سببُ عدمِ ملاحظةِ لورا لوجودِهِ على الفور هو أنَّه كان مستلقيًا فوقَ أعشابِ التَّلّة.
وفجأةً، تلكَ المشاعرُ المبتهجةُ التي لم تكن تليقُ بسنِّها، هبطتْ إلى القاعِ دفعةً واحدة.
أَلن يُغفرَ لها حتى هذا التَّمردُ الصَّغيرُ على واقعِها؟
هزَّت لورا رأسَها بقوةٍ لتطردَ تلكَ الأفكارَ السَّلبيّة.
"أوه؟"
كان الرَّجلُ هو أولَ من أبدى ردةَ فعل.
من المستحيلِ أن تقعَ عيناهُ عليها وهو يديرُ ظهرَهُ لها، ورغمَ المسافةِ الكبيرةِ التي كانت تفصلُ بينهما، إلا أنَّه رفعَ جُزءَهُ العلويّ وكأنَّه استشعرَ حضورَها.
أمالَ رأسَهُ قليلًا ورمقَ لورا بنظرةٍ خاطفة.
استطاعت لورا أن ترى جانبَ وجهِه؛ بدا رجلًا عاديًّا لا ميزةَ فيه.
لكنَّ عينيْهِ الغائرتيْنِ خلفَ خصلاتِ شعرِهِ المبعثرةِ استرعتَا انتباهَها.
'يبدو كشخصٍ لم يذقْ طعمَ النَّومِ منذُ أيام'، هكذا فكرتْ لورا.
كان مزيجُ نظرتِهِ الحادةِ مع ملامحِ التَّعبِ المحيطةِ بعينيْهِ يبعثُ في النَّفسِ شعورًا غريبًا.
بيدَ أنَّ هناكَ أمرًا آخرَ أثارَ ريبةَ لورا، وهو أنَّها لم ترَ هذا الرَّجلَ قط.
قريتُها لم تكن نائيةً لدرجةِ العزلة، لكنَّها أيضًا لم تكن ضخمةً بحيثُ لا تعرفُ لورا -التي وُلِدت ونشأت فيها- وجوهَ سكانِها.
وفجأةً، قفزت إلى ذهنِها كلماتُ السَّيدةِ في المتجر.
هل يكونُ هذا الرَّجلُ هو صاحبَ ذلكَ القصرِ الذي ظلَّ مهجورًا لفترة؟
'آه، يا لهُ من سيناريو مألوف!'
ابتسمت لورا بمرارة.
لعلَّه هو الشَّخصُ الذي كان يستقلُّ العربةَ التي تحدثتْ عنها السَّيدة.
أهو خادمٌ أم ذاكَ النَّبيلُ المعنيُّ بالأمر؟
تخيلت لورا لو كان نبيلًا، فهل ستقعُ فتاةٌ ريفيّةٌ مثلها -قابلتْهُ بمحضِ الصُّدفة- في حبِّه وينتهي الأمرُ بالزَّواجِ كما في المسرحياتِ والرّوايات؟
كتمت لورا ضحكةً مكتومةً سخريةً من أفكارِها.
ولكن في تلكَ اللحظة، قطعَ صوتُ الرَّجلِ حبلَ أفكارِها.
"لماذا تضحكين؟"
ذُعِرت لورا حين أدركتْ أنَّها ضحكتْ بالفعل، ونظرتْ إليه، لكنَّها لم تلمسْ في نبرتِهِ أيَّ استياء.
كان صوتُهُ فاترًا ومتمهلًا.
كان ينظرُ إليها بتعبيرٍ وكأنَّه يرى شيئًا غريبًا حقًا.
'هذا طبيعيّ'، تنهدت لورا في سرِّها.
فتاةٌ تظهرُ فجأةً وتحاولُ كتمَ ضحكتِها وهي تنظرُ إليه؛ لقد كان انطباعًا أولَ كارثيًّا.
"سألتُكِ، لِمَ الضحك؟"
عندما طأطأت لورا رأسَها من شدةِ الخجل، كررَ سؤالَه.
'لقد تخيلتُ خيالًا لا يُصدقُ بخصوصِكَ وضحكتُ على نفسي.'
