مرت الايام سريعا ، و عندما يعيش الناس بزمن الحروب يفقدون احساسهم بالوقت .

كل شيء حدث بسرعة شديدة ، و كان الجميع يقتبرون من النهاية تدريجيا .

إذا ما كان هنالك من كلمة مناسبة لوصف ما عاشه البشر حاليا ، فستكون التوتر .

فجميعهم قد شعروا بذلك ، شعروا بان المعركة القادمة .. ستكون الاخيرة .

آخر معركة هنا فوق كوكب الارض ، المعركة التي ستحسم مصيرهم .

البشر لم يكونوا قريبين يوما من الانتصار كما هم الآن .

كل ما عليهم فعله ، هو قهر قوات الشياطين بقيادة مضيف الكابوس آمون و بقايا الالتراس المرافقين له .

معنويات جانب طائفة الظلال كانت افضل بكثير حاليا من اعدائهم بعد الانتصار العظيم الذي حققه فراي ضد ثاناتوس .

وجوده بصفهم لوحده اعطاهم دفعة من الامل و القوة لمواصلة المضي قدما ... مهما كان البعض منهم ضعيفا .

الجنود تدربوا بجد ، و استعدوا للقتال حتى الموت .

كانوا على دراية بان دورهم محدود جدا ، فالمعركة القادمة ستحسم من خلال محاربي الفئة SSS لا هم ..

فجندي واحد عادي سيموت من الضرر اللاحق لوحده الصادر من قتال اولئك الوحوش .

لكن الجنود المتبقين من جانب الإمبراطورية قد امتلكوا من العزيمة للمشاركة رغم ذلك ..

بعضهم اراد الانتقام ، البعض الآخر اراد ان يساهم و لو بقتل جندي من الجانب الآخر و منح نفسه شعورا بالانجاز .

و البعض كانوا مهووسين باسم فراي لدرجة انهم استعدوا لاتباعه نحو الجحيم لو تطلب الامر .

طلاب المعبد القدماء كانوا نشطين ايضا ، و قد تفاعل معهم البطل الآخر بجانب فراي .. سنو ليونهارت كثيرا .

هذا الأخير كان حاضرا دوما بالواجهة ، على عكس نسخته المظلمة الذي بات يفضل الظلال .

منذ الحرب الاخيرة ضد ويسكر و الالتراس .. فراي لم يظهر وجهه امام رفاقه القدماء و لو مرة واحدة .

جميعهم كانوا يتساءلون احيانا ، اين هو ؟ و مالذي يفعله ؟

لم يعد احد يستطيع توقعه ، فهو بات يلعب على مستوى اعلى بكثير ... و كأنه شخص آخر تماما .

من بعد المعركة ضد ثاناتوس ، فراي ابتعد عن القيادة بشكل كامل تاركا اياها لجيرمان و بقية ابطال البشر .

هو عامل نفسه كسلاح حرب ، و فضل العمل منفردا قدر الامكان ..

ثم باحد الأيام ، كان الليل سائدا بينما هدأت طائفة الظلال بذلك الوقت المتأخر .

فراي ظهر حينها باحد زوايا الطائفة المظلمة ، يتجول بين مبانيها واضعا يديه داخل جيوب معطفه الأسود الطويل.

ملابس اخفت بشرته و جسده بالكامل ، حتى انه ارتدى قفازات جلدية سوداء لاخفائها .

كل ما برز هو وجهه الشاحب ، و شعره الذي بات الآن يميل للرمادي .

اعينه المظلمة ازدادت قتامة ، و كان هنالك اثر للهالات السوداء من تحت اعينه .

وجهه لم يعكس اي مشاعر ، و بدا ثابتا تماما باردا تماما .

هو تمشى لبعض الوقت ، الى ان بلغ احد المباني المميزة فدخل دون تردد .

بمجرد عبوره للباب ، اتضح ان المبنى يقود لمكان اعمق تواجد تحت الأرض عبر درج طويل ..

مكان مخفي وسط الظلمات .

بينما نزل الدرج ، ظهرت ابتسامة طفيفة على وجه فراي .

"يختبئ بين ثنايا الظلال ، يناسبه تماما ."

