واقعا بين يدي والدته ، اكتشف نايملس الحقيقة المخبأة حول عالمه ، بالمثل فعل فراي الذي رأى كل شيء بعينيه ، و سمع ما قالته والدته باذنيه .
نايملس القديم بدا منهارا بعد اكتشافه للحقيقة ، فهي كانت ثقيلة جدا حتى بالنسبة لامثاله ، و بالكاد استطاع مجاراة ما كان يحدث .
اعينه دمعت ، و ارتعشت ، قبل ان تعود لوالدته .
"انت ... انت من خلق الشياطين ؟"
شياطين مظلمة قذرة تسببت بموت اعداد فلكية من المخلوقات الحية منذ ظهورهم الاول ...
كم عدد الكواكب ، و كم عدد الحضارات و كم عدد الاجناس التي ابديت تماما بسببهم ؟
جنس بني كرات كان واحدا من آلاف اخرين اندثروا بالكامل دون عودة .
و لن يكون من المبالغة القول ان المرأة الماثلة امامه هي السبب المباشر وراء ذلك .
ارواحهم جميعا ، اثمها و ثقلها يعود عليها هي ، لكنها لم تهتم و لو قليلا .
"لا تقل لي انك تهتم لأمرهم ؟" هي قالت هامسةً ببرود .
"ما هم سوى مخلوقات متكوبة من اقلامنا ، يمكن استبدالهم بأي وقت بسهولة تامة ."
كلماتها كانت تملك وزنا غريبا ، جعل ايا كان من يسمعها يقتنع بها بشكل سحري ، لدرجة ان نايملس نفسه قد سحر بها.
لا ... بل لانه كان ابنها الذي تربى على يدها ، هو سُحر أكثر من أي شخص آخر.
كلِّيا كانت مستعدة لقتل كل روح حية داخل عالم أرض البقاء لو تطلب الامر ، فقط في سبيل اخراج عائلتها منه ، و بلوغ ذلك الوحش أغاروث و الفتك به ثم استعادة اداة معينة ترقد بداخله .
كليا بدت باردة المشاعر ، حضورها مهيب و الهالة من حولها مثيرة للرعب.
كانت تملك وقارا خاصا بها ، و ثقلا جعل النظر في اعينها الياقوتية امرا بغاية الصعوبة ، و حتى نايملس وجد نفسه يخفض رأسه كلما تلاقت اعينهم .
لكن و رغم ذلك البرود ، الا ان كليا كانت تهتم حقا بامر عائلتها ..
بامر ابنها البكر ، و زوجها المحبوس بالداخل هو الاخر ... رغم انها لم تظهر هذا الاهتمام بشكل مباشر الا انه كان موجودا .
كانت سيدةً حازمة ، تدرك واجباتها و الدور العظيم الذي فرض عليها بصفتها حاملة لقب الكاتب الأول .
مسؤوليتها هذه هي ما جعلها تبقى بالعالم الاثيري طوال الوقت ، لان وجودها كان ضروريا لصد مخلوقات الضباب .
ولولا هذه المسؤولية ، لكانت دخلت عالم أرض البقاء منذ امد بعيد .
هي انتظرت و انتظرت لوقت طويل جدا ، و ما كانوا يرونه الآن ليس سوى محض ذكريات . لان المستقبل حمل تغييرا كبيرا .
كليا بلغت حدها ، بذلك قامت بشيء مجنون و تسببت بتداخل بين العوالم ، العالم الاثيري و عالم أرض البقاء .
هكذا اصبحت قادرةً على التواجد بكلا العالمين بآن واحد ، رغم ان ذلك فتح الباب امام المخلوقات من عالم الاثير لتدخل عالم أرض البقاء هي الاخرى ، من خلال تلك القارة الغامضة التي ظهرت من العدم .
