بغابات الظلام التي احاطت بطائفة الظلال .. جلس رجلان حول نار هادئة كانت بمثابة انارة خفيفة تحت جناح الليل .

المساحة من حولهما كانت مدمرةً تماما و كأن تلك الأرض قد احتضنت حربا طاحنة حضرها الآلاف ..

لكنها بالواقع نتيجة القتال بين الاب و ابنه ، عائلة غريبة افرادها وحوش حقيقية تستطيع التسبب بالكثير من الدمار ..

على ما يبدو ، و بعد التدريب لوقت طويل و ساعات عدة .. بلغ فراي و آبراهام طريقا مسدودا ما جعلهما يأخذان استراحةً طويلة .

من بينهما ، جلس فراي و العبوس بادي على وجهه ..

"أنا أشعر بالغباء .." هو قال متنهدا سحابةً ساخنة من الهواء ..

بالمقابل ، ضحك ابراهام بخفة .

"و لماذا قد تشعر بشيء كهذا ؟"

"رغم كل ساعات التدريب التي امضيناها ، الا أنني لم اشعر بأي تقدم يذكر ولازلت لا افهم كيف من الممكن جعل الجسد مصنوعا من الاورا بشكل كامل .." تذمر فراي ، مشكلا قبضةً شديدة البأس غمرتها اورا الظلمات .

حتى بدون المتلاعب المطلق ، هو لا يزال يملك قدرا مهولا من القوة بفضل قدراته الكثيرة .. لكنه رغب بالمتلاعب المطلق مهما كلف الامر ، لان اقل قدر اضافي من القوة قد يصنع الفارق لاحقا . لكن الامر لم يكن سهلا اطلاقا.

على عكس فراي ، آبراهام لم يكن قلقا .

"ستتمكن منها بكل تأكيد ، بعد بضع جلسات اخرى من الضرب المبرح ." قال آبراهام بينما اظلم وجه فراي .

"أنا لم اكن اعلم انك بهذه القسوة يا ابي ، فانت لم تضربني قط بالماضي ، اين حقوق الاطفال ؟" قال فراي ملوحا بيده ، بينما رفع آبراهام رأسه ناحيته ساخرا .

"إذا كنت ستتذمر بهذا الشأن فيستحسن ان تتقن المتلاعب المطلق سريعا لاننا لن نغادر هذا المكان حتى تفعل. "

"انا اعلم هذا بالفعل ."

تمدد فراي مرة بعد ، محاولا تجاهل الاعياء الذي نال منه ..

ضربات آبراهام و لكماته صلبة و مؤلمة جدا ، تحملها دون التجدد كان امرا شاقا حقا لدرجة أن بعض الكدمات لا تزال موجودة لحد الآن رغم اطلاق فراي لتجدده ..

قوة آبراهام ستارلايت مثيرة للاعجاب ، فرغم انه مبارز الا انه يستطيع القتال كدبابة بفعالية على عكس فراي الذي بالكاد استطاع مجاراته بدون قدراته الكاسرة ..

لوهلة ، عم الهدوء بين ابراهام و فراي ، قبل ان يبتسم هذا الاخير ..

"إنها لحياة غريبة هذه التي نعيشها ، من تخيل انني سأجلس معك حول نار دافئة كهذه بعد كل تلك السنين .."

كرد ، أومأ آبراهام و نفس تعابير الحنين و الاشتياق بادية عليه .

"تيار القدر يتلاعب بنا كيفما يشاء .. تارة يبكينا و يؤلمنا .. و تارةً أخرى يسعدنا و يضحكنا .."

قال آبراهام ، قبل ان يرفع رأسه محدقا بالنجوم .

"لقد امضيت ازيد من 30 سنة اطارد شبح عائلتي القديمة ، فإذا بي اجدها من خلال عائلتي الجديدة .."

بسماع هذا .. حدق فراي بوالده لوهلة ، قبل ان ينزل اعينه للاسفل ..

"برأيك .. مالذي حدث لبقية عائلتنا ؟" سأل فراي هذا السؤال الذي لطالما تجاهل التفكير به ..

اما آبراهام ، فقد طرح هذا السؤال بباله عدة مرات بالفعل ..

"لا اعلم .. كل ما أستطيع فعله ازاءهم ، هو التمني و الدعاء بأن يكونوا بمكان افضل من الذي نحن فيه الآن ."

بمجرد قول آبراهام لكلماته هذه .. عم الصمت لبرهة ، بينما غرق كل من الاب و الابن بأفكارهم الخاصة ..

