الحقيقة! الحقيقة وراء كل شيء .

الإجابة لأسئلة كثيرة تركت بدون إجابة ، و غموض دام و إستمر طويلا .

شعر فراي بقلبه ينبض بعنف ، بينما بلغ توتره اشده .

مالذي اكتشفه نايملس بالماضي البعيد ؟

ما مدى جنون ما رآه و ما سمعه لدرجة أن وحشا عديم المشاعر مثله لم يستطع حمل العبئ ، فقام بحذف الذكرى بالكامل و رماها بعيدا .

بذروة رحلته ، استطاع نايملس تتبع الاثار التي تركت له عن عمد من قبل كيان ، وجود لم يعلم نايملس عنه شيئا ، و لم يكن هنالك من دليل يقوده لهويته .

لكن و بفضل الآثار القديمة تلك ، هو استطاع بلوغ مكان لم يبلغه أحد من قبله قط ، و واجه الحقيقة المخفية .

وجه فراي تصلب ، و الامر ذاته حدث لنايملس الحالي ..

حتى نايملس القديم عديم المشاعر لم يبدو هادئا كما جرت العادة ، بل هو الآخر بدا مضطربا غير قادر على ان يظل متزناً كما يفعل دوما .

كل شيء كان على المحك الآن ، ايا كان الاجابات التي سيحصلون عليها الآن ، فستكون مؤثرة بشدة على ما سيحدث لاحقاً .

فبناءا على ما سيقاسونه و ما سيعرفونه ... ستولد نسخة فراي النهائية التي ستواصل الخوض بحرب الحياة .

ارواح اولئك الذين ماتوا فوق كوكب الارض ... ارواح معلقة لا يزال مصيرها مجهولا .

و ارواح مخلوقات أخرى سيتغير مصيرها مستقبلا اعتمادا على التحول الذي سيعيشه فراي .

لن يكون من المبالغة القول ، بأن ما سيواجهه فراي ستارلايت الآن سيغير كل شيء ، و يكتب بداية عصر جديد مختلف تماما .

واقفا جنبا الى جنب مع نايملس الحالي ، بينما تبع كلاهما نسخته الاقدم داخل تيار الضوء ..

"كان الامر مثيرا ، و مخيفا بآن واحد " قال نايملس الواقف بجوار فراي ، و ملامح الحزم بادية عليه .

"الاثارة المصاحبة لمعرفة الحقيقة و الاجابات لاسئلة طرحت دون حل ، و خوف من حقيقة قاسية مرعبة بما فيه الكفاية لتكسر ظهر رجل عديم المشاعر ."

نايملس القديم لم يستطع حملها .

"لكننا سنفعل ." قال فراي ، متبادلا نظرات ذات مغزى مع نايملس .

"بعد خوض حياة مزرية لم نجني منها سوى الحسرة و المعاناة ، بعد النضال لسنين طويلة ملأتها الاحزان ، فلا أظن أنني سأنكسر مهما كانت الحقيقة المرة التي يخفيها هذا العالم ."

ابتسم نايملس ازاء سماع هذا .

"و كأن كل تلك المعاناة ، لم تكن سوى تجهيز لهذا اليوم ، و هذه اللحظة بالذات "

"اجل ، أظن انها كذلك ." ابتسم فراي بدوره ، قبل ان ياخذ نفسا عميقا ، و يتم الكشف عن ما حجبه ذلك الضوء العظيم أخيرا .

فراي شهد بعينه ، اليوم الذي كسر فيه نايملس القديم الستار ، و وضع قدمه بالمكان الذي اخفى الأسرار .

امام اعينهم ، ظهر مكان جديد بالكامل ... أرض جعلت قشعريرةً بادرة تعتريهم رغم انهم كانوا مجرد اشباح تشاهد من بعيد .

نايملس دخل ما بدا و كأنها ... مكتبة .

مكتبة مألوفة ، تعرف فراي عليها فورا .

كانت مماثلةً تماما قتلك التي رآها داخل القناع ، و شبيهة جدا بالمرسومة في اللوحات التي رآها منذ وقت ليس ببعيد .

رفوفها امتدت الى المالانهاية ، بطوابق لا نهائية صعودا و هبوطا .

كان المكتبة ضخمة ، بطاولات و كراس من خشب فاخر ، و جدرانها مزينة بالذهب و الطوب الاسود .