هو شق طريقه للاسفل ، الا ان بلغ بابا حجريا اسود اللون ، يجلس بجانبه رجل طويل القامة غريب الشكل .. و يقف امامه تمثال غاضب الوجه بجسد مظلم عملاق .

الجالس رفع راسه ببطء ناحية فراي ، يحدق به باعينه الزجاجية تلك .

ثم سرعانما احنى راسه له قليلا .

"مرحبا بك سيدي ، اعذرني فلم اتوقع حضورك ." قال ادير ، الرابع داخل طائفة الظلال مظهرا احتراما عميقا لفراي ، هذا الأخير ابتسم ساخرا برؤية ذلك .

"ارفع راسك فانا لست سيدك ، احترامك هذا سيضيع فحسب على امثالي ."

"حتى و لو كنت وعاءا يا فراي ستارلايت ، فذلك لا يغير من حقيقة انك كل ما تبقى من سيدنا ... فلا تنزعج رجاءا من موقفنا تجاهك ." رد أدير ، متمسكا بموقفه ما جعل فراي يحترم رغبته .

"افعل ما تشاء ، فهذا خيارك ." هو قال قبل ان يوجه انتباهه للبوابة .

"كيف حاله ؟" موجها سؤاله لادير ، فراي ابدى بعض الاهتمام .

ادير اجابه فورا مديرا راسه ناحية البوابة بدوره .

"انه يبلي جيدا ، لكنني لا اعلم ما إذا سيكون جاهزا للمعركة القادمة بغض النظر عن سرعة تطوره ."

"لا بأس لو لم يكن جاهزا ، فهو ليس مضطرا للقتال ." قال فراي بهدء قبل ان يضيف بصوت خافت .

"لا أريد ان اضطر لاستغلاله هو أيضا .."

ضيق فراي اعينه قليلا ، يحدق بالمساحة امامه راسما تعابير تعكس فراغا غريبا .

ادير اخذ ينظر اليه بدوره لبعض الوقت ، قبل ان يفتح فمه قائلا :

"قد يعاملك البعض على انك مجرد وعاء ، لكنك اصبحت تملك اعينه نفسها كما تعلم .."

فراي ضحك بخفة ازاء سماع ذلك .

"هذا يعني انني بدأت اتحول لشخص متبلد المشاعر اشبه بالآلة. " هو قال قبل ان يتقدم نحو البوابة فاتحا إياها.

"و لا اظن انني افضل مصيرا كهذا ."

هو دخل من بعد ذلك ، غير مهتم باخذ موافقة ادير و آنغري اللذان حرسا الباب .

لكنهما لم يمنعاه ، و حتى لو ارادا منعه فلم يكونا ليقدرا نظرا لفرق القوة بينهم .

من بعد دخول فراي ، رفع ادير ذراعه الطويلة محدقا بها.

وعاؤه كان بحالة هي الاسوء على الاطلاق من بعد قتاله لويسكر ، لدرجة انه لن يستطيع القتال مجددا الى ان يتم اصلاح وعائه .

الوحيد الذي كان بحالة مقاربة له هو جيرمان الذي ضغط كثيرا على نفسه بالمعركة الأخيرة.

طائفة الظلال كانت تفتقدهما بالمعركة القادمة ما افقدها قوة قتالية كبيرة .. فالوحيد الذي يحافظ على قواه الكاملة هو فولغور فقط ، لان هذا الأخير لم يمت قط و يحافظ على جسده الأساسي .. احد القلة الذين اتبعوا نايملس طواعية دون ان يقوم باحيائهم .

المعركة القادمة ستعتمد على عدد محدود من المحاربين النخبة ، و لعل اهمهم هو فراي الذي سيتم وضعه على الاغلب بقتال مباشر ضد الاقوى من الجانب الآخر .

"ستكون معركة صعبة .." قال ادير ماحدثا نفسه ، بينما ظل انغري صامتا كعادته .

كلاهما يترقب الصراع القادم بتوتر و قلق بالغ .

فراي من جهة أخرى دخل الى الداخل ، فتم الكشف عن مساحة واسعة فارغة امامه ..

منطقة كاملة تحت الأرض ، تكسوها بعض الورود الزرقاء اللامعة و الأخرى الحمراء القرمزية .

كان مكانا غريبا و عجيبا جعله يتفاجئ لوهلة ، متسائلا عن كيف يمكن لهكذا زهور ان تنبت تحت الأرض .