القارة حيث تقاتل حاليا الاقوياء من عالم أرض البقاء غير مدركين بان تلك الأرض ليست سوى مدخل يقود لعالم اخر يحتوي اهوالا تفوق الخيال .
الكاتبة الاولى كانت قادمة ، تحمل هدفين لا غير .
اخراج عائلتها ، و قتل الوحش المسمى أغاروث .
لكن هذا هو الحاضر ، اما هذه الذكرى فهي من الماضي .
بذلك الوقت ، كانت كليا لا تزال مستعدةً للانتظار أكثر ، واضعة حمل المهمة على اكتاف ابنها .
لهذا هي وسوست لنايملس بكلماتها التي حملت وزنا خاصا ، تحاول اقناعه بمدى رخس المخلوقات التي تعيش داخل عالمه .
ثم عندما رأت تردده ، هي وضعت شفتيها بجانب اذنه هامسةً .
"لقد قتلت الكثير منهم بدورك ، الم تفعل ؟"
جاء هذا السؤال ، مسلطا الضوء على موضوع حساس .
نايملس ... و رحلته ، ابحاثه التي تسبب من خلالها بموت اعداد مروعة من المخلوقات الحية ، من كل الاجناس .
"لقد قتلتهم بيدك ، الكثير و الكثير منهم ... لربما تسببت انا يموت اعداد اكبر بكثير ، لكنني لم الطخ يداي بدمهم قط على عكسك ."
"كان الامر سهلا ، بغاية السهولة ... اليس كذلك ؟"
"لم تشعر بشيء عندما كنت تسلب ارواحهم ، كنت تراهم مجرد ادوات لتحقق من خلالهم ما تريد ، و لم تكن مخطئا بهذا ."
"فهم صنعوا و خلقوا ليلبوا رغبات خالقهم ، هذه هي الغاية من وجودهم."
"لذلك لا تتردد يا طفلي العزيز ، امضي و اقتل بقدر ما يتطلبه الامر ، أنهي المهمة الموكلة اليك ، و عد الي ."
صوتها توغل بسلاسة من خلال كل خلية تواجدت داخل جسد نايملس ، و فراي على حد سواء .
شعر و كأن كل ذرة من روحه ترغب بتلبية مطالبها ، و محاولة ارضائها و كان هذه هي الغاية و الهدف الاسمى من وجوده .
"أمي ... انا "
ارتعش نايملس قليلا بين ذراعيها ، و لم يحاول المقاومة قط ، لانه شعر براحة غريبة بين يديها .
و السبب بسيط .
لقد كانت والدته ، و على عكس ما اوحى مظهرها و سلوكها العجيب .. هي احبته و اهتمت لامره حقا .
مهما بدت قاسية ، و مهما اختلفت افكاره عن تلك الخاصة بها ، الا انه لم يحمل اي رغبة حقيقية لمعارضتها .
بل اراد ان يرتمي بذلك الحضن للابد ، و يكون الابن المطيع الذي لا يعصي والدته قط .
لكن و بنفس الوقت ، كانت مليارات الارواح تصرخ بداخل عقله. يسمعها بوضوح هي الأخرى من بعد لمسه للكتاب الاسود ..
فتلك اللمسة البسيطة قد عصفت بعقله و روحه على حد سواء و ارته كل خبايا عالمه ، و المخلوقات التي عاشت به .
لقد كانوا احياء ، لم يكونوا مجرد دمى او ادوات ، بل كانوا مخلوقات حية تطورت من تلقاء نفسها و بلغت ما بلغته .
لدرجة ان البعض منهم يحمل من القوة ما يجعله قادرا على ان يطغى حتى لو تم اخراجه للعالم الحقيقي الاثيري .
نايملس الذي كان يعاني من ازمة وجودية وجد نفسه يواجه ازمة أكثر حدة بكثير ، حيال المخلوقات التي دبت بها الحياة من خلاله .
و حصوله على المشاعر لم يزد من الامر سوى سوءا ..