ثم سرعانما كسر فراي الصمت مرة أخرى بعد مرور بضع ثواني اضافية ..

"أمي بهذا العالم .. آنا ستارلايت .."

بمجرد نطق فراي لهذا الاسم ، ادار آبراهام اعينه محدقا بابنه الذي بادله نفس النظرات ..

"أي نوع من الأشخاص كانت ؟ و كيف تمكنت منك يا أبي ؟"

بسماع هذا السؤال .. تردد آبراهام قليلا قبل ان يجيب ، فهذا كان موضوعا حساسا بكل وضوح ، خصوصا ان فراي بالكاد يتقبل فكرة هذه الام الجديدة بما انه متعلق جدا بعائلته القديمة .

آبراهام اخذ وقته ، قبل ان يفتح فمه متحدثا :

"آنا ستارلايت .. كانت لغزا على هيأةٍ آدمية ." قال آبراهام ، بينما مرت على عقله لمحة من الذكريات .

"لن أتحدث عنها كثيرا بما انك رأيت كل شيء بالذكريات التي تركتها لك ذات مرة .. لكن ، يمكنك القول انها كانت بمثابة الملاذ الآمن الذي هربت اليه ، بعدما نال مني اليأس و الألم إثر فشلي بإيجادكم كل تلك السنين ."

"كانت مخلوقا ضعيفا لا يقوى على المشي ولا الحراك ، بدا و كأنها تتعذب أكثر مني بكثير ، فحياتها انتهت قبل ان تبدأ بسبب مرضها .."

"لم تكن تعرف شيئا عن العالم بالخارج ، فعالمها يبدأ و ينتهي داخل جدران حديقتها التي بناها لها والدها شديد الحماية "

مع كل كلمة ينطقها ، كانت اعين ابراهام تلمع .. ما أثبت انه حقا يهتم و يقدر آنا ستارلايت ..

"رغم كل ما قاسته ، الا ان الابتسامة لم تفارق وجهها قط ، لم تيأس من الحياة رغم ان الحياة نفسها قد تخلت عنها ، عندما رأيتها ادركت .. انني أنا أيضا أستطيع الابتسام مرة أخرى ."

تحت جناح الليل ، روى آبراهام تفاصيل إضافية عن حب حياته الثانية .

"هي المنقذ الذي اخرجني من الظلمات ، و منحني الامل بالحياة ." قال آبراهام بنبرة عميقة ، قبل ان يسكت و يعيد انتباهه لفراي مدركا انه تحدث كثيرا ..

"آه ! آسف يا بني .. انا اعلم حساسية هذا الموضوع لك لكنني اكثرت الحديث .." آبراهام اعتذر بصدق ، اما فراي فقد هز رأسه بابتسامة لطيفة .

"لا داعي لتعتذر يا ابي ، فأنا لا ألومك .. كما أنني انا من سألتك بالمقام الاول ."

قال فراي ، مضظهرا نضجا كبيرا ..

"لكل منا الطريقة التي اختار العيش بها .. بعضنا يتعلق بالماضي و لا يتمكن من إجتيازه حتى ايامه الاخيرة ، و البعض الآخر يمضي قدما و يعيش حياته على اكمل وجه .. و البعض يعلق بينهما .."

"بين هذا و ذاك .. لا يملك أحد الحق بالحكم أو ادانة الآخر ، فكل منا حر بالطريقة التي يريد ان يحيا بها. " قال فراي ، مبتسما بوجه آبراهام .

"انا حقا احترمك يا ابي ، انت أقوى شخص عرفته بحياتي كلها .. و خير من أقتدي به ، و الدليل هو انني بحياتين لم أجد أبا آخر سواك .

كنت ولازلت المنارة التي تضيء هذه الظلمات بداخلي . أنت و آدا عائلتي التي انا ممتن انها لا تزال بجانبي ."

كانت هذه لحظةً نادرةً عكس بها فراي مشاعره الحقيقة ما فاجأ والده ..

"فراي .."

بدون وعي منه ، شد آبراهام قبضته بينما احمرت اعينه. و كأنه يكاد يجهش بالبكاء .. لكنه سرعانما تمالك نفسه منزلا رأسه نحو الأرض من تحته ..

بل و كاد يسقط منهاراً .

لكن فراي التقط يده بسرعة ، ممسكا إياه بلطف ..