لكن انتباهه تغير سريعا ناحية الشخص الجالس بعيدا بمنتصف المكان .

كان شابا يبدو بمثل عمره ، اسود الشعر .. و نحيل نوعا ما مقارنة بفراي .

شخص لم يراه منذ بعض الوقت ..

فراي تقدم ناحيته بهدوء ، هو كان جالسا معطيا اياه ظهره ..

"غريب .. انت هنا لكنني لا أشعر بوجودك مطلقا .." متحدثا بنبرته الباردة ، استدار غوست قليلا ناحية فراي .

"انا الآخر اعجز عن الشعور بهالتك .." رد فراي ، ما جعل غوست يحدق به لثانية قبل ان يدير راسه من جديد .

"انت تكذب ، لقد شعرت بوجودي هنا منذ البداية ... والا كيف وجدت هذا المكان ؟ فادير لم يخبر احدا ."

فراي تنهد قليلا بعدما تم كشف كذبته .

"اظن انني لا أستطيع الكذب عليك ." هو قال ، قبل ان يقترب و يقف بجانبه.

"لكنني قلت الحقيقة نوعا ما ، فانا لم اشعر بهالتك حقا ... كل ما في الامر انني املك اعينا مميزة ترى كل شيء ."

فراي كان جادا بكلامه ، فهو لم يكن ليجد المكان لولا اعين الڤويد التي تكشف له عن كل ما هو مخفي حتى و لو اختبأ بالظلال .

المغتال ڤيكس بنفسه لم يستطع اخفاء نفسه عنه ، مقارنة به .. غوست لم يملك الفرصة .

لكن هذا الاخير تطور كثيرا ، ففراي علم بنظرة واحدة ان قوة صديقه المغتال قد ازدادت .

ما اثبت ان تدريبات ادير له منذ الحرب الأخيرة لم تذهب سدى .. رغم انه لم يكن جاهزا للقتال على المستوى الاعلى بعد .

بعد تحليله لبضع ثوان ، ادار فراي راسه للشيء الذي جلس غوست امامه طوال الوقت .

فإذا به يتفاجأ قليلا.

"هل هذه ... قبور ؟" هو سأل ، فأومأ غوست للاجابة .

"اجل .. هي كذلك "

ما تواجد امامه ، كان قبران اثنان .

واحد لرجل ، و آخر لإمرأة .

"مسيت اومبرا ، و ... شارلوت ؟" سأل فراي مستغربا قليلا من الإسم . فاجابه غوست.

"انها والدتي ."

عم الصمت لبرهة بعد ذلك .

فراي كان على دراية بموت ميست اومبرا والد غوست بالحرب الاخيرة ..

مات بالظلال لدرجة انه لم يستطع احد ايجاد جثته حتى ، ما يعني ان القبر امامه الآن كان فارغا على الارجح .

و على ما يبدو ، والدة غوست هي الأخرى فقدت حياتها .

فراي تذكرها بوضوح ، بذلك اليوم عندما رأى غوست يترك المال امام بابها دون ان يتمكن من لقائها .

و قد ماتت قبل ان يفعل .

"هل ماتت .. من المعركة الأخيرة ؟" سأل فراي بتردد ، فهز غوست راسه .

"لا تقلق ، فهي لم تمت بسببك .. بل ماتت قبل ذلك بوقت طويل اثناء عمليات التطهير التي قامت بها الكنيسة ."

فراي خشي ان تكون قد علقت بالدمار الذي تسببت به معاركه التي خاضها مؤخرا . لكن غوست نفى ذلك فورا .

"انه لامر غريب .. ميست اومبرا كان مغتالا بارد القلب ، تخلى عن زوجته لمجرد ان انجبت له الطفل الموهوب الذي اراده. "

"هو لم يقترب منها و لو مرة من بعد انجابها لي ، لكن ها هي قبورهما تجاور بعضها البعض ."

ابتسم غوست قليلاً .

"لم تجمعهما الحياة ، فجمعهما الموت ."

مستمعا لما قاله غوست بعد وقت طويل ، فراي لم يعلم ما وجب عليه قوله له .

غوست فقد عائلته كلها ، و لم يعرف إذا ما كان هنالك من شيء لا يزال يستحق القتال بالنسبة له .