الضغط الذي حمله على عاتقه من بعد معرفته للحقيقة ، و الضغط من والدته التي غرست سمومها داخل عقله بمجرد ادراكه للحقيقة .
نايملس القديم شعر براسه يكاد ينفجر ، كل هذا و لم يكن حينها سوى وجود غير مكتمل لا يستطيع استخدام قواه بشكل صحيح حتى .
فما هي سوى بضع دقائق قبل ان يبدأ عالمه بسحبه اليه من جديد بعدما رفضه عالم الاثير بحالته تلك .
جسده الحقيقي كان هناك بالخارج ، لكن روحه باتت حبيسة بالداخل رفقة والده المحب .
مستجمعا انفاسه ، نايملس القديم رفع راسه مواجها والدته بحزم ، باعين هي نفسها تلك التي امتلكها فراي .
"أمي .. أنا ابنك ." هو قال بحزم ، بينما بدأ وجوده يختفي من العالم الاثيري .
"انا ابنك ، لذا ثقي بي رجاءا ."
"سأصلح كل شيء ، سأفعلها بطريقة ما ، لذا من فضلك ... لا تعبثي بعالمي مرة أخرى ، ولا تتلاعبي بالمخلوقات التي كتبتها بنفسي ."
"انا اترجاك ..."
جسد نايملس تحطم كما يتحطم الزجاج ، بينما انحنى امام والدته مترجيا اياها ، خوفا من ان تخلق شيئا آخر اسوء من الشياطين .
او اسوء ..
تعيد كتابة اشخاص موجودين داخل عالم ارض البقاء و تغيرهم بالكامل.
نايملس وقتها كان لا يزال محتارا لا يعلم ما يجب عليه فعله ، لذلك احتاج الوقت .
و لم يرد أن يتم العبث بعالمه أكثر مما حدث بالفعل ، فالشياطين كانوا أكثر من كافين .
كليا كانت قوية جدا ، و نايملس فهم هذا جيدا بعدما ادرك الحقيقة أخيرا .
كان يفهم بأنها أكثر من قادرة على التدخل مجددا بعالمه ، و هذا ما لم يرده .
في تلك اللحظة ، هو لم يعلم السبب .
هل كان تحطم ابنها امامها ، الابن الذي قضت سنين طويلة تراه متجمدا لا يتحرك ...
او كان اشتياقها له ، و منظره البائس ذاك ..
هو لم يعلم الاجابة ، لكن كليا وافقت على طلبه و لم تتدخل مجددا بعالمه .
رغم انها لم تقل شيئا ، الا انها وثقت به فعلا و انتظرت لسنين طويلة جدا بعد ذلك تنتظر .
و حتى عندما لم تعد قادرةً على الانتظار ، هي اخترقت عالم أرض البقاء لكنها لم تعبث به من جديد .
لم تخلق أي مخلوقات شريرة أخرى ، و لم تتلاعب باي مخلوق . بل جاءت بنفسها هذه المرة رغبة منها بانهاء كل شيء .
و كأنها تعطيه الفرصة الأخيرة .
نايملس خرج من عالم الاثير من بعدها ، و خرج معه كل من فراي و نايملس من الزمن حالي .
عندما تم سحبهم بعيدا ، لم يستطع فراي سوى ان يحدق من بعيد بوجه والدته ، و مرارة تنهش صدره .
و مرة أخرى ، كليا حدقت به من جديد و كأنها تراه حقا .
لم تقل شيئا ، لكن اعينها الشبيهة باحجار السج قد نظرت اليه مباشرة ، و أوصلت الرسالة بالفعل .
و كأنها توكل المهمة له هو الآخر ، كما فعلت مع الجزء الآخر من كيانه .
فراي كان لا يزال يجهل الكثير عن عالم الاثير الذي بالكاد علم شيئا عنه ، لكنه بالمقابل اصبح يفهم كل شيء عن عالمه الخاص .
