القاعِ السحيق.

"وماذا عنكِ يا أختي؟"

"هاه؟"

جفلت لورا من التفاتِ سواليت المفاجئِ إليها.

لكنَّ سواليت، التي لم تلاحظ ردةَ فعلِها، قالت بابتسامةٍ مشرقة.

"ماذا ستفعلينَ أنتِ يا أختي لورا؟"

"أنا؟، أنا..."

ارتجفت شفتا لورا أمام سؤالِ أختِها البريء.

لم تكن تملكُ شيئًا تودُّ فعلَه.

... لم تكن ترغبُ في التّعمقِ في أيّ علمٍ مثل شقيقتيها، ولم تكن تملكُ الموهبةَ لذلك، ولا حتى الاهتمام.

أقصى ما كانت تحبّهُ هو الوقوفُ بجانبِ والدتِها في المطبخِ لإعدادِ الوجباتِ للعائلة.

في الحقيقة، كانت تتمنى في قرارةِ نفسها أن تجدَ عملًا مناسبًا وتعيشَ حياةً هادئة.

حياةً ملائمة تمكنُها من إعالةِ نفسها حتى وإن لم تكن ثرية.

ومع ذلك، لم تستطع البوحَ بذلكَ لأختِها.

وقبل كلّ شيء، لم تكن تُريدُ أن تحكمَ على حدودِ قدراتِها بلسانِها أمام والديها ورينا اللذينِ ينظرانِ إليها بوجوهٍ باسمة.

"لـ-لستُ أدري...؟"

"ما هذا، كم هذا ممل!"

ضحكت سواليت بمرحٍ وهي تمازحُها، لكنَّ كلماتِها انغرست في زاويةِ قلبِ لورا كالنّصل.

حينها، وكأنها تحاولُ تداركَ الموقف، قالت رينا.

"لم يأنِ الأوانُ بعد لتفكري في مثلِ هذهِ الأمور، تمامًا مثل سواليت."

'هل تظنُّ شقيقتي في سرِّها أنني طفلةٌ ناقصةٌ بلا خطط؟، أجل، لابدَّ أنها تظنُّ ذلك.'

حتى أصواتُ والديها اللذينِ وافقا شقيقتَها بابتسامة، بدت لها وكأنها تحاولُ احتضانَ ابنةٍ مثيرةٍ للشفقة، عاجزةٍ وجاهلة، فغلبَ على لورا شعورٌ بالرّغبةِ في البكاء.

* * *

"لورا؟"

"نعم؟"

في المتجرِ الذي قصدتْه لشراءِ بعضِ الأصنافِ لوجبةِ العشاء، نادتها السيدةُ صاحبةُ المتجرِ بصوتٍ يملؤه التساؤل.

انتفضت لورا مذعورةً، ثم أطلقت ضحكةً في محاولةٍ للتّغطيةِ على خجلِها.

"آه، هاها، أنا آسفة، كم كان الحساب؟"

"لقد دفعتِ الثمنَ للتوّ، أليس كذلك؟"

عند كلماتِ السيدة، تمنت لورا لو انشقت الأرضُ وابتلعتْها.

حقًا، إنَّ هذا اليومَ لا يسيرُ على ما يرام.

"أعتذر، لقد شردَ ذهني للحظة..."

"لا داعي للاعتذار، صحيح، هل سمعتِ ذلكَ الخبر؟"

عندما خفضت السيدةُ المحبةُ للشائعاتِ صوتَها وانحنت نحوَها، لم تكن لورا ترغبُ حقًا في السّماع، لكنها تظاهرت بالاهتمامِ وهزّت رأسَها لتطردَ المشاهدَ السّابقةَ من عقلِها.

"أتعرفينَ ذلكَ القصرَ المهجورَ في منتصفِ الجبلِ الغربيّ؟"

"أتقصدينَ ذلكَ المكانَ الذي لا يقطنهُ أحد؟"

تبادرَ إلى ذهنِ لورا ذلكَ المنزلُ الذي لم يشهدْ أيَّ حركةٍ منذ بنائهِ قبل بضعِ سنوات.

لم يكن كبيرًا بما يكفي ليُطلقَ عليه قصر، بل كان بناءً بحجمِ فيلا ريفيّةٍ يمتلكُها النّبلاء عادةً في الأقاليم.

وبالفعل، كان الجميعُ يظنُّ ذلكَ حين شُيّدَ المبنى.

"أجل، ولكن قيلَ إنَّ السيد بينز رأى شخصًا يدخلُ إلى هناكَ بالأمس!"

"... أليس هذا لصًا لا يعرفُ أحوالَ هذهِ المنطقةِ جيدًا؟"

"يا إلهي، ما الذي تقولينَه!"

انفجرت السيدةُ ضاحكةً بصوتٍ عالٍ.

جعلت تلكَ الضحكةُ المارةَ يلتفتونَ نحو لورا والسيدة، فشعرت لورا برغبةٍ عارمةٍ في إغلاقِ فمِ المرأة.

"يبدو أنني لم أوصل الخبرَ بشكلٍ صحيح، أجل، عربة!، لقد رأى عربةً تدخلُ إلى هناك."

"هيه..."

هل وجدَ ذلكَ القصرُ المهجورُ صاحبًا له أخيرًا؟

لم تشعر لورا باهتمامٍ أكبرَ من ذلك.

عائلةُ لورا لم تكن من النبلاء، لكنهم لم يكونوا فقراء لدرجةِ القلقِ على لقمةِ العيش، ولورا نفسُها لم تكن تملكُ أيَّ أوهامٍ حمقاءَ بخصوصِ النّبلاء.

