مات جيرمان .

مات داخل ضريح ، مقبرة موحشة تواجدت بكوكب ميت لا يعيش عليه احد ، ولا يعلم عن وجوده احد .

لم يكن هنالك صراخ ، لم يكن هنالك اي دموع ، باستثناء دموع شيڤا التي انهارت أرضا تبكي بعدما تحطم وعاء جيرمان أخيرا .

هي بكت ، لانها كانت تعلم ما قاساه ذلك الرجل ، الذي تحمل لعصور و عصور طويلة يحاول تحقيق مهمة مستحيلة كانت ستعجز ايا كان .

لكنها اتمها على اكمل وجه ، ضحى بحياته و ضحى بكل شيء ، ليضع القطع بمكانها و يمهد لعودته .

موته لم يكن مبهرجا ، و لم يعلم عنه أحد اطلاقا باستثناء شخص واحد لا غير . رغم ذلك ... هو كان ثقيلا جدا لدرجة انه سيغير مجرى التاريخ .

المهندس استراح أخيرا ، و رمى كل شيء الى الملك الذي آمن به ، الملك الذي غرق وسط السواد لكن عالمه اضاء أكثر من أي وقت مضى ...

جالسين حول نار المخيم الهادئة ، الملاذ الآمن لفراي ستارلايت ... ملاذ آمن يهرب اليه دوما كلما حاصرته الحياة ..

كان المكان مظلما لا تضيئه سوى نار خفيفة بالكاد كفت لتنير وجوههم ، سمة الظلام كانت حاضرة دوما . لكن اليوم كان مختلفاً .

فراي و نسخه جالسين حول النار ، هم رفعوا رؤوسهم بوقت واحد نحو شعاع الضوء الدافئ ذاك الذي اخترق عالمهم .

كان ضوءا دخيلا ، و مرعبا حتى ... لكن دافئ و مألوف بالوقت ذاته .

فراي استحم بذلك الضوء ، و اغمض عينيه تاركا اياه يغسل جسده ، و فعلت كل نسخه المثل .

شعاع التطهير ذاك جلب راحة ، و سكينة و طمأنينة ، و من خلاله ، شعر فراي أخيرا بثقل ما حمله جيرمان كل تلك السنين .

شيئا فشيئا ، بدأت نسخ فراي تتلاشى الواحدة تلوا الأخرى ، يختفون تماما من الوجود .

من اولى نسخه كمؤلف بسيط لا يفقه شيئا عن العالم ، وصولا لآخر نسخه التي خاضت الويلات .

اختفوا جميعهم ، و كانت نار المخيم المتقدة تنطفئ كلما اختفت احد النسخ .

لهيبها خف ، و ضوءها أصبح تافها مقارنةً بشعاع النور العظيم ذاك الذي غسل جسد فراي .

و ما هي سوى ثوانٍ معدودة ، قبل ان تمحى النسخ جميعها من الوجود ، اختفت جميعها و وجدت الراحة و لم يبقى سوى اثنين يقفان جنبا الى جنب داخل شعاع الضوء .

فتح فراي و نايملس اعينهما بتلك اللحظة ، و القيا بنظرة على بعضها البعض ، ثم على تلك النار التي جلبت لهما السكينة و الامان فإذا بهما يجدانها قد انطفأت بالكامل و لم يتبقى منها شيء .

"هكذا اذا ... هذه المرة ، هي الأخيرة ."

قال فراي بابتسامة لطيفة ، مدركا ان هذه هي المرة الأخيرة . و لن يكون هنالك واحدة أخرى بعد الان .

ستولد نسخة جديدة ، نسخة اقوى ، نسخة نهائية و لن يولد من بعدها أحد .

فالملاذ الآمن تحطم ، و النار انطفأت ، و لم يتبقى سوى أن تمهد آخر النسخ و اقواها الطريق .