عالم أرض البقاء .
نايملس خرج من العالم الاثيري بعد ذلك . و فقد دفئ المشاعر من جديد بمجرد عودته للعالم المادي .
لكن ما رآه و عاشه ظل موجودا ، يثقل كاهله .
وقتها و بعدما عذبه الامر كثيرا ، قرر نايملس ان لا يتخذ القرار و يؤجله .. الا ان يكتمل وجوده ، و بعيد بناء كيانه المحطم .
بمجرد استعادة قواه ، و استعادته لنفسه بالكامل ... هو قرر ان ذاك الوقت الانسب لاتخاذ القرار .
مستخدما قدراته الاثيرية ، و الاورا المتقدمة الخاصة به ... هو فصل تلك الذكريات بالكامل من عقله ، كما ازال قواه الاثيرية هي الاخرى .
و منحها لاحقا لجيرمان ، الذي خبأها داخل جسده و جعلها جزءا من ذاته يحملها للابد معه الى ان يحين الوقت المناسب لكي يعيدها لصاحبها الاصلي .
سبب ختمه لقدراته ككاتب بذلك الوقت ، يعود لفهمه لما كان أغاروث يحاول تحقيقه .
فملك الشياطين يرغب بمغاردة العالم المادي ، و رؤية العالم الاثيري الحقيقي بعينيه .
لتحقيق ذلك ، هو حاول ابتلاع فراي و قواه بالكامل بالماضي البعيد ، و فشل حينها . و بات ينتظر الى ان تسنح له الفرصة له مرة أخرى .
نايملس ادرك انه سيقاتل أغاروث لا محالة ، و علم بانه سيخسر على الارجح .
لذلك قام بسحب قدراته و رماها بعيدا مدركا بان أغاروث لن يبتلعه إذا لم تكن تلك القوة بداخله .
لهذا السبب استطاع نايملس العودة لاحقا من خلال فراي ، و لم يسقط ضحيةً للوحش الذي يبتلع كل شيء .
و سبب آخر يبرر لماذا ابقى ملك الشياطين فراي حيا ، يسمح له بزيادة قوته دوما .
التحرر من ختمه كان احد الاسباب ، و استعادة فراي لقواه لكي يستطيع ابتلاعها كان الاهم .
نايملس القديم لم يكن مهتما يوما بالصراع ضد الشياطين ولا انقاذ العالم ، لكن كل شيء تغير من بعد معرفته الحقيقة .
لذلك بدأ منذ ذلك اليوم يتصرف كقائد حقيقي لطائفة الظلال و بنى هذه المنظمة المرعبة التي يعرفها العالم حاليا .
تخلى عن طبيعته المنفردة ، و دخل الحرب ضد جنس الشياطين و قاتل ضد أغاروث.
و استطاع ختمه بالنهاية على حساب حياته .
و قبل كل ذلك ، هو خطط للمستقبل البعيد حيث يجد القطع المفقودة من كيانه ، و يصلح وجوده المحطم .
مهمة اوكلها لجيرمان ، بعدما رأى آلاف المسارات التي تقود للمستقبل من خلال قدرة الاستبصار خاصته .
كانت مهمةً مستحيلة ، تطلبت من جيرمان أن يجول العالم لسنين طويلة جدا ، يتبع نبوءة تركها له سيده ، نبوءة بحث جيرمان من خلالها على الجزء المفقود و الضائع من كيان قديم اختفى منذ الازل .
النبوءة التي تركها نايملس لم تكن دقيقة ، و قادت للعديد من المسارات و الاحتمالات .
كوكب الارض لم يكن يوما بالوجهة الوحيدة ، بل مجرد واحد من مئات و آلاف .
الا ان جيرمان اتبع كل مسار و كل احتمال ، و جال الكون الشاسع يبحث عن ما اراد سيده ان يجده .