"حسنًا، سأذهبُ الآن."

"آه، حسنًا!، عودي لزيارتنا مجددًا."

قالت السيدةُ ذلكَ بابتسامةٍ وهي تحولُ بصرَها نحوَ زبونٍ آخر دخلَ المتجر.

ابتسمت لورا برقةٍ وغادرت المكان.

كان الشّارعُ يعجُّ بالناسِ الذين خرجوا مثلها لشراءِ مقاديرِ العشاء.

وبينما كانت تسيرُ في الطّريق، فكرت فجأةً أنها لا تُريدُ العودةَ إلى المنزلِ في هذهِ اللحظة.

فالعودةُ لا تعني سوى مواجهةِ شقيقتِها ووالديها اللذينِ سيحاولونَ مواساتَها بارتباكٍ بسببِ ردةِ فعلِها السّابقة.

إنَّ مراعاتَهم تلك كانت تجرحُها بعمقٍ أكبر.

لو أنهم فقط سخروا منها أو عاملوها بسوءٍ كما تفعلُ زوجاتُ الآباء وبناتُهنَّ في القصص، لكان قلبُها أكثرَ راحة.

'أأصبحتِ تلومينَهم حتى على عدمِ شعوركِ بالرّاحة يا لورا؟'

تنهدت لورا بعمق.

كانت تشعرُ بالاشمئزازِ من نفسِها.

تلكَ الدّونيةُ اللزجةُ والمظلمةُ التي تلتفُّ حولها، ورغبتُها الدّائمةُ في إلقاءِ اللومِ على الآخرين، جعلتْها تشعرُ بالنفورِ من ذاتِها.

هزت لورا رأسَها لتتوقفَ عن التّفكير، وبينما كانت تحملُ المقاديرَ التي اشترتْها بيدٍ واحدة، بدأت تمشي بلا هدى.

'أجل، سأصعدُ إلى التّلة.' فكرت باندفاع.

كان ذلكَ المكانُ هو أعلى نقطةٍ في القرية.

على مسافةٍ قصيرةٍ من القرية، كان هناكَ طريقٌ قريبٌ من جدولِ ماءٍ ينسابُ من الجبل، وبمجردِ صعودِه قليلاً، تظهرُ تلةٌ تطلُّ على القريةِ بأكملِها.

في الواقع، رغم معرفةِ لورا بهذا المكان، إلا أنها لم تزرْه إلا نادرًا.

من كانت تحبُّ تلكَ التّلة هي أختُها التي تصغرُها بثلاثِ سنوات، سواليت.

تلكَ الفتاةُ المشرقةُ والمرحةُ كانت تحبُّ اللعبَ في الخارجِ منذ صغرِها، وكان هذا التلُّ على وجهِ الخصوصِ ينالُ إعجابَها.

تذكرت لورا شاردةً تلكَ المرةَ التي صعدت فيها إلى التلةِ مع سواليت.

'... حقًا، إنهُ مكانٌ يليقُ بفتاةٍ مثلِها.'

كانت لورا تحسدُ شقيقتَها وأختَها لامتلاكِهما شخصيتينِ بارزتين، أي لامتلاكِهما قناعاتٍ واضحةً تجعلُ الناسَ يقولونَ "هذا يليقُ بفتاةٍ مثلِها تمامًا".

في الحقيقة، لم يقتصر حسدُها على شقيقتيها، بل كانت تغبطُ كلَّ من يملكُ مثلَ تلكَ الصّفات.

لأنهُ لم يكن لديها معاييرُ واضحةٌ لما تحبُّ وما تكره.

ما يحبُّه والداها أو شقيقتاها لم يكن مكروهًا بالنسبةِ إليها.

أو لنقل، لم يكن 'مكروهًا' فحسب، كان الأمرُ يقفُ عند هذا الحدّ.

'لماذا لا تراودُني إلا الأفكارُ الكئيبةُ اليوم؟'

هزت لورا رأسَها مرةً أخرى لتكفَّ عن التّفكير.

عندما دخلت الطّريقَ المؤديَ إلى التّلة، بدأت تظهرُ أمامها المناظرُ الطبيعيّةُ غيرُ المنمقة.

ومع كلّ خطوةٍ تخطوها، كانت رائحةُ العشبِ المنعشةِ تداعبُ أرنبةَ أنفِها.

شعرت لورا بأنَّ قلبَها، الذي كان غارقًا في الكآبةِ حتى لحظاتٍ مضت، بدأ يرتفعُ قليلًا.

لأنَّ قيامَها بعملٍ لم تكن تفعلُه عادةً، وسلوكُها طريقًا لا تمشي فيه، جعلَها تشعرُ وكأنها في مغامرةٍ صغيرة.

الأشجارُ التي كانت تفوقُها طولاً، وإن لم تكن كثيفةً، أحاطت بالطّريقِ حتى بدت وكأنها نفقٌ أخضر.

وفي نهايةِ ذلكَ الطّريق، حيثُ يلوحُ الضّوءُ من المخرج، أسرعت لورا في خُطواتِها.

بمجردِ خروجِها من الطّريق، انفتحَ أمامها ذلكَ المنظرُ الرحبُ الذي رأتْه ذاتَ يوم.

وبينما كانت تشعرُ ببهجةٍ طفيفةٍ وهي ترى الشوارعَ التي كانت فيها قبل قليلٍ تبدو صغيرةً كالمجسمات، أدركت فجأة.

كان هناكَ شخصًا آخرَ على التّلةِ غيرَها.

2026/04/24 · 4 مشاهدة · 1504 كلمة
فاسيليا
نادي الروايات - 2026