يد آبراهام ارتعشت ، بينما عض شفته بقوة و فيض من المشاعر يحرق صدره ..

"بني .. شكرا لك ، حقا .. حقا .. شكرا لك ."

شكر آبراهام ابنه مرارا و تكرارا ، فكلمات فراي الأخيرة جلبت له الراحة و الخلاص أخيرا ، بعدما شعر بالذنب ازاء ابنه بالسر لبعض الوقت .

لكن فراي انتبه بالفعل لمعاناة والده الصامتة ، ما جعله ينتظر اللحظة المناسبة لتخليصه و اراحته .

"إرفع رأسك يا ابي ، فانت بطل حقيقي ."

قال فراي ، مساعدا اباه على الوقوف .

من بعد ذلك ، لم يقل أي منهما و لو كلمة واحدة ، و جلسا بهدوء يتأملان النار بينما انقضت ساعات الليل الواحدة تلوا الاخرى .

بين دفئ النار ، و برودة رياح الليل .. شعر الاثنان بألفة غريبة تجاه هذه الاجواء ..

اجواء تمنى كلاهما لو تستمر للابد .

بالنهاية ، آدا لم تنضم اليهم باليوم الاول.. ما جعل فراي يتخذ قراره ..

"أظن أنه حان الوقت .. لأروي لك قصتي انا أيضا .." قال فراي ، متلاعبا بأصابعه بعدما حضي باهتمام و انتباه آبراهام الكامل ..

"إنها قصة مأساوية ، مثيرة للشفقة .. و سوداء إذا ما صح هذا الوصف ."

"هل انت متأكد يا فراي ؟ انا أستطيع انتظارك مهما اخذت من وقت كما تعلم ." قال آبراهام ، بعدما لم يتوقع ان يخبره فراي باسراره بهذه السرعة .

لكن فراي هز رأسه .

"لا بأس ، فانا مدين لك بهذا القدر على الاقل .. كما اننا سننخرط بالمعركة الاخيرة قريبا و لن يتاح لنا الوقت حينها للحديث عن أي شيء ."

بتلك اللحظة .. فراي حسم قراره و أخبر والده كل شيء .

القصة اخذت ساعات .. و ساعات الى ان طلعت شمس الصباح فوق رؤوسهم .

فراي لم يترك تفصيلة الا و اخبر والده عنها ، سواءا مهام النظام النهائية ، علاقته بنايملس و كيف ان هذا الأخير اصبح جزءا منه .. وصولا الى ارتباطه الغريب بملك الشياطين ، و كتبة التاريخ .. و العالم الآخر الذي لا يفقه عنه شيئا .

تعابير وجه آبراهام كانت تتغير من حين لآخر بين دهشة و صدمة و مفاجأة كرد فعل على الجنون الذي رواه له فراي ..

لكنه لم يقاطعه قط ، و تركه يروي كل شيء حتى النهاية .

نهاية اخذ بلوغها الليل باكمله ..

في البداية .. آبراهام لم يقل شيئا ، لكنه سرعانما ابدى ردة فعله الاولى ..

"هذا .. مأساوي حقا .. بني ، لقد عانيت كثيرا .."

بدا آبراهام حزينا حقا من بعد معرفته لما قاساه ابنه .. الابن الذي علق بمصير قوي قاده للتورط مع كيانات خارقة تفوق منطق البشر و استطاعتهم ..

بسماع كلمات والده ، ضحك فراي دون وعي .

"لا بأس يا ابي ، فانا إعتدت بالفعل ." قال فراي ، بينما تعمق حزن ابراهام أكثر من بعد هذه الكلمات .

فأن يصل الامر بابنه لدرجة الاعتياد على هذا الجحيم .. هذا لم يكن سوى دليل على حجم ما قاساه طيلة هذه السنين .. عذاب من نوع آخر عن الذي عاشه آبراهام .

هذا الأخير تمالك نفسه سريعا ، بينما بدأ يشغل عقله محللا ما سمعه من فراي ..

"إذا .. حتى انت تجهل ماهيتك الحقيقية .."

كرد ، أومأ فراي .

"لا ذكريات لي عن أي من الهراء الذي يحدث معي .. كتبة التاريخ و تلك الوجوه الغريبة .." فراي هنا كان يتحدث عن اودري ، و ذلك الفتى الغريب المسؤول عن النظام .

هو لم يتعرف عليهم ، لكن لسبب ما .. هو شعر و كأنه يعرفهم من قبل .

خصوصا ذلك الفتى صاحب الشعر الاشقر ..