مانت هنالك ادراج و سلالم متوزعة بكل مكان تربط بين الطوابق و المناطق المتباعدة ...

مكتبة هائلة حملت اسرارا لا تعد ولا تحصى ..

عندما دخل نايملس ذلك المكان لاول مرة ، هو ارتعش بعنف ... قبل ان يسقط على ركبة واحدة .

فراي و نايملس الحالي حدقوا به مندهشين ، عندما شهدوا بام اعينهم ، على المرة الاولى التي يجتاح بها صدره دفئ حقيقي لم يشعر بمثيله قط .

نايملس وقتها لم يفهم ما كان يحدث له ، لم يفهم تدفق الدفئ العجيب ذاك داخل جسده ، و لم يفهم هذه المشاعر الغريبة التي غزته من العدم .

"إنه .. يشعر .." قال فراي مندهشا ، بعدما ظن ان نايملس لم يحصل على المشاعر سوى من خلاله .

لكن هذه الذكرى اثبتت كم كان مخطئا.

بعدما ابتلعته الاحاسيس مسقطةً اياه للمرة الاولى على الاطلاق ، نايملس لم يقم باي حركة ، بل لم يلاحظ ما تواجد امامه حتى .. لانه امضى الدقائق القليلة الموالية يحاول استعاب ما خالج صدره من العدم .

فراي و نايملس الحالي من جهة أخرى كانوا مختلفين ، فهم امتلكوا المشاعر بالفعل و لم يشعروا بأي شيء مما عاشه نايملس القديم .

بالتالي ، اعينهم ذهبت الى مكان آخر تماما داخل المكتبة محاولين فهم ما كان يجري .

فإذا بما رأوه يجمدهم اماكنهم ، مصعوقين غير قادرين على فهم ما رأوه .

"هاي ... أخبرني أن ما أراه الآن وهم .." قال فراي باعين مرتعشة ، بينما اجابه نايملس الحالي بنفس النبرة ..

"لا ، هو ليس وهما .. بل حقيقة لا لبس فيها ."

أمام اعينهم ، ظهر طاولة بسيطة ليس بالكبيرة ولا الصغيرة .

امامها ، وضع مقعد ... مقعد بسيط و عادي .

اما فوق الطاولة ، فتواجد كتاب اسود عجيب سميك ، بكتابة ذهبية انيقة تعلوا غلافه المهيب .

عنوان ذلك الكتاب ، كان بالحرف الواحد : "أرض البقاء"

عنوان مألوف لفراي ، و حتى نايملس الذي يشاركه نفس الذكريات .

لكن الصاعق لم يكن الكتاب ولا العنوان ، بل الأشخاص الذي تواجدوا امامه .

ففوق الكرسي ، جلس شاب مألوف جدا يضع يده فوق غلاف الكتاب بينما يجلس بهدوء و وقار متجمدا مكانه .

بدا خاليا من الحياة ، و كأن روحه غادرت جسده بالكامل .

شعره كان اسود طويلا كثيفا و جميلا ، و ملامحه مألوفة بطبيعة الحال ... لانها كانت نفس الملامح التي امتلكها فراي ... و نايملس .

"إنه ... يشبهنا ."

شبيه جدا لدرجة مرعبة ، لكن الفرق بينهم ... هو ذلك السواد الذي غمر اعينه ، و كأنها استبدلت باحجار من لؤلؤ مظلم مشع .

كان الشاب شبيها جدا بفراي و كأنه نسخة أخرى منه ، اكثر كمالا ، و اثقل حضورا . يرتدي ملابس سوداء غريبة تختلف قليلا عن ما اعتاد فراي رؤيته .

اما بجانبه ، فتواجد رجل أكبر سنا بكثير ، بدا بالاربعينات ... شعره ابيض كثيف و لحية خفيفة و ملامح اعطت دفئا و الفة غير عادية .

الرجل كان يقف خلف الشاب واضعا يده برفق على كتفه .

اعينه هو الآخر ملأها السواد ، و بدا جامدا و كأن روحه غادرت جسده بدوره .

كلاهما كان بالحالة ذاتها ، الاول جالس يضع يده فوق الكتاب ،و الآخر واقف يضع يده فوق كتب الشاب . و كأن ربطاً عجيبا تم بينهم .