لم يكن بإمكانِها قولُ الحقيقةِ هكذا، لذا وفي غمرةِ رغبتِها في الاختباءِ داخلَ جُحرِ فأر، قالت.
"ضحكتُ لأنني وجدتُ نفسي مثيرةً للسُّخرية."
"..."
رمشَ الرَّجلُ بعينيْهِ ببطءٍ عند سماعِ إجابتِها.
"صعدتِ إلى التَّلّةِ لتضحكي لأنَّكِ ترينَ نفسَكِ مثيرةً للسُّخرية؟، ما المضحكُ في ذلك؟، صعودُكِ للتلة؟، أم أنَّكِ لم تلاحظي وجودي هنا؟، أنتِ فتاةٌ غريبةٌ حقًا، أليس كذلك؟"
'أجل، لابدَّ أنَّ هذا ما تبدو عليهِ الأمورُ بنظرِك.'
شعرت لورا برغبةٍ في البكاء.
لماذا يطاردُها سوءُ الحظِّ بهذا الشَّكلِ اليوم؟
"أنا آسفة، إذن، سأستأذنُ الآن..."
"لا، انتظري قليلًا."
قال الرَّجلُ كلمتَه تلك.
"بما أنَّكِ أتيتِ إلى هنا، ألا يمكنُكِ أن تكوني ونيستي في الحديث؟، لقد مللتُ من البقاءِ حبيسَ غرفتي."
'... وهل ستبدأُ قصةُ الحبِّ معه الآن؟'
كلماتُ الرَّجلِ التي جاءت وكأنَّها تتمةٌ لخيالِها الأبلهِ منذُ قليل، لم تجعلْها تضحكُ هذهِ المرة، بل زادتْها خجلًا.
أيعقلُ أنَّ هذا الرَّجلَ يقرأُ أفكاري ويسخرُ مني؟
"يا... يا سيد!"
"همم؟"
رغمَ ردِّهِ الفاتر، قبضت لورا يدها بقوةٍ وصرخت.
"لستُ مهتمةً بتاتًا!"
"..."
رمشَ الرَّجلُ بعينيْهِ ببطءٍ شديد.
"... بِمَاذا؟"
"..."
'هل أموتُ الآن؟'
نظرت لورا إلى منحدرِ التَّلّةِ الحادّ وفكرت في ذلك.
"لا شيء... ليسَ شيئًا مهمًا..."
"... أنتِ حقًا فتاةٌ غريبة."
'أنا أيضًا أظنُّ ذلك.'
أرادت لورا الهروبَ من هذا المكانِ فورًا.
لكنَّ قدميْها لم تطاوعاها.
في الواقع، لم يسبق للورا أن رأت نبيلًا من قبل، لكنَّها تعلمتْ في المدرسةِ عن سطوتِهم ومكانتِهم.
لم تشعرْ بالخوفِ من الرَّجلِ الماثلِ أمامَها بشكلٍ مباشر، لكنَّها كانت تدركُ نظريًّا أنَّه شخصٌ يملكُ القدرةَ على التَّلاعبِ بمصيرِها.
"أم أنَّكِ تقصدينَ أنَّكِ لستِ مهتمةً بالحديثِ معي؟"
رغمَ خلوِّ نبرتِهِ من أيِّ غضب، إلا أنَّ لورا شعرت بضغطٍ إضافيٍّ بسببِ موقفِها المحرجِ منذُ قليل، فأجابت بصعوبة:
"كلا..."
'في الحقيقة، لا أريدُ التَّحدث...'
"..."
ظلَّ الرَّجلُ جالسًا يرمقُ وجهَ لورا الشَّاحبَ بنظراتٍ مطولة.
"إن لم يكن الأمرُ هكذا، فتحدثي معي قليلًا. ... لم أنطقْ بكلمةٍ منذُ أيام، لدرجةِ أنني لم أعدْ واثقًا إن كان صوتي يخرجُ بشكلٍ صحيحٍ أم لا."
ألا يوجدُ أحدٌ في ذلكَ القصرِ يؤنسُ وحدتَه؟، أهكذا تعيشُ الطبقةُ النَّبيلة؟
... لم تكن تعلمُ يقينًا.