فراي لم يفهم ، هل عاش نوعا ما من الحياة الاخرى قبل تناسخه ؟ ام انه جزء من كيان آخر اكبر بكثير ؟

كلما فكر بالامر ، كلما ضاع أكثر .

اما آبراهام ، فما شغل باله لم يكن اصل فراي بالضبط .

بل شيء آخر ..

"قلت أن نايملس .. موجود بداخلك الآن و هو على علاقة جيدة معك اليس كذلك ؟"

كرد ، أومأ فراي .

"حتى الآن .. نعم ."

بسماع هذا ، تحول آبراهام للجدية .

"إذا .. هل يمكنك التبادل معه لبعض الوقت ؟ هناك ما أود الحديث معه عنه .."

كرد على طلب والده ، تردد فراي لوهلة ..

"نايملس يساعدني من حين لآخر ، لكنه يرفض الاستحواذ على جسدي تماما خوفا من أن تتفشى مشاعري و ذاتي به أكثر مما هي عليه الآن .. لذلك لا اعلم ما إذا أستطيع تنفيذ طلبك هذا .."

رد فراي كان صادقا ، لكنه سرعانما سمع صوتا معينا داخل رأسه .

"لا بأس ، فالتلبي طلبه ." جاء صوت نايملس ، مبددا كلمات فراي الاخيرة .

واقفا امامه ببحرية الدم داخل عقله ، استغرب فراي من قرار نايملس .

"هل أنت واثق من هذا ؟ ظننتك لا تريد اخذ جسدي مجددا .. "

كرد ، أومأ نايملس .

"ولازلت لا انوي القيام بذلك ، لكن .. لا علاقة لمشاعرك بالامر ."

قال نايملس ، بينما اضاءت اعينه بوهج بنفسجي من خلف القناع.

"مشاعرك و كل شيء يخصك قد أصبح جزءا مني بالفعل لذلك لا معنى من رفضك أكثر .. كل ما في الامر ، هو أنني لا أريد أن أسلبك جسدك ، فهو ملك لك .."

"اريد فقط .. ان أرى الى أين ستصل بالضبط متبعا هذا المسار القاسي الذي اخترته لنفسك ."

قال نايملس ، ملتفتا ناحية المسار الذي حفره فراي بنفسه وسط بحر الدم ..

هذا الأخير كان متفاجئا من موقف نايملس ، بحيث انه لم يتوقع هذا اطلاقا .

كرد ، هو لم يملك شيئا ، سوى كلمات الشكر و الامتنان .

"شكرا لك .. فانت لا تعني كم حجم العبئ الذي ازحته عن صدري بكلماتك هذه ."

كرد على امتنان فراي ، نايملس هز رأسه .

"لا يوجد ما تشكرني عليه .. فنحن لا ندري ما يخفيه المستقبل .. فما انا سوى جزء فارغ من شخصي الحقيقي .. من يدري ؟ لربما ينقلب موقفي هذا تماما عندما تحصل على قطع الذات الاخرى ، و تعود شخصيتي الحقيقية لي .."

نايملس اشار لامر مهم جدا .

فهو الحالي ليس سوى نتيجة للذكريات المخزنة بالقناع .. أي ان كيانه ناقص و غير كامل .

بمجرد عودة الحقيقي .. لا احد يعلم ما قد يحدث .

لكن ذلك لم يغير موقف فراي قط .

"يمكننا القلق حيال ذلك عندما يحين الوقت .. اما الآن ، فلا يوجد سوانا انا و انت ." قال فراي بابتسامة ، بينما سكت نايملس لبرهة قبل ان يومئ .

"نعم .. فقط انا و انت ."

بتلك اللحظة ، اغمض الاثنان اعينهما .. و تغير حضور و هالة فراي بالكامل بالعالم الحقيقي .. ما جعل آبراهام يقفز من مكانه و الحذر بادي عليه .

من جهة أخرى ، اصبحت تعابير وجه فراي أكثر برودا و نضجا بشكل واضح .. و حتى وجوده قد اصبح اثقل بكثير .

"لا داعي للذعر .. يا آبراهام ستارلايت .." قال نايملس ، محاولا التخفيف من قلق آبراهام .

هذا الاخير اخذ بضعة ثواني من التحديق الصامت ، قبل ان يعود لمكانه .

"هل أنت هو .. نايملس ؟"

كإجابة ، أومأ هذا الأخير .

"اجل .. هذا هو الاسم الذي يناديني به الآخرون ."

