لوندور ... الكوكب الذي ماتت فيه الحياة و لم يتبقى سوى الموت و الخراب .

بقايا لتاريخ قديم ، و حضارة عظيمة رسخت مكانها لسنين طويلة جدا بين ابرز القوى المهيمنة بالعالم اجمع .

اليوم ، هي تحولت لمقبرة .

مقبرة قُدر لها ان تحتضن الحدث النهائي لمؤامرة استمرت آلاف السنين .

جيرمان كان اول الواصلين ، و أول من وطٱت اقدامه الكوكب القديم المهجور . لكن سرعانما جاء مطاردوه ملاحقين إياه و ملتصقين به كالظلال .

جاء ماسكيث أولا ، ثم ويسكر بجسد ڤاين من بعده و ڤيكس أخيرا من بعدهم .

الوضع لم يكن مواتيا لجيرمان ، فثلاثتهم جميعا قد كانوا اقوى منه بوضوح نظرا لحالته الحالية .

لكن ازرق العينين لم يكبد نفسه عناء النظر اليهم من الأساس ، بل انطلق فورا باقصى سرعته قاطعا مسافةً خيالية بلمح البصر .

رغم ضعفه و وهن جسده ، الى المهندس لا يزال سريعا جدا بما فيه الكفاية ليجعل اولئك الثلاثة يواجهون صعوبة بمطاردته .

لوندور كان كوكبا عملاقا ، اكبر من الأرض بعدة مرات و اضعاف ما جعل اكتشاف كل خباياه امرا مستحيلا رغم قدوم العديد من الاجناس اليه لسنين طويلة ، مثل لورد المقابر صاحب المقعد السادس الذي امضى وقتا طويلا يتجول فيه .

لكنه فشل رغم ذلك باكتشاف ما خبأه هذا الكوكب ، ظنا منه ان اراضي التاج المحمية بالحواجز هي السر الوحيد .

مطاردين اياه ، ابدى كل من ماسكيث و ويسكر بعض العبوس . مفكرين بالشيء ذاته.

'مالذي يحاول فعله ؟ الى اين يهرب ؟'

حاملا جسد ملكه المحطم ، مالذي امل جيرمان ان يحققه ؟

بعد مجابهة ملك الشياطين ، و قتل هذا الاخير لكل البشر فوق الارض ، بل و هزيمته لكل من فراي و نايملس أيضا ...

كيف لا يزال قادرا على مواصلة المضي هكذا ؟

فما قام به ملك الشياطين هناك هو التعريف الحقيقي لمعنى اليأس ، فما من عاقل يستطيع تخيل سيناريو يهزم به ذلك الوحش .

لكن جيرمان لم يفقد الامل ، ما اثبت انه خبأ شيئا ما فهو لم يكن بالشخص الغبي و لا الذي يتعلق بآمال مزيفة .

جميع مطارديه فهموا هذا جيدا ، ما جعلهم يهاجمونه بوحشية .

الظلال زحفت فوق الأرض كالافاعي ، مجسات حطمت الجبال و العضاب ، محاولةً ابتلاع جيرمان كاملا .

ڤيكس هو الآخر زحف بين الظلمات مقلصا المسافة و ملطقا العديد من الشفرات القاتلة ، كل واحدة منها تهدف لانهاء حياة ازرق العينين .

راشقين اياه بوابل من الهجمات و الضربات المرعبة ، جيرمان وجد نفسه يدفع بكل ما لديه فقط ليتفاداها ، و ليحمي جسد فراي منها .

وعاءه المسكور تكبد المزيد من الضرر ، لكنه واصل المضي قدما رغم ذلك .

لعل الوحيد الذي تحفظ كان ماسكيث...

العجوز الغريب اكتفى بالمراقبة و المطاردة عن قرب ، اعينه تحمل فضولا حقيقيا حول ما حاول ذلك المهندس العربي تحقيقه .

"لا مهرب يا جيرمان! فبهروبك انت تؤجل المحتوم ليس الا !" صاح ويسكر بصوت ڤاين ، مشكلا رمحا مرعبا من الظلال .

"استدر و قاتل ، و واجه النهاية التي لطالما هربت منها ."