ازرق العينين فشل مرارا و تكرارا ، و انتهى به الامر بطريق مسدود بكل مرة .
و كانت السنين تمضي ، و الزمن يمضي ... و وعاؤه تحطم تدريجيا بكل مرة يفشل بها .
قوته ضعفت ، و تناقصت ... لدرجة ان القديس العظيم جيرمان فقد بريقه و بات مجرد شبح قديم يكسوه الاسود ..
شبح يجول الكون ، و يشهد باعينه على قيام حضارات و سقوط أخرى .
تحمل و تحمل ، و لم يفقد الامل مطلقاً ... الى ان قادته النبوءة لكوكب الارض .
الكوكب الذي وجد به ظالته ، المسار الذي ايقن فورا انه الصحيح .
فراي و نايملس كانا منذ البداية قطعا من ذات واحدة .
و لم يكن من الممكن ان يحيا اي منهما دون الآخر .
على عكس البيور ڤاسل و ما حدث له عندما قسمت روحه لاثنين ، و عاشت من روحه ارواح أخرى ..
اورستيد و سنو .
كلاهما كانا قادرين على التواجد بآن واحد .
لكن نايملس و فراي كانا مختلفين ، لا يستطيع سوى واحد منهما المضي . لانهما كلاهما ينتميان لمخلوق يعيش خارج اطار العالم المادي .
لذلك سعى جيرمان لاعادة نايملس ، من خلال فراي .
لتحقيق ذلك ، كان لابد من أن يبلغ كلاهما اقصى حدودهما ، و يستخرجا كل ما بداخلهما من قوة .
لذا هو ضغط كثيرا على فراي ، و جعله يعاني بكل مرة ليصبح اقوى ، و بالكاد نجح من خلال المعركة الاخيرة ضد أغاروث ، حيث بلغ جسده المرحلة النهائية من الفئة SSS ، بل و اخرج قواه ككاتب من خلال احراق روحه .
و هكذا ... بات الاندماج ممكنا .
جيرمان تحرك بالنهاية ، و اخذ فراي للمسرح الذي جهزه منذ وقت طويل و وضع القطع بمكانها .
الدرع و السيف حيث ترقد بقايا قوة نايملس و ذكرياته الكاملة ، جسد فراي الذي ايقض ذروة امكانياته ، و القطعة الاخيرة ..
الذكرى النهائية التي رقدت بداخله ، و كان موته شرطا ليتم تحريرها .
فاخرجها دون تردد ، و تمكن بذلك من انهاء مهمته على اكمل وجه .
فراي و نايملس الحالي شاهدا كل شيء من بعيد ، مدركين بانهم لم يحصلوا على ذكرياتهم فحسب ، بل ذكريات جيرمان ايضا .
فقوته و ذكرياته قد تم تمريرها أيضا بجانب الذكرى الاخيرة التي حافظ عليها .
قدراته كلها ، و معاناته ايضا قد باتت الآن جزءا من فراي .
بفضل هذا ، هو استطاع ان يفهم قليلا ما مر به ذلك الرجل ازرق العينين .
هو و نايملس شاهدا رحلته باكملها ، كما شاهدا رحلة نايملس القديم أيضا.
شاهدا كل شيء بينما تحدث الاثنان حول كل ما عاشوه و قاسوه حتى الان . و عن حقيقة العالم ، و حقيقة عائلتهم ، و ما يجب عليهم القيام به من الآن فصاعدا .
كان الامر معقدا ، ففراي اكتشف ان عائلته الحقيقية موجودة هناك بالخارج في عالم الاثير .
لكنه و بالوقت ذاته قد كون عائلة أخرى بالعالم المادي ، اخت يهتم لامرها و أشخاص يرغب برؤيتهم احياء يُرزقون .
من خلاله هو و نايملس ، كانت نسخة جديدة على وشك ان تولد .