فراي و نايملس تقدما للامام ، و تركا النور يرفعهما للاعلى ، بحزم ، واجه كلاهما الحقائق التي كان يجهلانها حتى الان .

مع حصوله على الدرع و السيف ، و القناع و آخر قوته التي حافظ عليها جيرمان بداخله . باتت كل القطع بمكانها أخيرا و استعاد نايملس كل ذكرياته و وجوده .

بتلك الذكريات القديمة ، كانت الحقيقة مخبأة بعناية من أجل هذا اليوم بالذات .

حقيقة واجهها كلاهما باعصاب مشدودة ، و قلوب خفقت بشدة خوفا مما سيرانه ، و تعطشا لمعرفة الحقيقة بآن واحد .

شعاع النور قادهما بعيدا جدا ، الى المكان الذي بدأت منه حكاية رجل ارتدى القناع طيلة حياته .

الى كرات ، الكوكب الذي إحتضن جنساً فريدا من نوعه ، مخلوقات باردة و كأنها آلات ، لا دفئ بقلوبهم ولا حرارة بصدورهم .

كانوا يقدسون الكفاءة و المنطق ، و يمقتون كل ما هو مختلف ، و كل ما هو عديم فائدة باعينهم .

جنس متطور عاش على الابتكار و التقدم العلمي بكامل المجالات ، حضارة عظيمة و متقدمة لدرجة انهم سبقوا كامل الاجناس الاخرى بآلاف السنين و كأنهم جاءوا من المستقبل .

نايملس ولد كواحد منهم ، و كان من صباه ، الاغرب بينهم بامتياز .

هو امتلك سلوكاً غريبا جعله مختلفا عن سائر ابناء جنسه ، نعم هو كان عديم مشاعر تماما مثلهم ، و نعم كان يملك نفس صفاتهم الجسدية و الشكلية .

بشرة شاحبة شبه ميتة ، شعر من رمادي الى ابيض ، اعين مظلمة خالية من الحياة .

و رغم كل هذا الشبه ، الى انه كان مختلفا جدا .

جنس كرات قدسوا العمل ، قدسوا التطور و كانوا يمضون ايامهم بالبناء و الابتكار في سبيل بلوغ اقصى امكانياتهم .

لكنه و بالمقابل كثيرا ما كان يتم رؤيته جالسا لا يفعل شيئا ، يتأمل بصمت ، يتجول دون قول كلمة و كأن عقله موجود بعالم آخر تماما خارج جسده .

لم يكن يحاول مجاراتهم ، ولم ينخرط بما كانوا يفعلونه اطلاقا ، و حتى والداه عجزا عن فهمه ، فهو كان يعيشو داخل عالمه الخاص ليس الا .

هم لم يفهموه ، لانه ببساطة كان مختلفا عنهم .

نايملس ولد بقدرات فريدة ، قدرات لم يعلم احد من اين جاء بها ، فهي لم تأتي لا من والديه و لا من اجداده .

كان يرى الرؤى ، و يتنبؤ بالمستقبل .

كان يعيش بين الماضي و الحاضر ، المستقبل بآن واحد .

عندما يمر ذلك الصبي الغريب باحد المباني المذهلة الشاهقة التي بناها بني جنسه ، تلك التحفة المتقدمة ، هو كان يراها من منظور مختلف .

اليوم ، يراها كما هي ، عندما يمر بالغد ، يرى ماضيها و كيف كانت تبنى سابقاً ، ثم عندما يأتي باليوم الموالي ... يرى كيف ستتغير تلك التحفة مع مرور السنين .

لم يطل الامر قبل ان يكتشف نايملس وجود قدرات أخرى تنمو بداخله ، قدرات صنعت ازمة وجودية جعلت ذلك المخلوق المختلف يتساءل ... عن هويته .

"كان امرا غريبا ، رغم انني ولدت بينهم ، إلا أنني لم اشابههم بشيء سوى صفاتي الجسدية التي ورثها من إمرأة و رجل منهم يفترض ان يكونا والداي ."