ويسكر اطلق رمحه ، مستهدفا ظهر جيرمان بدقة مرعبة ، و من تلك المسافة ... الرمح لن يخطئ هدفه بغض النظر عن سرعة هروب هدفه .

مدركا بأن كارثة مظلمة على وشك ضرب ظهره ، استدار جيرمان قليلا ملقيا بنظرة على الرمح ، و على أولئك الثلاثة الذين طاردوه من خلفه .

وجهه لم يبدي اي خوف ، ولا اي اضطراب ، بل بدا هادئا و كأن حياته لم تكن مهددةً من الأساس.

"لست مضطرا للقتال ، فنحن دخلنا منطقته بالفعل ."

تردد صدى كلمات جيرمان التي لم يفهمها احد بالبداية ، ولم يحضوا بالفرصة للتفكير حتى ...

بمجرد قول جيرمان لما لديه ، فإذا بقذيفة من اورا رمادية عجيبة قاتمة تضرب من العدم مفجرةً الرمح بالكامل و مجنبةً جيرمان الاذى .

برؤية تدفق الاورا المرعب ذاك ، استدار المطاردون الثلاثة نحو مصدر الهجوم لكنه لم يلمحوا شيئا قط ، لانه كان بعيدا جدا عنهم .

رغم المسافة المرعبة ، الا ان مطلق تلك القذيفة قد استطاع ضرب رمح ويسكر بدقة لا متناهية ..

جيرمان اندفع فورا بالاتجاه الذي جاء منه الهجوم .

ماسكيث و ويسكر امتلكا اقوى القدرات البصرية بين الحاضرين ، لذلك حاول كلاهما معرفة ما تواجد بالاتجاه الذي هدف اليه جيرمان .

لكنها لم يريا شيئا ، لا شيء على الاطلاق . مجرد أرض فارغة قاحلة ميتة لا شيء فيها .

أو هذا ما صُور لهم بالبداية ، فما هي سوى ثوان معدودة قبل ان يحدث ما فاجأهم جميعا ، و يتمزق نسيج الواقع نفسه كاشفا عن ما تم اخفاؤه بتلك الأرض الفارغة .

أمام اعينهم التي توسعت من المفاجأة ، ظهر مبنى عملاق شديد الطول مبني من معدن اسود ، طوب من نفس اللون .

لم تكن قلعة ، بل اشبه بضريح قديم ... مقبرة مبهرجة اعطت احساسا بالغموض و الرهبة لكل من حدق بها .

ويسكر وجد نفسه مندهشا من رؤيتها تظهر من العدم امامه ، فهي لم تكن موجودةً اطلاقا قبل برهة .

"مستحيل ... لقد استخدمت عين الملك للتو ، فكيف لم اتمكن من لمحها ؟!"

حتى قدرة قوية جدا مثل عين الملك عجزت عن الرؤية من خلال الحاجز الذي اخفى ذلك المكان ، ما اعطى ثلاثتهم فكرةً عن مدى عظمة القوة التي استخدمت لاخفاء هذا الضريح العجيب .

ثلاثتهم كانوا مبهورين لوهلة ، لكنهم لم يملكوا رفاهية الانبهار لوقت طويل ، فمن فوق ذلك المبنى الشاهق ... اطل عليه رجل واحد اعتلى القمة و أطل عليهم من بعيد اعينه الحادة تطعن بكل واحد منهم .

كان غريبا ، اطاره عريض و جسده طاغ ، طوله تجاوز المترين ، و كشف على النصف العلوي من جسده بالكامل .

نصف لم تغطه سوى الضمادات سوداء اللون التي لفت باحكام من حوله . لم يكن بالمخلوق العادي ... فبشرته صنعت من معدن ... معدن اسود مرعب بني منه جسده بالكامل .

وجهه مظلم قاتم ، لا لون آخر يبديه سوى الازرق الغامق الذي اشتعل من اعينه الحادة المرعبة .

الرجل حدق بضيوفه الذين كانوا لا يزالون بعيدين جدا ، قبل ان يتخذ وضعية غريبة ساحبا قبضته للخلف .

جسده اصدر ازيزا و صريرا انذر بالخطر ، و سرعانما بدأ يشد قبضته الى أن اهتز الفراغ من حوله .

من بعيد ، حدق به الثلاثة مستغربين .