فراي حدق بالرجل الاكبر سنا لوقت طويل باعين ارتعشت ، و فم مفتوح لم يعلم ما يجب ان يقوله .

"فمي يريد أن يقول ان هذا امر مستحيل ، لكن اعيني تؤكد بأن ما اراه حقيقي ولا شك فيه ."

اقترب فراي بخطوات ثقيلة بطيئة ، بينما بقي نايملس بالخلف ..

فراي اقترب و اقترب ، الى ان أصبح امام الرجل و الشاب مباشرة .

"لا شك بذلك .." هو قال و الاضطراب واضح عليه .

"مهما نظرت اليه ، و مهما حدقت به ... الا و زدت يقينا بأن هذا هو ... أبي "

بتلك اللحظة ، تم الكشف عن الرجل الذي كان صورة طبق الاصل عن آبراهام ستارلايت ، نسخة تبدو هي الأخرى أكثر كمالا و اثقل حضورا .

اما الجالس فوق الكرسي ...

"هذا انا .."

تراجع فراي خطوة للخف بعدما ضربه صداع شديد ، و دوخة غريبة ..

"مالذي يحدث هنا بحق الجحيم ؟"

محدقا يمينا و يسارا ، هو وجد الكتب تحيط به ... الكثير منها .

لكن و لسبب ما هي بدت خانقةً جدا ، تخنقه و تحاصره من كل مكان ، و كأن كلماتها قد تحولت لصرخات هزت آذانه و كيانه بآن واحد .

كانت واقعية ، تنبض بالحياة ... يتردد صداها داخل عقله و كيانه .

خصوصا ذلك الكتاب الاسود السميك ، فهو ما عطاه الشعور الاقوى على الاطلاق .

فراي شعر بالضياع ، بل و كاد ينجرف بعيدا مع الاصوات ... الا ان نايملس تدخل فورا ممسكا به .

"تمالك نفسك ! لا تدعها تجرفك بعيدا !"

معيدا اياه للواقع ، قام نايملس بسد آذان فراي بيديه ، بينما حدق بالمكان من حوله مضطربا جاهلا هو الآخر بما كان يحدث.

امامهم جلس فراي و آبراهام امام كتاب غريب بدا و كأنه سلبهما ارواحهما ، و من حولهم تواجدت كتب تصرخ بكلمات حية و كأن اشخاصا حقيقين ينادون من خلالها.

كان الامر برمته غريبا و عجيبا ، و كأنه وهم قوي قد اطلقه احد ما عليهم .

نايملس القديم بدوره لم يسلم من هذا الاستنزاف العقلي الشديد ، بل و كان اسوء في حالته .

فهو لم يعلم من يكون آبراهام ، اما فراي فبدا مجرد شخص غريب يشبهه لا غير .

نايملس القديم اقترب منهما ، ممسكا بصدره و متحسسا نبضه المتسارع بعدما غرست به المشاعر من العدم .

هو نزع قناعه المعدني راميا اياه بعيدا ، كاشفا عن وجه مشابه جدا لذاك الخاص بفراي ، بينما مد يده نحو الرجل و الشاب محاولا لمسهم.

لكنه توقف مكانه باللحظة الاخيرة ، عندما سمع صوتاً عميقا رن داخل روحه بنفسها ... صوتها هي .

"توقف ، لا تلمسهم ... فلو فعلت ، سيتم طردك من هذا المكان ."

صوتها كان عذباً ، حلواً حتى ، يحمل بعض البرود ، و الالفة بآن واحد .

إمرأة كانت قادرةً على منح هذا القدر من المشاعر و الاحاسيس فقط من خلال صوتها .

سيدة جعلت فراي و نايملس سواءا الماضي او الحاضر يرفعون رؤوسهم جميعا ناحيتها ، عندما اطلت عليهم من الاعلى .

هي جاءت بهدوء ، تنزل عتبات الدرج الدائري ، تمرر يدها النحيلة برفق من على المسند الذهبي .

ترتدي فستانا أسود ينبض بالحياة ، يمتد من خلفها و حولها كالظلال.

حجاب شفاف يميل للاسود اخفى القليل من شعرها بينما ترك الكثير منه بارزا ..