النسخة النهائية التي لن تأتي نسخة من بعدها ، و الذات المكتملة من الكيان المسمى فراي .
نسخة اقوى من اي شيء آخر ، نسخة تستطيع استخدام الاورا و قدرات الكتاب أيضا .
قوة عظيمة تناطح تلك التي يملكها ملك الشياطين أغاروث .
لكن السؤال الاهم ... هو من اجل ماذا سيتم استخدام تلك القوة الجبارة ؟
هل ستصبح تلك هي القوة التي تنفذ العالم ؟ ام انها القوة التي ستدمره ؟
العبئ كان ثقيلا جدا ، و لا وجود لمخلوق حي قد يرغب بحمل عبئ كهذا .
بنهاية المطاف ، كان لابد من اتخاذ القرار .
قرار صعب ، لكنه و على غير المتوقع ... قد كان سهلا جدا على فراي و نايملس .
فبمجرد خروجهما من شعاع الضوء ، حدق كلاهما بالآخر ، و الفكرة ذاتها تنعكس من اعين كل واحد منهما .
"لا حاجة للتفكير ولا لاتخاذ أي قرار ، لان المسار قد رُسم بالفعل سلفاً "
قال فراي بصوت عكس بعض الراحة ، بينما سار بخطوات بطيئة رفقة نايملس داخل ما تبقى من عالمه الداخلي و ملاذهم الامن .
بحر الدم اختفى الان ، و اختفت معه كل الارواح التي احترقت جميعها حتى اخر حمرة بالقتال الاخر ، ما عدا روح ثاناتوس الخالدة التي احترقت بشكل ابدي بهدوء في نهاية العالم الروحي .
ما عداه ، لم ينجو اي شيء آخر ... باستثناء واحد لا غير .
كان سيفا ، سيف اسود غرس عميقا داخل الارض .
و من خلفه ، رسم مسار متعرج و شائك ، مسار قاد للكثير من الصدمات و الظلمات .
لكنه مسار وضعه كلاهما معا ، وضعاه زمن طويل بالفعل .
"الإجابة موجودة سلفاً ، و حقيقة هذه العالم لم تغير شيئا. "
"هي منحتنا القوة فحسب ، للمضي بذلك المسار ."
متمسكين بالمسار نحو النهاية الذي وضعاه معا ، اغلق كل من فراي و نايملس اعينهما ... فإذا بهما يتوهجان بآن واحد و ينبثق منهما ضوء عظيم انار العالم بداخلهما مرة بعد .
كلاهما بدأ يختفي تدريجيا ، تمهيدا لظهور الكيان الكامل و النهائي منهما .
الرجل الذي سيخوض ما تبقى من الرحلة ، و يضع حدا لكل شيء .
مأساة العالم المادي ، ملك الشياطين ، الضباب ، الكاتب الاول ..
كل شيء كان على عاتقه ، و فراي و نايملس كانا متأكدان منه انه سيبلي جيدا .
لانه قدر له ... ان يكون الاقوى على الاطلاق ، الرجل الذي لم يسقط أبدا ، و لن يخسر أبدا .
كل تلك التضحيات ،و كل تلك المعاناة ... من اجل ولادته .
و هكذا بدأ العد التنازلي الاخير لعودته ..
فراي ، الكاتب الاكثر موهبةً بين كل الكتاب .
ابن الكاتبة الاولى ، و الرجل الذي خطت يداه العالم الاكثر كمالا بين كل العوالم .
خالق أغاروث ، و الرجل الذي استطاع ايقاف الخراب الشاحب .
لوندور تم اختياره ليكون مسرح عودته ، ذلك الكوكب الميت الذي مات كل ما فيه منذ آلاف السنين .
ولد من جديد ، من داخل مقبرة قديمة .
و من تحت بحيرة السواد تلك ، و من داخل ظلماتها الحالكة .
هو فتح اعينه ، معلنا عودته أخيرا .