"مالذي يحاول فعله ؟"

كان بعيدا جدا عنهم ، لدرجة انهم احتاجوا بصرهم المعزز ليلقوا بلمحة ضبابية عليه ، لكنه لم يأبه بالمسافات .

جيرمان كان الوحيد الذي علم بما اوشك على الحدوث ، لذلك واصل المضي قدما بدون خوف و دون أن يلتفت للوراء . و ماهي سوى ثوان معدودة ، قبل ان يرمي الرجل المسكو بالسواد قبضته ، مفجرا قنبلة اورا زلزلت السماوات ، و حطمت الفراغ.

"ماذا ؟" هرب شهقة من افواه المطاردين ، عندما ابتلعهم ضوء ازرق عظيم انفجر بوجوههم قبل ان يحصل اي منهم على الفرصة للرد .

انفجار ذري نووي من اورا احترقت بنار هادرة متأججة لا ترحم احدا .

ڤيكس و ويسكر استخدموا ظلالهم على الفور لحماية انفسهم ، بينما سخر ماسكيث قوته لتشكيل حواجز غير مرئية من حوله .

لكن دفاعاتهم جميعا قد انهارت و بالكاد حمتهم ، بل و رمت بهم جميعا لمسافة شاهقة جدا مبعدةً اياهم عن جيرمان بالكامل .

عندما تمالك الثلاثة أنفسهم ، كانت تلك اللكمة التي رأوا ذلك الرجل يلقيها قد حفرت خندقا بحجم قارة بينهم و بينه .

هو تقدم للامام ، بينما انفجر الرعد من حوله ، و ضرب صوته العميق اعلى من اي صاعقة ..

"أخيرا ..."

خرجت هذه الكلمة ، تحمل طنا من المشاعر المتأججة و كأنه كان عالقا بانتظار ابدي .

"سنين و سنين ، لم احرك ساكنا ."

و خطى الرجل للامام خطوة بعد .

"سنين طويلة ، أمضيتها انتظر و انتظر ، انتظر عودته ."

جسده الطاغي نضج بقوة عظيمة عكسها الفولاذ الاسود القاتم الذي صنع جسده منه ..

"سنين حميت بها هذا المكان الكئيب ، سنين قضيتها لا افعل شيئا سوى التدريب ، و التدريب ، و التدريب الى ان صقلت تقنيتي الى حدودها و بلغت مهاراتي ذروتها !"

"فقط ! من اجل هذا اليوم !!"

صرخ الوحش ، ملقيا بلكمة أخرى انفجرت بوجوههم .

جيرمان رمى بنفسه جانبا ، اعينه مفتوحة على مصرعيها بعدما رأى انفجار الضوء المهول ذاك . انفجار انبعث من لكمة واحدة لا غير .

"الكسندر ... انت ، الى اي مدى زادت قوتك ؟.."

بلكمة واحدة ، كان قادرا على ابعاد دوق الجحيم ماسكيث ، المغتال ڤيكس ، و الرتبة الثالثة الاعلى من الشياطين .

"اذهب ! جيرمان !!!"

اعاد صوت ذلك الرجل الطاغي جيرمان لوعيه فورا بعدما تجمد لوهلة ، جاعلا إياه يندفع على الفور نحو الضريح القديم المظلم .

من جهة أخرى ، اندفع الثاني داخل طائفة الظلال الى ساحة المعركة آخذا على عاتقه التعامل مع ثلاثتهم دفعة واحدة .

مستجمعا قوته ، اطلق الكسندر هدير حرب مدوي فجر به طبول آذان جميع من اضطر لسماعه ، معلنا عن وجوده باقصى ما لديه .

"إسمي هو الكسندر رايباك ! رجل حضر ملكه امامه بعد سنين من الانتظار ، فكيف تتجرؤون يا ايتها المخلوقات الدنيئة على الوقوف بطريقه أمام عيني؟!!"

*بووووووووووووووووووووووووم !!!*

رمى الكسندر رايباك بلكمة اخرى ، مستببا بالمزيد و المزيد من الدمار ، قوته كانت مرعبة ، و بنيته الجسدية الحديدية جعلت الرعب يدب بقلوب كل من نظر اليه .