شعر شديد السواد ، بشرة شديدة البياض ، و اعين مظلمة بالكامل لا اثر فيها للبياض ، تماما مثل نسخة فراي و آبراهام الموجودين معهم بالاسفل .

كانت جميلة جدا ، باردة جدا ، مألوفة جدا ... و مرعبة جدا .

شعر فراي بعاصفة تجتاح صدره ، و عقله على حد سواء ، و بالكاد كان يقوى على النظر باعينها و لو لبضع ثوان .

حتى نايملس القديم بكل قوته و حضروه قد اخفض و انزل رأسه غير قادر على النظر باعينها لوقت طويل ..

"من ... تكونين ؟ " هو سأل بتردد ، تردد غير معهود منه .

"أنت تعلم جيدا من اكون " هي اجابت بينما واصلت النزول ، الى ان بلغت مكانهم تمشي ناحيتهم بوقار .

"لكنك نسيت فحسب "

"انا لا افهم .." تراجع نايملس القديم خطوةً بعيدا عنها ، و حاول البقاء بعيدا قدر المستطاع .

لان كل خلية من كيانه كانت تصرخ عليه بآن واحد حينها ... ان لا يقترب منها .

شعور لم يقاسي مثيله من قبل ... شعور الرعب .

"لا تهرب ، لقد هربت مني مرة ... فلا تفعلها مرةً ثانية "

مدت المرأة يدها ، كانت بعيدة لوهلة .

لكن تلك اليد استقرت على وجه نايملس ، تلامس خده الايمن بلطف .

و من دون ان يشعر او يدرك ، هو كان امامها بالفعل ، المسافة بينهم محيت تماما ، و الڤويد نفسها لم ترى او تفهم شيئا .

واقفةً امامه ، يدها الباردة تلمس خده ، و اعينها التي كانت عبارةً عن ثقوب سوداء تبتلع كل ذرة من كيانه .

قال نايملس بصوت مرتعش ..

"انا ... لا افهم ."

"بالطبع لن تفهم ، يا طفلي العزيز ... فما انت الآن سوى كيان محطم تبعثر وجوده ."

هي ابعدت يدها ببطء ، و لطف .

ثم اشارت باصبعها ناحية الكتاب الذي لمسته نسخة فراي .

"إذا ما ابتغيت الاجابات و الحقيقة ، فاذهب و المس ذلك الكتاب الذي خطّته يداك ، حينها ستدرك كل شيء ."

كلماتها حملت نوعا ما من السحر ، جعل نايملس غير قادر على التفكير بمخالفتها حتى .

فهو حمل نفسه بعدما أومأ ، و سار بخطوات ثقيلة يملؤهل التوتر ناحية الشاب و الرجل ... و الكتاب .

من جهة أخرى ، ظلت اشباح فراي و نايملس الحالي امام تلك المرأة ، اعينهم تسرق نظرة عليها من حين لآخر ... قبل ان يعيدوا اعينهم للارض بعدما لم يقووا على النظر اليها لوقت طويل .

"إهدأ يا فراي ." قال نايملس ، بيتما اعتصر يده مشكلا قبضةً إبيضت من شدة القوة التي وضعها بها .

"إهدأ !" هو صاح مرة أخرى ، بعدما كان فراي بجانبه يرتعش بعنف ، اعينه محمرة تنبض بها العروق .

"كيف أهدأ ؟ كيف تريد مني ان أهدأ بحق الجحيم ؟!"

هو كان يحاول النظر اليها لاطول وقت ممكن ، بغض النظر عن حضورها الغامض الذي جعل الجميع غير قادرين على النظر بعينيها .

لكن فراي تحدى هذا ايضا .

"لماذا ... لماذا بحق الجحيم ، هي تبدو هكذا ؟"

و استشاط فراي ، نار هوجاء تحترق بداخله .

"لماذا ... هي تبدو مثلها تماما ."

اعينه امتلأت بالاشتياق ، و الحسرة ..

كانت مختلفة ، فهذه امامه بدت و كأنها مخلوق يفوق الاستعاب .

لكن الاختلاف كان موجودا بالحضور و الهالة لا غير .

اما الوجه و الملامح ، فكانت نفسها تقريبا .

"لماذا ... هي تبدو تماما ، مثل والدتي ؟"

"لماذا ... تبدو كالأم التي خسرتها منذ زمن طويل ."

انهار فراي ارضا .