تقدَّمت لورا نحوَ الرَّجلِ بخطواتٍ مترددة.
رغمَ طلبِهِ للحديث، إلا أنَّ الرَّجلَ لم يطرحْ أيَّ موضوع.
ولأنَّ لورا لم تعرفْ كيفَ تبدأ، ظلَّت صامتةً لفترة.
صمتٌ... وصمتٌ آخر.
شعرت لورا وكأنَّ ذلكَ الصَّمتَ الثَّقيلَ يطبقُ على أنفاسِها.
"ذاك... هـ.. هل وصلتَ إلى هنا منذُ وقتٍ قريب؟"
"هاه؟، آه... أجل، على ما أظن، ربما منذُ ثلاثةِ أو أربعةِ أيام؟"
"آه..."
"..."
"..."
كان الرَّجلُ يحدقُ في الفراغِ بنظرةٍ شاردة.
أيعقلُ أنَّه هو الآخرُ يعاني من هذا الموقفِ المحرج؟
'لا يبدو عليهِ ذلك.'
استجمعت لورا شجاعتَها وفتحت فمَها مجددًا وهي تسرقُ إليهِ النَّظرات.
"سـ.. سيدي... هل أنتَ من يسكنُ في القصرِ الموجودِ في الجبلِ الغربيّ؟"
"أوه؟، عندما تقولينَ الغربيّ، أيُّ اتجاهٍ تقصدين؟"
"ماذا؟، آه... أعني... في الجهةِ المقابلةِ لهذا التَّلّ؟"
"آه، أجل، صحيح، هناكَ منزلٌ في منتصفِ الجبل، أليس كذلك؟، أنا أعيشُ هناك."
"فهمتُ..."
"..."
"..."
صمت.
صمت.
صمت.
'هل يمكنني العودةُ إلى منزلي؟'
سألت لورا نفسَها.
ولأنَّها لم تجد جوابًا، استمرت في بلعِ ريقِها بتوترٍ وهي تنظرُ إليهِ بطرفِ عينيْها.
أما هو، فكان لا يزالُ يحدقُ في الأفقِ بتعبيرٍ لا يُفسَّر.
"... اسمعي."
جفلت لورا ونظرت إليهِ عند سماعِ صوتِه.
"نعم؟"
"أنتِ حقًا لا تجيدينَ الكلام."
"..."
'كلامُكَ في محلِّه تمامًا.'
أجابت لورا في سرِّها.
لم تكن تعلمُ أنَّها تفتقرُ للبراعةِ الاجتماعيّةِ إلى هذا الحدّ.
... لا، ليسَ تمامًا، فالموقفُ الذي وُضِعت فيه هو ما جعلَ الكلماتِ تتعثرُ في حلقِها.
أطلقَ الرَّجلُ تنهيدةً عميقةً وطويلة.
"لا أدري لِمَ أتيتُ إلى مكانٍ كهذا، ولِمَ أحاولُ استجداءَ الحديثِ من فتاةٍ لا تستطيعُ حتى نطقَ بضعِ كلماتٍ بسيطة ... هذا مزعجٌ حقًا."
كانت كلماتُهُ الأخيرةُ مشوبةً بمسحةٍ من الاستياء، على عكسِ صوتِهِ الفاترِ المعتاد، ممَّا جعلَ لورا تجفل.
لم يكن خوفًا نابعًا من رقتها كأنثى، بل لأنَّ تلكَ الكلماتِ حملت في طياتِها شيئًا باردًا جعلَ القشعريرةَ تسري في عمودِها الفقريّ.
التفتَ الرَّجلُ فجأةً ونظرَ إليها.
"ما اسمُكِ؟"
"لـ.. لورا."
"اسمي هاس، سررتُ بلقائِكِ يا لورا."
قال ذلكَ بنبرةٍ أسرعَ قليلًا ممَّا كانت عليهِ قبل قليل.
"لماذا صعدتِ إلى هنا؟"
تعلثمت لورا أمامَ سؤالِهِ المفاجئ.
لكنَّها رحبت بفكرةِ أن يقودَ الطرفُ الآخرُ دفةَ الحديث.
رغمَ أنَّ سؤالَه "لماذا صعدتِ" كان فظًّا قليلًا وغيرَ منسابٍ بسلاسة.