بسماع هذا ، استعاد آبراهام هدوءه بالتدريج .

"إذا هو مجرد لقب اطلق عليك .. في هذه الحالة ، ما هو إسمك الحقيقي ؟"

سأل آبراهام بفضول ، بينما هز نايملس رأسه نافيا .

"لا اعلم ، فلا اسم لي ."

نايملس جاء من كرات .. و هو كوكب لا يملك مفهوم الاسماء .. فالمخلوقات هناك يرمز لها بسلسلة من الارقام و كأنهم نوع من الآلات ..

"فهمت .." قال آبراهام ، مفكرا بعمق قبل قول كلماته التالية .

"اخبرني .. يا نايملس ، أنت هو الناجي الوحيد من بين ابناء جنسك اليس كذلك ؟"

أومأ نايملس .

"هذا صحيح ."

آبراهام قرر الحفر بالامر .

"كيف حدث ذلك بالضبط ؟"

"كنت اعلم ان الشياطين سيغزوننا .. و حاولت تحذير بني جنسي مسبقا لكنهم لم يستمعوا .. فنجوت بمفردي ."

"كيف علمت ان الشياطين ستهاجم ؟ هل تستطيع رؤية المستقبل ؟"

اجاب نايملس فورا :

"هذا صحيح ، لدي قدرة بصرية تتيح لي رؤية معظم مسارات المستقبل ، اشبه باحتمالات كثيرة لكنها جميعها كانت تقود لغزو الشياطين .. فراي يملك هذه القدرة حاليا لكنه لا يزال غير قادر على استخدامها باقصى امكانياتها ."

نايملس كان يتحدث عن الڤويد .

آبراهام من جهة اخرى ضيق اعينه و كأنه قد توصل لشيء ما .

"هذه قدرة كاسرة لحدود العالم .. قانون الحتمية ، من أين حصلت على هذه القدرة ؟ هل ابتكرتها بنفسك ؟"

كرد ، هز نايملس رأسه نافيا .

"لا ، بل ولدت بها ."

بسماع هذا .. امسك آبراهام ذقنه بعدما بدأت شكوكه تتحول لواقع ..

"دعني أسألك هذا للتأكد .. أنت لا تتذكر السبب الذي جعلك تسعى وراء كسر قانون الحياة و الموت .. هل انا محق ؟"

أومأ نايملس .

"اجل ، فذكرياتي الحالية محدودة بما يتواجد داخل القناع ."

"اثناء رحلتك ، كنت تدرس كل المخلوقات الحية في سبيل فهم كيف تعمل الحياة ، و كيف يعمل الموت .. لدرجة انك كنت مهووسا بهم إذا ما صح التعبير ." ما قاله آبراهام جاء استنادا على ما رواه فراي له و كيف وصف الامر .

نايملس لم ينفي هذا .

"يمكنك قول ذلك ، فقد امضيت معظم حياتي اسعى وراء مفهوم الحياة و الموت ."

"أنت لا تعلم السبب الذي دفعك لهذا المسار اليس كذلك ؟" سأل آبراهام مرة أخرى ، بينما اكد نايملس على الامر .

تاليا .. آبراهام بقي ساكتا لبعض الوقت ، يفكر بما سمعه .

آبراهام كان ذكيا ، و فطنا جدا .. و سرعانما ربط كل شيء بالفعل ..

"مالذي توصلت اليه .. يا آبراهام ستارلايت ؟"

سأل نايملس و نظرة باردة تعلو وجهه ، ازاء البشري الماثل امامه .

آبراهام واجهه بدوره ، عارضا افكاره .

"ما سأقوله الآن .. هي افكاري الخاصة التي تحتمل الصواب ، و تحتمل الخطأ .. " قال آبراهام بملامح حادة تلعو محياه .

"فالتقل ما لديك ." اشار نايملس له بالكلام ، ما جعله يعرض افكاره كاملةً .

"اولا ، و انا واثق من انك تدرك الامر .. لكن القدرات الكاسرة لحدود العالم لا تأتي من العدم ، هي اما تورث ، أو تمنح .. او يتم اختراعها من الصفر ."

"قدرتك على رؤية المستقبل .. هي لم تكن ملكا لاحد اسلافك مما فهمت ، و لم تمنح لك من أي كيان آخر و نسبة ذلك ضئيلة جدا .. كما انك لم تخترعها بنفسك . "

كلام آبراهام كان مبنيا على افتراضاته الخاصة ، فحتى احتمال ان تكون القدرة ممنوحة له من قبل كيان آخر تعتبر شبه معدومة ، لان نايملس كان سيكتشف الامر لاحقا بعدما اصبحت قوته تتجاوز نطاق الفهم .