كان قلبه ينبض بعنف ، و عقله اعنف .

'هذا مستحيل ... هذه هي ذكريات نايملس لاحداث جرت منذ آلاف السنين ... سنين و سنين قبل ان اولد و قبل أن تولد هي ايضا .'

'يستحيل ان تكون هي ... انها شخص آخر .'

متمسكا بصدره ، انكر فراي كل شيء .

نايملس مد يده اليه ، لكن تجمد مكانه بعدها ، فهو شعر بنفس ما عاشه فراي ، لذا تردد .

بينما ذهب نايملس القديم ناحية الكتاب ، و سقط الحالي و فراي امام المرأة التي شابهت والدته بالتمام و الكمال .

هو اعتصر قلبه ، مجبرا نفسه على النهوض من جديد و النظر اليها ..

فإذا به يتجمد مصدوما ، حاله حال نايملس الذي انصدم هو الآخر ..

فتلك المرأة ... قد كانت تنظر إليه .

تنظر مباشرةً نحوه ، اعينها تنعس بعينيه .

نايملس شعر بالصداع وقتها ، غير قادر على فهم ما كان يحدث .

'هذه مجرد ذكريات ... و ما نحن سوى اشباح ، فهل هي مصادفة ؟'

هل انزلت رأسها للاسفل فحسب و صادف ان يكون فراي هناك ؟

'لا ...'

نايملس انكر هذا فورا ، فاعينها كانت تنتظر اليه بشكل مباشر ... الى فراي .

بدت و كأنها ارادت قول شيء ما ، لكنها ادارت رأسها بالنهاية نحو نايملس القديم دون ان تنطق بكلمة .

هذا الموقف برمته لم يزد الامر سوى سوءا ... و غموضا .

لكن ايا من ذلك لم يهم ، لان الحدث الاهم كان على وشك البدأ ، و نايملس ... لم الكتاب .

و كانت تلك هي ، نقطة التحول .

نقطة التحول التي قلبت و غيرت كل شيء ، و اعادت كتابة واقع كامل .

نايملس لمس الكتاب لبضع ثوان فحسب ، لكن و بتلك الثواني المعدودة ... هو رأى ما هز كيانه ، و تلاعب بروحه .

رأى مشاهد كثيرة ... كثيرة جدا لا يفترض بعقل ان يتحملها .

و استقبل معلومات لا يجب ان على احد ان يحملها .

هو لم يلمس الكتاب سوى لبضع ثوان معدودة ، لكنها كانت أكثر من كافية لتدمر شيئا ما بداخله .

نايملس تراجع فورا مبعدا يده من على الكتاب ، و عاد للخلف عدة خطوات و الذعر باد عليه .

تراجع الى ان ضرب ظهره برفوف الكتب .. كتب تبعثرت و انبثقت مفتوحة امامه كاشفة عن صرخات ، همسات ، ضحك ، حزن ، غضب ، فرح ، بغض ، كراهية ...

همسات فتحت الباب امامه لرؤية عوالم كاملة تمتد مبعثرةً امامه .

اعين نايملس دمعت ، و سقط أرضا متمسكاً برأسه .

"مالذي ... مالذي .." هو تنفس بصعوبة ، بينما بكى لاول مرة بحياته ، بكى بحرقة الى ان احمرت اعينه و نبضت بالحياة كما لم تفعل يوما .

كان يرتعش ، فجات السيدة و امسكت بوجهه تاركةً رعشة من البرد تكسوه .

بتلك اللحظة ، هو ادرك انه تحت رحمتها بالكامل ... لكنه لم يمانع لمستها تلك بعد الآن .

"انت تفهم الآن ، اليس كذلك ؟" هي سألت ، فرد نايملس بصوت مرتعش .

"هذا المكان .. هذا ... عالم الاثير ، لا ... العالم الحقيقي ..."

ارتجف نايملس ، بعدما ادرك الحقيقة .

"العالم المادي ، انا الذي ..."

"هذا صحيح " أومأت السيدة بينما عانقته بهدوء .

"ذلك ليس بالعالم المادي ، بل عالمك انت الذي خطته يداك ."

"انت كاتب ، مثلي ، و مثل والدك الاحمق الذي يقف هناك ."

"انت وجود اعظم و ارفع شأنا و مقاما من اي مخلوق آخر ."