مخلوق عجيب غريب مصنوع من حديد مظلم كانوا يرونه بالاسلحة ، لكن تشكل امامهم اليوم على هيأة وحش هائج يدمر كل ما يقف بطريقه .

المعركة اندلعت ، و القتال بدأ بالفعل .

ويسكر كان اول من رد ، مستحضرا كما مهولا من الظلال ، ظلال تشكلت بكمية هائلة الى ان كونت طوفانا عظيما حاول من خلاله ابتلاع الكسندر بضربة واحدة .

لكن هذا الاخير رد بلكمة واحدة لا غير ، فإذا بطوفان الظلال يتبخر و كأنه لم يكن بينما تم الكشف عن جسد ڤاين بالكامل دون دفاع ..

"مستحيل ... بدد ظل الملك بلكمة واحدة فقط ؟"

اظلمت تعابير وجه ويسكر ، الذي حاول استحضار الظلال من جديد ، لكن الكسندر كان امامه بالفعل .

"بطيء جدا !"

عالم ويسكر انقلب رأسها على عقب ، و انفجرت الدماء من فمه و اعينه و انفه بعدما لكم الكسندر بطنه .

اللكمة انفجرت خلف ظهر ويسكر ، و تحطم كل ما تواجد خلفه ، اما ويسكر ...

فقد تدمر جذعه بالكامل ، و سقط النصف السفلي من جسده مرميا بجهة ، و النصف العلوي هوا من امام الكسندر الغاضب الذي ارتفع البخار الساخن من جسده المعدني ذاك .

الثاني داخل طائفة الظلال كان على وشك الضرب من جديد و تفجير ويسكر بالكامل ، الا ان ڤيكس جاء مسرعا مستغلا تشتته لكي يرمي ضربةً قاتلةً ينهيه بها .

ڤيكس كان مغتالا ، و الضربات القاتلة تخصصه ، لذلك يمكن القول بان ظله حمل قوة متفجرةً تكفي لقتل ايا كان بضربة واحدة.

لكن ما حدث عندما نزلت ضربته على الكسندر قد جعل المغتال يتجمد مكانه غير قادر على فهم ما رآه .

امامه ، تطاير ازيز ناري قاتم ، بعدما احتك هجومه بالمعدن الاسود الذي صنع منه جسد رايباك ، و ارتد الهجوم غير قادر على اختراقه ، بل و بالكاد ترك خدشا عليه .

شيء لم يحدث مع ڤيكس من قبل ، و كأنه لم يضرب مخلوقا حيا ..

مدركا حجم الورطة ، اغرق ڤيكس نفسه داخل الظلام و الظلال محاولا الابتعاد ، لكن تلويحة واحدة من ذراع رايباك قد محت الظلال و الظلمات و محت معها نصف جسد ڤيكس .

رغم ذلك ، هذا الأخير لم يكن يمتلك جسدا بالضرورة و استطاع الهرب وسط الظلال و هذا ما ادركه الكسندر رايباك فورا .

"حيلة قذرة و تافهة إذا ما دلت على شيء ، فهي تدل على جبنك !!"

صر الكسندر على اسنانه ، و لكم الفضاء من حوله متسببا بانفجار صوتي عظيم ترامى الضغط الناتج عنه بكل مكان ، فتم محو كل الظلال و الظلمات بضوء ساطع مذهل ، و لاول مرة على الاطلاق ...

ظهر جسد ڤيكس الحقيقي بعدما لم يجد اين يهرب .

شكله الحقيقي كان عبارةً عن عجوز هزيل ، ابيض الشعر اسود البشرة ، مترهل الاعين ، يعلوه الخوف بعدما تم تدمير حجابه بالكامل .

رعبه لم يزد سوى سوءا ، عندما وجد الكسندر رايباك امامه بالفعل.

"فالتمت يا ايها الجرذ القذر ."

*بووووووووووووووووووووووووم !!!*

انفجرت الاورا من جديد بلكمة نووية أخرى ، و تم محو احد اخطر المغتالين على الاطلاق من الوجود .

جسد رايباك ظهر شامخا وسط الفراغ ، بينما كان ماسكيث يحلق اعلاه .

ويسكر كان بعيدا ، يخبئ نفسه بعدما بالكاد استطاع اعادة توصيل جسده .... هو ادرك شيئا مهما .