"والدان لم اهتم لوجودهم ولو قليلا ، و هما بدورهما لم يهتما ... خصوصا عندما أدركوا الاختلاف بيني و بينهم ."

قال نايملس ، الواقف بجانب فراي بعدما شاهد كلاهما اياه في طفولته .

"قدرتك هذه على رؤية المستقبل و الماضي ... اهي الڤويد ؟" سأل فراي فضولا فأومأ و نفى نايملس بآن واحد .

"نعم ولا ، لأكون دقيقا ... فالڤويد هي قدرة فرعية صنعتها منها بعدما لم أستطع التحكم بها ."

تلك الرؤى كانت قوية جدا ، فهي لم تره المستقبل و الماضي فحسب ، بل و مسارات عديدة لانواع كثيرة من المستقبل .

و كأنه يلعب لعبة ماذا لو ؟ تريه كل الاحتمالات .

نايملس حاول السيطرة عليها ، لكنه لم يقدر ... و كل ما استطاع الخروج به هو قدرة الڤويد المشتقة منها ، قدرة بصرية قوية جدا رغم انها ليست سوى نسخة مقلدة من شيء اقوى .

"رؤيتك للمستقبل ... اكانت السبب وراء سعيك لايجاد الحقيقة ؟ الحقيقة حول نفسك ؟" سأل فراي فضولا ، فسكت نايملس قليلا . قبل ان يجيب بنبرة اثقل .

"كانت جزءا من السبب ، لكن ليست السبب الرئيسي ."

ضاقت اعين فراي قليلا ازاء سماع هذه الاجابة ، و زاد فضوله ليس إلا ...

"اذا لم يكن هذا هو السبب ، فما هو إذا ؟"

نايملس انزل رأسه قليلا مطأطئا اياه ، يفكر بكيف يفترض به ان يجيب .

فرأى ان جعله يرى الامر بنفسه اصدق من أي كلمات ...

حدث ذلك بأحد الايام الكئيبة فوق كوكب كرات ، يوم كأي آخر ...

كان نايملس لا يزال طفلا ، لربما بالكاد بلغ العاشرة بذلك الوقت .

كوكب كرات كان عملاقا ، و لم يكن بني جنس نايملس الوحيدين الذي عاشوا فيه .

فقد تواجدت العديد من المخلوقات غيرهم ، منها الشبيهة بالحيوانات ، و منها الشبيهة بالوحوش .

بني جنس نايملس نادرا ما كانوا يتركون أي قطع أرض الا و استغلوها ، لكن ذلك لم يمنع وجود غابات ، و جبال و اراضي فارغة بدائية تعيش بها مخلوقات أخرى تختبئ بعيدا عن ضوضاء التطور و التقدم .

نايملس كان مشهورا بزيارته لتلك الاماكن ، كثيرا ما يراه الناس يطارد بعض المخلوقات الصغيرة بالحجم ، كائنات تبدو اشبه بالسناجب الموجودة بكوكب الارض .

الا انها كانت مختلفة قليلا ، بكرات هي كانت سريعة جدا بفراء اسود و قرن صغير يبرز من مقدمة رؤوسهم .

نايملس اشتهر بحبه لمطاردتهم منذ صغره ، فكان يجري وراءهم لساعات و ساعات الى ان يمسك احدهم قليلا .

رغم انهم كانوا اسرع منه بكثير ، الا ان قدرته على التنبؤ بالمستقبل قد ساعدته على توقع تحركاتهم ، و اصبح بذلك الوحيد القادر على مجاراتهم .

بمجرد امساكه بهم ، كان نايملس يدق رقابهم ببطء شديد ، منهيا حياتهم بيديه .

فراي تجهم وجهه بمجرد رؤية ذلك المشهد ...

'نايملس ... كان يطارد هذه السناجب ، فقط ليقتلها بعد ذلك ؟'

اي نوع من الاطفال المختلين كان هذا ؟

لربما هذا ما فكر به فراي بتلك اللحظة .