كان سيتمكن من تتبع من اعطاه القدرة لو كان هذا هو الحال .

"بكل وضوح .. كل الاحتمالات الممكنة قد تم اسقاطها بحالتك . ما يعني ان شيئا ما خاطئ ، و تفصيل مهم مفقود ."

آبراهام واصل الحديث .

"ثم هنالك هوسك المبالغ به حيال قانون الحياة و الموت .. و كأنك تحاول الوصول لأصله و فهمه بالكامل .. و عند تحقيق ذلك ، انت كنت تعتقد انك ستحقق هدفك ، و ايا كان السبب الذي جعلك تدخل هذا المسار منذ البداية ."

"دورة الحياة و الموت .. هي تتعلق بالولادة ، الخلق .. و كل ما هو حي .. بحثك بهذا المجال يعني انك كنت تمتلك أسئلة دون اجابة حول هذه المواضيع .. "

مع كل كلمة يقولها آبراهام .. كانت اعين نايملس تتغير شيئا فشيئا ، و كأنه قد فكر بالامر نفسه بدوره ..

"لربما كنت تتساءل وقتها .. لماذا تمتلك القدرة على رؤية المستقبل ؟ لماذا انت مختلف عن بقية ابناء جنسك ؟ لماذا لديك امكانيات و مواهب تفوقهم جميعا ؟ "

"لماذا .. ولدت بهذه الطريقة ؟"

لوهلة .. عم الصمت بين آبراهام و نايملس ، بينما كان فراي يستمع محاولا فهم ما يريد والده الوصول اليه .

هذا الأخير ، كان قريبا جدا من الحقيقة.

"السبب الذي جعلك تسعى لفهم الحياة و الموت .. و الذي يفسر كل شيء .."

"هو ببساطة .. لانك مثلنا ."

قال آبراهام ، معلنا بصريح العبارة .

"انت .. متناسخ ."

تردد صدى الكلمة الأخيرة ، بينما غمرت الدهشة فراي .

اما نايملس ، فلم تتغير ملامح وجهه قط .

"برؤية ردة فعلك هذه .. افترض انك فكرت بالامر ذاته بنفسك .."

نايملس .. لم ينكر .

"بالفعل .. ذلك سيفسر الكثير .."

سبب ولادته بقدرة تتيح له رؤية المستقبل ، هو ببساطة لانه كان يملكها بحياته السابقة ..

هو حاول فهم الحياة و الموت .. لانه كان يحاول معرفة ما كان عليه قبل تناسخه .. و السبب هو ..

"انت نسيت ذكرياتك ، بل فقدتها .. الذكريات حول هويتك قبل ان تكون نايملس .."

نايملس لا يحتفظ بذكرياته عن حياته السابقة ، و هذا ما جعله يحاول فهم آلية عمل التناسخ ..

ليعرف ما حدث له بالماضي .. من كان بالضبط ، و كيف مات ..

"أنت حاد جدا .. يا آبراهام ستارلايت ." قال نايملس ، معترفا بذكاء البشري الماثل امامه .

"افكارك مقاربة جدا لما خمنته بدوري من الذكريات التي املكها .. كما قلت تماما ، نسبة كوني متناسخا عالية جدا .. "

"لا اعلم لماذا فقدت ذكرياتي ازاء ذاتي الحقيقية قبل ان اكون جزءا من كرات .. لكن ما أعرفه ، هو ان الامر جعلني مهووسا لدرجة ارتكاب مجازر لا تعد و لا تحصى ." قال نايملس ، مؤكدا ان آبراهام يملك طريقة تفكير صحيحة .

"انا متأكد من أنني اكتشفت شيئا ما لاحقا اثناء رحلتي .. لكن ذاتي الحالية ناقصة و تفتقر للكثير من الذكريات المهمة .. لذلك اجهل ما اكتشفته بالضبط ."

"لكن لا شك بذلك ."

قال نايملس ، و تعبير ذو مغزى مرسوم على وجهه ..

"انا .. كنت متناسخا .. شخص خاض حياةً أخرى قبل أن يعرفه العالم باسم نايملس ."

2026/02/06 · 381 مشاهدة · 3273 كلمة
نادي الروايات - 2026