الفصل 222: إله الحدادة [2]

"بماذا عساي أن أدعوك… وأنت أخي الأكبر ؟ "

اتسعت عينا رايل حينما انزلق هذا السؤال من فمه دون وعي منه. "ما الذي تقصده ؟ "

نظر الفتى إلى رايل ملياً قبل أن يبدأ بسرد قصته:

"عشتُ أنا ووالدي في غابات 'سوكارانا ' الوادعة قبل وقت طويل من أن تصبح على ما هي عليه الآن. و لقد كانت مكاناً هادئاً ومسالماً. "

صمت قليلاً ، وبدت عيناه الكفيفتان وكأنهما تتأملان شيئاً يقع أبعد بكثير من حدود هذه الغرفة.

"كان والدي ، 'إيدولون ' ، حداداً يحظى بتبجيل العالم بأسره. حيث كان الملوك والأباطرة وحتى أنصاف الآلهة يسافرون لأشهر فقط ليطلبوا منه صناعة قطعة أثرية واحدة. "

"لكنه توقف عن صنع القطع للآخرين بعد ولادتي. "

استمع رايل بصمت.

"كما ترى لم يكن والدي يطرق الحديد إلا لأجلي ، فقد وُلدت كفيفاً بسبب لعنة ما. " ارتسمت على وجه وينتر ابتسامة ناعمة. "أمضى عقوداً في ابتكار تحفٍ تساعدني على شق طريقي في العالم دون الحاجة لعينَيَّ ؛ قبعةٌ حمتني من المطر ، وعصا أنذرتني من المخاطر. صنع لي عدداً لا يحصى من تلك القطع. "

في الخلفية ، استمر ظل الحداد 'إيدولون ' -أو ربما مجرد ذكرى تجسدت- في طرقه الإيقاعي ، حيث كانت كل ضربة تأتي في توقيت مثالي.

"لكن الأمر الوحيد الذي كان يصبو إليه أكثر من أي شيء آخر… لم يستطع تحقيقه قط ، ألا وهو صنع قطعة تعيد لي بصري. " انكسر صوت وينتر قليلاً. "لم يكن ذلك لتقصيره ، فقد طرق المئات منها ؛ عدسات باركها ضوء سماوي ، أقنعة تخللتها دموع العنقاء ، وحتى تيجان صُنعت من شجرة العالم ذاتها. حيث كان ينبغي لكل واحدة منها أن تعمل مع أي إنسان طبيعي ، لكنها فشلت جميعها بسبب اللعنة. "

أخذ نفساً عميقاً ، ثم أكمل:

"ومع ذلك لم يستسلم والدي أبداً ؛ كان يكتفي بالابتسام ، وبعثرة شعري ، ويقول: 'غداً يا وينتر… غداً سأجد الحل '. "

تابع وينتر:

"ثم في أحد الأيام ، جاء إمبراطور بشري متغطرس ومتطلب. أراد من والدي أن يصوغ له سلاحاً قادراً على قتل الآلهة. " تلبدت نبرة وينتر بالظلام. "رفض والدي ، لكن الإمبراطور كان قوياً ، وكذلك كان والدي. تقاتلا لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ حتى خرج والدي منتصراً في النهاية. "

"وافق الإمبراطور على تركنا وشأننا ، وأقسم يميناً يربط ألوهيته بكلمته. " ضحك وينتر بمرارة. "كان حرياً بنا أن نعلم أن 'الغرور لا ينحني إلا للريح التي تكسره '. "

بدت درجة الحرارة في الغرفة وكأنها تنخفض.

"في أحد الأيام ، بينما كان والدي بعيداً يجمع المواد ، هاجم الإمبراطور المكان واختطفني. " قبض وينتر على يديه. "أراد استخدامي كورقة ضغط لكسر روح والدي. "

"تصاعدت الأحداث… وحينما جلب له والدي السلاح الذي طلبه ، قتلني الإمبراطور أمام عينيه دون رحمة. " أصبح صوت وينتر أجوف. "كسر عنقي وكأنه لم يفعل شيئاً. "

"حين وجد جسدي المكسور ، وحين حملني بين ذراعيه… استدعى والدي كياناً قديماً كان قد أبرم معه عقداً منذ عقود ؛ كياناً يتجاوز فهم بني آدم بمراحل. "

"لقد استدعى 'المخادع '. "

في اللحظة التي نطق فيها وينتر بهذا الاسم ، اتسعت عينا رايل ، وبدأ رداؤه يرفرف بجنون وكأنه يدرك هوية سيده السابق.