مطاردة نايملس تلك المخلوقات استمرت و أصبح مشهدا مألوفا ، فهو كان يطاردهم فوق رؤيته لهم و يقتلهم فور امساكه اياهم .

"أكنت تحاول جعلهم ينقرضون ام ماذا ؟" علق فراي ساخرا ، فضحك نايملس بخفة بينما اقترب قليلا من نسخته الاصغر سنا .

"هذا ما فكر به ابناء جنسي ايضا ."

رد نايملس بإبتسامة جعلت فراي يشعر ببعض الغرابة لوهلة ، ثم تذكر بان الماثل امامه لم يعد ذلك المخلوق البارد ، بل طور مشاعره الخاصة لدرجة انه بات قادرا على الابتسام هكذا .

هو كان لا يزال محافظا على تلك المشاعر ، رغم استعادته لكل قطع ذاته القديمة ، و لم يتحول للوحش الذي ظن فراي انه سيتحول اليه .

كان لا يزال الشخص ذاته ، فقط اعينه التي تغيرت قليلا ... و كأن كبر بالعمر سنين عديدة .

نايملس اعاد اعينه ببطء ناحية نسخته الاصغر سناً .

"مالذي يفعله ؟" سأل فراي فضولا ، عندما رأى نايملس الاصغر سنا يمسك باحد جثث تلك المخلوقات ، يلاعبها و يعبث بها .

كان يمد يده للجثة الميتة ، ثم يعيدها للخلف و يمدها من جديد و كأنه يحاول لمس شيء ما بالهواء .

"انظر جيدا ، و ركز بما سيحدث ." قال نايملس الواقف بجانب فراي ، بينما شاهد كلاهما بصمت .

شاهد كلاهما طفلا غريبا يلوح بيده دون معنى ، بينما يحمل جثة مخلوق ميت باليد الاخرى .

استمر هذا لبعض الوقت ، الى ان حدث شيء ما أخيرا .

اليد التي كانت تلوح بالهواء ، قد توهجت من دون سابق انذار ، و انبثقت منها ... قوة غريبة .

اشبه بالهالة ، لكن مختلفة ...

شرارة من طاقة رمادية تحيط بها ذبذبات حمراء اللون تتوهج بقوة غامضة غير مفهومة .

نايملس الطفل مد يده ناحية المخلوق الميت ببطء و حذر ، فإذا بالطاقة العجيبة تلمس جسده ، و تتخلله امام اعين فراي و نايملس من الحاضر .

الطاقة الرمادية المحمرة توغلت بداخل جثة الحيوان الضئيل ، و راح جسده يتوهج .

عروقه اضاءت ، و كل خلية بجسده قد انارت .

دفئ غريب انبعث من المخلوق البارد الميت ، و اللاشيء ، تكون شيء عظيم .

اعين فراي توسعت ، و فمه فتح دون وعي منه عندما رأى ما حدث ...

فذلك المخلوق الميت قد ارتعش ، و من داخل جسده ... سمع صوت نبض .

بين يدي نايملس الاصغر سنا ، فتح المخلوق الشبيه بالسنجاب عينيه و نهض من جديد ... عائدا للحياة و كأن الحياة لم تفارقه قط .

لدرجة انه لم يدرك موته من الأساس ، لانه هرب بمجرد ان رأى نايملس الاصغر امامه .

هرب يركض باقصى سرعة و حيوية ، لا تشوبه شائبة .

كان فراي مصدوما ، لكن الشخص الذي انصدم أكثر منه لم يكن سوى نايملس الاصغر سنا بنفسه .

يده التي ابدت تلك القوة العجيبة قد ارتعشت ، بينما تراجع الطفل للخلف مصدوما و مرعوبا و كأن شيئا اخافه قد تحقق على أرض الواقع .