فراي ، كان كاتبا ، و آبراهام هو الآخر كان واحدا .

اما المرأة امامه ، فكانت والدته و حاملة لقب الكاتب الاول .

الكاتب الاول لم يكن سوى لقب يمنح للاقوى بين الكتاب ، و لم يكن شخصا واحدا قط .

و هذا ما ادركه نايملس .

كما ذكرت السيدة صاحبة لقب الكاتب الاول تماما ، الكتاب مخلوقات اعظم و ارفع شأنا من غيرهم .

لديهم القدرة على انشاء عوالم خاصة بهم ، داخل اوعية تبدو مثل الكتب ، تسمى بالمخطوطة .

الكتاب يستطيعون انشاء تلك العوالم ، و يستطيعون دخولها بحرية تامة و العيش بها ايضا لو ارادوا .

و قد اشتهر الكتاب بفعلهم لذلك . و الكتب المتناثرة من حولهم سوى خير مثال .

لكن بعض العوالم تكون مختلفة عن الأخرى ، بعضهما بسيط و تافه لدرجة انها تبدو كقصة اطفال .

و البعض الآخر أكثر تعقيدا بكثير مثل ذاك الذي ابتكره فراي .

"لقد عشت لوقت طويل جدا داخل عالمك الخاص ، الى ان اصبحت جزءا من ذلك العالم ." قالت السيدة ، ممسكةً بنايملس بين يديها .

الكتاب كانوا قادرين على دخول عوالمهم الخاصة ، لكن لا يجب عليهم البقاء بداخلها لوقت طويل . و الا ضاعت هويتهم و اصبحوا جزءا من العالم نفسه .

و هذا ما حدث لفراي على ما يبدو .

"كيانك محطم ، و ذاتك ناقصة ... لذلك لن تستطيع التواجد لوقت طويل هنا بالعالم الحقيقي ، و سيسبحك عالمك اليه قريبا . لذا استمع جيدا لما ساقوله لك ."

قالت السيدة ، بينما تجمد نايملس تماما امامها ، و كأن شيئا ما بداخله يجبره على تنفيذ كل كلمة تقولها له .

"عالمك ، كان المكان الذي اختير ليحضتن الحرب الكبرى ضد سادة الضباب ، و هو المكان الذي اخفينا به اداة الخلق ."

"الاداة الذي استخدمتها بدون اذن لتخلق ذلك الوحش البغيض ، الوحش الذي اسميته بنفسك ... أغاروث ."

"وحش استخدمته لينهي الخراب الشاحب و يقتله ."

أغاروث ... قد خلق ليكون الوجود الذي ينهي اودن .

لكنه تمرد و انقلب على خالقه محاولا ابتلاعه ، لكي يخرج من العالم المادي و يظهر بالعالم الحقيقي .

رغم فشله ، الا ان ما قام به كان حجر الأساس الذي ادى للوضع الحالي .

بعدما تعرض للغدر من قبل أغاروث و القتال الذي جرى من بعد الحرب ضد الخراب الشاحب ، ضاع وجود فراي و تحطم تماما ، و بات جزءا من العالم المادي ، يعيشه مرارا و تكرارا باسماء و هويات مختلفة .

"عندما يموت الكاتب داخل عالمه ، هو لا يموت بالكامل ... بل يستيقظ بالعالم الواقعي ، لكنك لم تعد ابدا مهما مت من المرات ، لان روحك تعلقت بالعالك ، و مخلوقاته ."

قالت السيدة ، قبل ان تستدير ناحية زوجها .

"بعدما علقت بالداخل ، دخل والدك عالمك مرة أخرى محاولا اخراجك ، و استعادة اداة الخلق ... لكنه فشل و اصبح هو الآخر جزءا من عالمك غير قادر على الخروج ."

"دخل اخوتك من بعده ، لكن ذلك الوحش البغيض قتلهم جميعا و طردهم خارجاً."

أغاروث قاتل جميع الابناء الذين دخلوا ، و ابتلعهم جميعا .. لكنه لم يستطع قتلهم لانهم استيقظوا جميعا ببساطة داخل العالم الواقعي .

و هذا ما يفسر ظهور سيث امام فراي ... الاخ الاصغر كان الاقرب من اخيه الاكبر و هو أكثر من حاول مساعدة اخيه رغم الهزيمة ضد أغاروث .