"المخادع… " تحدث وينتر بوقار. "إلهٌ سخر من القدر نفسه ، ورجلٌ رقص بين اليقينيات وجعل من الحتمية أضحوكة. فظهر أمام والدي بابتسامة تحمل ألف سر ، وعيون تبصر مليون مستقبل. "

ثبّت وينتر عينيه الكفيفتين مباشرة نحو عيني رايل الزمرداياتان.

"توسل والدي للمخادع أن ينقذني ، وأن يأخذني تحت جناحه حتى أتمكن من حماية نفسي. "

"وافق المخادع على احترام عقده ، لكن البعث لا يأتي أبداً دون ثمن ، خاصة لشخص مثلي يحمل بذرة الألوهية. "

بدا تعبير وينتر غارقاً في البعد.

انحنى رايل للأمام دون وعي ؛ فقد عرف 'بذرة الألوهية ' لأنه أيقظ واحدة منها بنفسه أثناء تطوره.

لكن وينتر واصل حديثه غير عابئ بفضول رايل:

"لم يتردد والدي ، وقدم حياته ثمناً لحياتي ، وهكذا نُجيت ، وأخذني المخادع معه. "

"أخذني إلى أماكن تتجاوز إدراك بني آدم ؛ عوالم يتحرك فيها الزمن عرضياً ، حيث تصبح المفاهيم ملموسة ، وحيث الواقع نفسه ليس سوى اقتراح. " أصبحت ابتسامة وينتر حقيقية الآن. "كان غريب الأطوار ، غامضاً. و في لحظة يعلمني حقائق عميقة عن طبيعة الوجود ، وبعد ذلك يفتعل المقالب بالآلهة الصغرى لمجرد التسلية. "

"لكن تقلباته التي لا تحصى ، ودروسه الغامضة ، وألغازه المربكة… كان يقص عليَّ قصصاً… قصصاً عن صبي سيأتي لاحقاً. "

"خليفته الحقيقي. "

اتسعت عينا رايل من الصدمة ، لكنه تمالك نفسه فوراً.

تابع وينتر "كان يتحدث عن هذا الخليفة بمودة وفخر صادق ، رغم أنه لم يكن قد وُلد بعد. حيث كان يقول لي دائماً إنني سأقابل يوماً شخصاً استثنائياً ، شخصاً يحمل إرثه لكنه يتجاوز حتى توقعاته. "

ما زال رايل عاجزاً عن فهم المغزى من القصة. و لقد عرف معلومات حاسمة عن 'المخادع ' ، نعم ، لكن أياً منها لم يفسر سبب مناداته له بـ 'أخي الأكبر '.

لذا سأل دون تردد أو خوف ، خاصة الآن بعدما علم أن وينتر صديق للمخادع ، وأن احتمالية إيذائه لرايل ضئيلة.

"ولكن ، لماذا أخي الأكبر ؟ "

أراد أيضاً أن يسأل كيف بحق الجحيم عرف 'المخادع ' بأنه سيأتي إلى هذا العالم أصلاً ، لكن بعد كل ما قاله وينتر ، شك رايل في أن وينتر يملك إجابة لذلك السؤال أيضاً.

تقوست شفتا وينتر في ابتسامة ساخرة.

الآن فقط ، وبعد سماع قصته ، فهم رايل لماذا بدت تلك التعبيرات مألوفة ؛ فقد قضى وينتر معظم حياته الفانية مع المخادع ، فلا بد أنه التقط تلك الابتسامة المزعجة منه.

أجاب وينتر في تلك الأثناء:

"على الرغم من أن المخادع لم يقبلني حقاً كتلميذ له إلا أنه كان دائماً بمثابة سيدي. و لقد علمني كل ما أعرفه ، وكان هو من ساعدني على فهم إرث والدي وتطويره. "

توقف وينتر قليلاً قبل أن يكمل:

"لذا حتى وإن كنت أكبر منك سناً ، وأقوى منك في السلطة ، فمن حيث الترتيب… " تعمقت ابتسامته. "أنت ، بصفتك خليفته ، تظل فوقي ، بصفتك التلميذ غير الرسمي. "

استقرت عيناه الكفيفتان على رايل.

"وهذا يجعلك أخي الأكبر. "

2026/05/13 · 2 مشاهدة · 977 كلمة
نادي الروايات - 2026