'ذلك الرجل ... إنه قوي ، قوي جدا .'

قوي بشكل جنوني لدرجة انه لم يرى سوى قلة قد يضاهونه .

و لعل الوحيد الذي استطاع مقارعته حاليا ، هو ماسكيث ولا احد سواه .

الكسندر رفع رأسه ببطء ناحية العجوز القديم ، بينما غطته اورا باردة زرقاء عميقة .

"هلم إلي ، يا تابع ملك الشياطين القذر ."

الكسندر رايباك كان مستعدا للقتال ، و حتى ماسكيث قد ابدى بعض الاضطراب من رؤية قوة هذا الوحش المسعور .

'هذا الوحش ... كم من الزمن ؟ كم عدد السنوات التي قضاها بتدريب قبضته ، لكي يستطيع التسبب بهذا القدر من القوة التدميرية من لكمة واحدة ليس الا ؟'

شيء واحد كان اكيدا ، هذا لم يكن الكسندر رايباك نفسه الذي خاض الحرب القديمة بين طائفة الظلال و الشياطين .

بل تحول لشيء آخر تماما .

توهج جسد ماسكيث ، و كان الصراع بينه و بين محارب طائفة الظلال القديم على وشك الاندلاع .

بهذه الاثناء ...

داخل الضريح القديم ...

كان جيرمان قد دخل أخيرا ، و بلغ وجهته .

هو مشى بصعوبة داخل ممر مظلم طويل ، يعانق جسد فراي و يحاول التحمل حتى النهاية .

مطلقا ضحكة بسيطة ، تنهد جيرمان متنفسا الصعداء .

"الكسندر ... يالك من وحش ملعون ، على هذا المنوال .. هوووف ، لن يطول الزمن ... حتى ارى اليوم الذي تتخطاني فيه .."

ضحك جيرمان ، و واصل المضي قدما يترنح على طول الطريق .

مشى و مشى ، ممسكا بجسد فراي بعناية .

"كل هذه المعاناة ... كل هذا القتال ، فقط لاجل هذا اليوم ."

بالامتار الاخيرة ، فاض صدر جيرمان و ابدت اعينه بريقا خافتا دل على تعب عظيم ، و ارهاق شديد .

و كأن كل تلك السنين قد القت بظلالها عليه دفعة واحدة باشد اللحظات اهميةً ..

لكن المهندس واصل المشي بغض النظر عن ما كان يشعر به . الى ان بلغ قاعةً شاسعة جدا اتخذت شكل ميدان قديم عميق.

بذلك المكان القديم و العتيق ، جاء صوت اقدام اخر مغاير للخاص بجيرمان .

هذا الاخير استدار ناحية مصدر الصوت ، ليجد امرأةً تقف امامه ، شعرها بنفسجي قاتم ، ملامحها قديمة ما دل على عمرها الطويل ، ترتدي ملابس قديمة تمثلت في رداء اسود بال ممزق ..

هي حدقت به ، ثم بفراي الراقد بين ذراعيه و الحزن و الخوف باد عليها .

جيرمان نظر اليها قليلا ، قبل ان يكسر الصمت .

"إنه حي يا شيڤا ... هو حي ."

قال جيرمان ، متقدما بخطوات متهالكة ، ما جعل المدعوة شيڤا تركض اليه داعمةً اياه .

"لقد ابليت حسنا يا جيرمان ، أحسنت صنعا ... احسنت ببلوغك هذا المكان ."

دمعت اعين شيڤا ، بينما ابتسم جيرمان بتكلف .

"من المبكر البوح بهذه الكلمات الجوفاء ، فنحن لم ننتهي بعد ."

ببطء ، وضع جيرمان جسد فراق ارضا .

كان لا يزال بحالة صعبة ، صدره مشقوق ، أطرافه مقطوعة كلها ، و نصف قناعه محطم .

عندما رأيته شيڤا بهذه الحالة ، هي وجدت نفسها تكاد تنفجر غضبا ، لكنها كبحت غضبها ، و ادت دورها بامر من جيرمان.

"اخرجي القطع الاخيرة. "

أومأت شيڤا ردا ، و مدت كلتا يديها عاليا ...