أجابت لورا.
"شعرتُ فجأةً برغبةٍ في الصُّعود، آه، كنتُ في طريقي للعودةِ بعد شراءِ بعضِ الحاجيات..."
"أجل، رأيتُكِ تحملينَ الكثير، فخمنتُ ذلك."
'إذن لِمَ سألتَ من الأساس؟'
...
'لا بأس، لابدَّ أنَّها مجردُ وسيلةٍ لتليينِ أطرافِ الحديث.'
"هل تعيشينَ هنا؟، طبعًا ستكونينَ كذلك، كان سؤالي بلا داعٍ."
"..."
"آه، هذا مزعجٌ حقًا، لماذا أنتِ صامتةٌ هكذا؟، ألا يمكنُكِ التَّحدثُ بشكلٍ أفضل؟، لماذا عليَّ أن أفعلَ معكِ شيئًا لا أفعلهُ في العادة؟"
'وهل تسألني أنا عن ذلك؟'
بدا الرَّجلُ منزعجًا من أمرٍ ما لا تفهمُه لورا.
وفجأة، ثارت روحُ التَّمردِ داخلَها، لم تكن هي من اختارَ البقاءَ هنا.
"إذن، ابحثْ لنفسِكَ عن ونيسٍ أفضلَ للحديث."
قالت لورا ذلكَ بنبرةٍ حادةٍ ثم أدارت ظهرَها.
لم يعد يهمُّها إن كان نبيلًا أو شخصًا يبعثُ على الخوف؛ بدأت تخطو بعيدًا.
كانت شجاعةً متهورةً نابعةً من كونِها في السَّادسةِ عشرة، ومن حقيقةِ أنَّها لم تغادرْ قريتَها قط.
"انتظري لحظة."
تبدلت نبرةُ الرَّجلِ لتصبحَ جافةً وصارمة.
انكمشَ كتفا لورا عند سماعِ صوتِه.
وبسببِ تلكَ الهيبةِ التي شعرتْ بها في نبرتِه، توقفت عن الحركةِ دونَ أن تجرؤَ على الالتفاتِ إليه.
سيطرَ عليها شعورٌ بالتَّردد؛ لم تستطع الالتفاتَ للنَّظرِ إليه، ولم تستطع إكمالَ طريقِها للابتعادِ عن المكان.
"..."
ظلَّ الرَّجلُ صامتًا.
وقفت لورا هناك، عاجزةً عن فعلِ أيِّ شيء.
والذي كسرَ هذا الصَّمتَ المخيف، كان صوتُ الرَّجلِ الذي عادَ ليصبحَ فاترًا بشكلٍ لا يُصدق.
"فلنتحدثْ قليلًا بعد، لا أدري متى سأتمكنُ من الخروجِ مرةً أخرى."
كانت كلماتٍ تثيرُ القلق، لكنَّ لورا لم تملكِ الحقَّ في السُّؤال.
التفتت ببطء، وحينها فقط تلاقت عيناهُ بعينيْها وقال.
"اسمي هاس، وصلتُ إلى هذهِ القريةِ منذُ أيام، وأخططُ للبقاءِ هنا لفترة، سأكونُ في عهدتِكِ يا لورا."
"..."
'انفصامٌ في الشَّخصيّة؟'
هذا ما فكرتْ فيه لورا وهي تنظرُ إلى هاس.
تتغيرُ أحوالُهُ بسرعة؛ تارةً يبدو مخيفًا وتارةً عاديًّا، متقلبُ الأطوارِ وغامض.
في الواقع، لم تعد لورا ترغبُ في الحديثِ معه، وبدأت تندمُ على صعودِها للتلةِ لدرجةِ أنَّها أرادت توبيخَ نفسِها التي كانت سعيدةً بـ'مغامرتِها الصَّغيرة' منذُ قليل.
أمامَ نظراتِ هاس التي بدت وكأنَّها تنتظرُ ردَّها، فتحت لورا فمَها.
"... اسمي لورا، أتمنى أن نكونَ على وفاق."
"هاه."
رمشَ هاس ببطءٍ ونقلَ بصرَه بعيدًا، ثم عادَ لينظرَ إليها مجددًا.