فراي اوشك على قول شيء ما ، راغبا بالاستفسار حول ما رآه للتو .

لكن السؤال جاء من فم شخص آخر تماما ، وجود جديد اقتحم الساحة .

يد سميكة باردة امسكت بذراع نايملس الاصغر سناً ، و صوت بارد اخترق آذانه .

"مالذي فعلته للتو ؟" جاء السؤال من الخلف ، فاستدار نايملس نحوه ببطء ، ليجد رجلا لم يراه قط بحياته يقف خلفه .

كان طويلا ، تحيط به هالة غامضة جعلت نايملس يشعر و كأن الماثل امامه كيان مختلف عنه بالكامل .

لكن الرجل حمل نفس صفاته الجسدية ، و بدا مشابها له كثيرا ... شعره رمادي ، اعينه باردة مظلمة ، و بشرته شاحبة كئيبة .

يرتدي ملابس بسيطة جعلته يبدو كرجل عادي تماما .

نايملس لم يعلم ما يجب عليه قوله كاجابة ، فذلك الرجل رأى ما قام به للتو ، رأى تلك المعجزة التي تسبب بها .

بالاحوال العادية ، كان من المفترض ان يتم التبليغ عن ما حدث ، لكن ذلك الرجل لم يكن عاديا .

"فهمت .. أنت لا تعلم ." قال الرجل ، قبل ان يسحب نايملس آخذا إياه معه .

أخذه رغما عنه ، و لم يكن لنايملس أي شيء يستطيع القيام به ضده .

ذلك الرجل اخذه بعيدا ، الى مكان لم يراه من قبل . و الغريب بالامر كله ، هو انه لم يفهم كيف وصل اليه من الاساس.

مفهومه بالمكان و الزمان قد تشوه باللحظة التي قرر فيها المشي مع ذلك الرجل ، و منذ ذلك اللقاء ... لم يحدث و لو شيء واحد طبيعي .

تم احتجاز نايملس داخل مبنى كئيب لا يعيش به احد اطلاقا ، ولا يعلم عن وجود احد .

كان الامر رمته عجيبا ، فحتى بعد اختفاء نايملس المفاجئ الا ان احدا لم يبحث عنه و لم يحاول احد ايجاده و كأن وجوده بحد ذاته لم يكن حقيقيا .

لاحقاً ، هو ادرك ان ذلك الرجل قد قام بشيء ما ..

"قضيت عدة سنوات حبيسا لذلك الرجل بعد ذلك ." قال نايملس من الزمن الحالي ، عارضا ما حدث .

الرجل لم يكن يأتي الا نادرا ، تاركا نايملس لوحده معظم الوقت .

لكن و كلما جاء ، كان الرجل يجلب معه ... جثث .

"جثث لمخلوقات متنوعة و مختلفة ."

احيانا ، كان يجلب أشخاص موتى من نفس بني جنسهم ، و احيانا مخلوقات من اجناس مختلفة تماما .

كانت تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها نايملس مخلوقا لم يولد بكرات .. مخلوقات من عالم آخر تماما لا يعلم عنها شيئا .

"ارادني ان افعل الشيء ذاته الذي قمت به مع ذلك المخلوق ، لكن معهم هذه المرة ."

أجبر الرجل نايملس على ان يحاول استخدام تلك القوة الغريبة و الفريدة مرة أخرى ، و أراده ان يعيد الحياة لتلك الجثث للتي احضرها لها .

نايملس لم يكن يملك الكثير من الخيارات ، فامتثل بالفعل و حاول تكرار ما فعله مع المخلوق الشبيه بالسنجاب .

لكن و بكل مرة ، هو كان يتعرض للفشل .

فشل لم يقل الرجل حياله اي شيء ، فهو كان يغادر فورا تاركا نايملس وحيدا مع تلك الجثث .

هذا الاخير كان يقضي اياما كثيرة بمفرده لا يحيط به شيء سوى الجثث التي كانت تتعفن سريعا .