"هذا العالم لا يعترف سوى بالقوة ولا شيء سواها .. القوي يعيش ، بينما يموت الضعيف دون دراية احد ." قال فراي ، بينما وضع يده على كتف غوست لثانية ، قبل ان يبعدها .

"هذا هو نوع العالم الذي نعيش فيه ."

"اظنك على حق ." رد غوست ، قبل ان يصمت كلاهما مجددا يتمعنان بالمكان من حولهما .

و سرعانما تكلم فراي مجددا ، سائلا :

"سمعت انك طلبت من ادير ان يدربك على اسلوبه الكامل .. افهم من هذا انك لا تزال تملك سببا للقتال ."

غوست اومأ قليلا .

"اظنني افعل. "

"هل تمانع سؤالي ، حول هذا السبب ؟"

غوست اظهر ابتسامة طفيفة ازاء هذا السؤال .

"لا اعلم ما إذا يمكن اعتبار هذا سببا حقيقيا للقتال بالمقام الاول .." هو قال ، محدقا ببرود ناحية القبر امامه ..

"كل ما في الامر ، هو انني ولدت لاكون مغتالا منذ ايامي الاولى .. كان مقدرا لي ان اكون قاتلا فهذا كل ما اجيده ."

"لا اعلم ما هي العائلة ، و اصدقائي المتبقون كلهم وحوش .." هو ضحك بعد قول ذلك .

"اظن انه من الطبيعي ان اتحول لوحش بدوري .. ولا مكان لمغتال مثلي سوى ساحة المعركة .."

"اتنوي مواصلة القتال ، الى ان تموت يوما ما و انت تقاتل ؟" رد فراي ، بعدما اكتشف نوايا غوست .

هذا الاخير ينوي مواصلة المضي كمغتال ، لان هذا هو الشيء الطبيعي لفعله .

امثاله لم يعودوا يستطيعون العيش بعيدا عن ساحة المعركة ، و بعد موت الكثيرين من حوله .. غوست تأكد من ذلك ما جعله يومئ لفراي .

"اظنه سببا تافها نوعا ما مقارنة بتلك الاهداف النبيلة التي يملكها الآخرون ." قال غوست ، بينما ابتسم فراي نافيا ذلك .

"لا ، فهذا اكثر من كاف .. و اظنه يناسبك تماما ."

هو جلس بعدها بجانبه ، امام القبرين امامهما .

"المغتال اشبه بالاداة ، و الاداة لا يجب ان تتحرك من تلقاء نفسها ... لذلك ، إذا كنت تريد القتال من الآن فصاعدا ، فدعني اختار ساحة المعركة من اجلك ." قال فراي بجدية ، ما جعل غوست يضحك بصوت عالٍ .

"أتنوي استغلالي إذا ؟"

فراي لم ينكر .

"هذا صحيح ، فذلك افضل أن تموت بمكان بعيد دون علمي ."

"اظن مصيري قد ارتبط بك منذ وقت طويل ، لذا .. اعتقد انني لا أستطيع رفضك ."

"اجل ، انت لا تستطيع ." قال فراي بينما جلس الاثنان بصمت بعدها دون قول كلمة إضافية .

كلاهما حدقا بالقبرين امامهما ، يتساءلان ..

هل لربما سينتهي بهما الامر .. داخل قبور مشابهة .

قبور تحت الأرض لا يعلم احد عن مكانها .

لكن سرعانما نفى كلاهما هذا الافتراض ، مدركين انه لن يكون هنالك من يدفنهما على الارجح بنهاية رحلتهما ..

بينما جلس الاثنان بصمت تحت الأرض ..

كان سنو موجودا بالاعلى ، يراقب طائفة الظلال من بعيد من اعلى احد المباني الاطول ..

اعينه الذهبية توهجت قليلا ، بينما حدق بالفراغ .

ثم ببطء ، تشكلت نصف ابتسامة على وجهه ..

"هذا ليس عادلا .. تجتمعون هكذا بدوني .."

هو تنهد طويلا ، قبل ان يختفي ببطء تاركا مكانه فارغا ... و موحشا .

2026/03/16 · 340 مشاهدة · 2072 كلمة
نادي الروايات - 2026