فإذا باورا عظيمة تتشكل من حولها ، و ما هي سوى ثوان معدودة ليتم استدعاء قطع من الماضي البعيد التي ظلت صامدةً طيلة هذه السنين .

شيڤا كانت تحافظ عليها طيلة تلك السنين ، تبقيهم باقوى و افضل حالاتهم .

"درع ذروة الليل ، و سيف سيادة الظلال . اسلحة ملكي التي عهدت الي منذ آلاف السنين ، ها انا ذا اعيدها اليه من جديد ."

بين ذراعي شيڤا ، ظهر درع مظلم مروع ، يفيض بطاقة مشؤومة جعلت الفراغ من حوله يرتعش .

كان درعا كاملا ، يغطي كل الجسد ما عدا الرأس ... درع لم يصنع مثيله أبدا .

اذرع الدرع كانت تمسك سيفا عظيما كاد يبلغ طوله المترين ، ينضج بقوة مذهلة جعلت شيڤا بالكاد قادرةً على احتوائها .

بعناية فائقة ، و أقصى درجات الاحترام ... البست شيڤا الدرع لجسد فراي الراقد امامها .

وضعت كل قطعة حيث يجب ان تكون ، و تركت السيف بين يديه .

فراي وضع بمنتصف القاعة المهيبة ، يكسوه درع اسود عظيم و يمسك بسيف بتار هائل .

شيڤا تراجعت ببطء ، و وقفت خلف جيرمان ..

"سيدي جيرمان ، أرجوك إبدأ ."

أومأ هذا الأخير ، و اغمض اعينه . ثم فتحها من جديد و رفع يده عاليا مشكلا رونا ازرق مهيبا على راحتها .

فإذا بالقاعة اكملها تهتز ، و تفتح الممرات تاركةً سائلاً اسود قاتما معدنيا يمر كن خلالها .

مادة مظملة ملأت المكان ، و اغرقت جسد فراي بداخلها مبتلعةً اياه بالكامل .

جيرمان وقف هناك ، يمد يده ناحية ملكه .

"انت سيدي ، الذي اخترت اتباعه حتى آخر ايامي ."

ارتعش جسد جيرمان ، و بات الحديث مهمة صعبة و شاقة بينما زاد توهج الرون من يده .

"أعطيتك قوتي ، أعطيتك ولائي ، و أعطيتك حلمي ."

ببطء ، ركع جيرمان على ركبة واحدة بعدما لم يعد يقوى على الوقوف .

جسده انهار ، و دمعة نزلت من عين شيڤا التي كتمت صوتها عندما رأت ذلك الرجل العظيم يتحطم امامها .

على عكسها هي التي ذرفت الدموع ، جيرمان ابتسم بشكل واسع ، ابتسامة عكست ... الراحة .

"اعطيتك كل ما لدي ، وهبتك سنين حياتي محاولا تنفيذ خطة قديمة تركتها انت على عاتقي ."

"لقد فعلتها يا سيدي ، لقد فعلتها ."

"لكن يا سيدي ، أنا ادركت في النهاية ... انني لم أهبك كل شيء ، ليس بعد ."

اغمض جيرمان اعينه ببطء ، بينما اظهرت تعابير وجهه السكينة و الوقار .

"بهذا ، انا اهبك آخر ما تبقى لي بهذا العالم ، انا اهبك ... حياتي ."

"الحياة التي كرستها من اجلك ، حتى النهاية ."

بينما ترددت كلماته الأخيرة ، انكسر وعاء جيرمان بالكامل أخيرا ... و تحطم الى شظايا تناثرت بكل مكان ، بينما حلقت كرة ضوء من بقايا جثته ، و اخترقت صدر فراي الغارق بالظلام .

بهذا ... انهى المهندس مهمته ، و استراح أخيرا بعدما مضى وحيدا لآلاف السنين ... مضى وحيدا يحاول تلبية مشيئة سيده .

مشيئة ظل وفيا لها ... حتى النهاية .

...

...

...

يمكنكم دعم الرواية عن طريق منحها الاحجار المجانية في ويب نوفل ، و تستطيع دخول ديسكورد للرواية لرؤية صور الشخصيات .

2026/04/26 · 264 مشاهدة · 3003 كلمة
نادي الروايات - 2026