فتعلم نايملس مع الوقت كيف يحفظ الجثث و يمنعها من التعفن ، و اصبحت شيئا فشيئا هي الشيء الوحيد الذي يمضي به وقته وحيدا .

الرجل كان يأتي بالمزيد منهم كل مرة ، و بكل مرة ... يحضر له نوعا جديدا و مخلوقا من جنس مختلف تماما .

فأصبحت دراسة تلك المخلوقات هي شغله الشاغل .

لم يستطع دب الحياة بهم ، و فشل بكل مرة ... لكن بات قادرا على ابراز تلك القوة الفريدة ، طاقة رمادية محمرة ليس لها مثيل بهذا العالم باكمله .

و بعد الفشل مرارا و تكرارا ، نطق ذلك الرجل باحد الكلمات القليلة التي سمعه نايملس يقولها ... الكلمات التي علقت بذهنه لوقت طويل جدا .

"وجودك مشوه ، و ذاتك محطمة ... القوة التي يرغب بها سيدي موجودة بداخلك ، لكن غير قادر على ابرازها ."

قال الرجل بصوت بارد خال من المشاعر ، قبل ان يغادر و يفتح الباب الذي لطالما اغلقه بوجه نايملس .

"انت حر بالذهاب ، فما عاد لي نفع منك ."

تاركا اياه وسط بحر من الجثث ، اعداد هائلة مه الموتى الذين انتمى كل واحد منهم لجنس مختلف ... كانت تلك هي المرة الاخيرة التي يرى بها نايملس ذلك الرجل .

رجل اراه على الاغلب كل مخلوق حي تواجد بالعالم المادي اجمع ، حتى انه جلب له جثث شياطين و حاملي ضوء و بانثيون ... بل و بشر أيضا .

"كان غريبا ، ظهوره امامي لم يكن عشوائيا ." قال نايملس من الزمن الحالي متحدثا ببرود عن ذلك الرجل .

"انا لم اعلم وقتها من يكون ، ولا ما يمثله .. بدا غامضا و قويا ، شعرت بأنه كان يراقبني دوما ، يرى كل صغيرة و كبيرة مما افعل و تحديه كان امرا مستحيلا علي حينها ."

"لاحقاً ... ادركت الحقيقة وراءه أخيرا ، و فهمت لماذا كنت اشعر بالعجز امامه رغم انه شبيه جدا بي ."

"فذلك كان هو عظيم بني جنسي ... عظيم كرات ."

"مخلوق ارسله سيده الي لسبب كنت اجهله ، لكنه طمع على الارجح بالقوة التي ابديتها ."

قال نايملس ، مسلطا الضوء على ما خلفه لقاءه بعظيم كرات ، و كيف ساهم ذلك اللقاء بتغييره ، و بناء شخصيته الفريدة التي عرفه العالم بها لاحقا .

كلماته ... جعلت الازمة الوجودة التي عانى منها نايملس تزداد سوءا .

وجود مشوه ، و ذات محطمة ...

هذه الكلمات جعلت نايملس يتساءل حول اصله أكثر من أي وقت مضى ، و جعلته راغبا بمعرفة من اين جاءت هذه القدرات الغريبة التي ولد بها .

اراد معرفة الحقيقة .

و لتحقيق ذلك ، رأى نايملس أن البداية ستكون من فهم قانون الحياة و الموت بشكل كامل و اتقانه ، و تلك الجثث المترامية حوله اعطته تلميحا عن كيفية فعل ذلك .

تلك القوة الفريدة الخاصة به قد كانت المصدر الذي جاء منه تلاعب نايملس القوي بالحياة و الموت ، و كانت البذرة التي بدأ منها كل شيء ..

بذرة وضعت بداخله من بعد لقائه الغامض ... بعظيم كرات .

2026/04/27 · 298 مشاهدة · 2900 كلمة
نادي الروايات - 2026