فترك النظام الذي ساعد فراي و قاده بحياته .

الاب فشل و اصبح اسيرا مثل ابنه البكر ، و بقية الابناء فشلوا بدورهم .

اما الام ، فكانت مجبرة على البقاء بالعالم الواقعي لان وجودها ضروري لصد اهوال الضباب و الحفاظ على التوازن .

"الكتاب لا يستطيعون العبث بعوالم بعضهم البعض ، لكنني انا و انت لطالما كنا الاستثناء ، فنحن اعلى من غيرنا ، لذلك حاولت العبث بعالمك و دفعك للخروج منه من تلقاء نفسك ."

"لهذا السبب قمت بانشاء الشياطين ، و جعلتهم مخلوقات لا تعيش سوى على قوة الحياة ، لكي تبيد و و تقتل كل ما هو حي ."

"مخلوقات خلقت خصوصا لجلب الموت ، و انهاء كل ما هو حي ."

كانت هذه هي الغاية من خلق الشياطين ، لانهاء العالم و دفع فراي للخروج . و هكذا خلق الشيطان الاول مانوس

"لكن ذلك الوحش البغيض علم فورا بما كنت أنوي عليه ، فذهب و نصب نفسه عليهم ملكا و قادهم بما يهواه ."

أغاروث لم يكن شيطانا من الأساس ، بل كيان مظلم مختلف بالكامل ، قوي بما فيه الكفاية ليقهرهم جميعا و ينصب نفسه ملكا عليهم .

"ارسلت اتباعي من بعدها ، امرت اودري بايجادك لكن تلك الفتاة عديمة الفائدة ظلت طريقها و باتت اسيرة ، اما التابع الاخر فرغم كفائته الا انه لم يفعل شيئا سوى المراقبة من بعيد و اخذ ابد الدهر دون أن يحقق اي شيء . لكنه ترك الدلائل التي قادتك الى هنا على الأقل"

ببطء ، زادت قوة امساك المرأة لنايملس .

"احتاجك هنا يا فراي ، احتاجك معي ، احتاجك لكي تحقق ما هو مقدر لك ، انت الوحيد القادر على بلوغ ما بلغته انا ، و كل ثانية تمضيها داخل ذلك العالم التافه تؤلم قلبي ."

"صبري ينفذ يا فراي ، صبري ينفذ و بلغ حده ... اخرج من هناك و ضع حدا للوحش الذي خلقته بنفسك ، و الا انهيته بنفسي ."

استمع نايملس القديم لكل هذا الكلام ، و كل هذا الجنون .

و معه استمع كل من فراي و نايملس الحالي .

تلك السيدة هددت بأنها ستنهي كل شيء بنفسها إذا ما فشل هو ، فإذا بشيء واحد يرن بعقولهم ..

"القارة الغامضة التي ظهرت من العدم .."

صبرها نفذ ، فقررت القدوم بنفسها ...

المستقبل بات بحالة من الفوضى ، و سر الماشي اتضح أخيرا .

آبراهام فعل المستحيل لكي ينقذ ابنه ، فكان يظهر داخل العالم المادي كلما ظهر فراي ، ليكون والده دوما .

اما عائلته ... فكانت نسخا طبق الاصل صنعها فراي من امه الحقيقية ، و اخوته الحقيقيين و هذا ما جعل الشبه بينهم هائلا ...

كانوا مجرد نسخ مزيفة ، ما عدا آبراهام الحقيقي الوحيد بينهم ، لذا كان الوحيد الذي تناسخ و ظهر من جديد .

ما الكوارث التي هزت العالم ، و ما كل تلك الاحداث ... سوى مأساة عائلة واحدة لم تقوى أن تتخلى عن طفلها البكر .

الشياطين و كل ما تسببوا به من دمار ، و حتى أغاروث .

كلهم جاءوا من خلال عائلة واحدة ، و اي عائلة هي هذه .

لطالما كان الامر ... يتعلق بالعائلة .

و الفرد الاكثر رعبا منها كان على وشك الظهور ..

الام ... كلِّيا .( Clea )

...

يمكنك دعم الرواية عن طريق منحها الاحجار او الهدايا في ويب نوفل .

2026/04/29 · 291 مشاهدة · 3739 كلمة
نادي الروايات - 2026