الارك الاول من المجلد الخامس : صعود عديم الاسم .
...
...
...
كان يوما بهيجا ، السماء زرقاء صافية ، و الجو منعش .
كوكب سيلفانور كان كوكبا معروفا ، يعيش به جنس فريد من نوعه افراده عبارة عن مخلوقات مميزة اجسادهم مشابهة جدا للبشر ، يقفون على قدمين و لهم ذراعين و برتدون ملابس ثقيلة .
معظم الوقت ، تكون ظهورهم مغطاة بعباءات طويلة رمادية من ريش ابيض اللون .
كل شيء بدا طبيعيا ، باسثناء رؤسهم الشبيهة بالذئاب ، التي دمرت الصورة البشرية عنهم بالكامل .
رؤوس ذئاب رمادية ، و اخرى سوداء .. و غيرها بيضاء .
كانوا محاربين فخورين ، يختصون بالاسلحة الثقيلة و المعارك الوحشية التي تتطلب تحملا عاليا .
و اليوم ، بدت حالتهم المعنوية مرتفعةً للغاية .
المستذئبون كانوا مجتمعين اللية على غير العادة ، باعداد كبيرة أمام قلعة عملاقة ، جدرانها من طوب اسود و اسوارها من معدن له نفس اللون .
المستذئبون تجمعوا امام بوابتها ، ينتظرون بصبر و طاعة ، يقفون يمنون النفس بأن تنادى اسماؤهم ، و يحصلوا على شرف ان يتم اختيارهم .
حراس القلعة كانوا مختلفين عنهم بالكامل ، اشبه بالبشر تعابير وجوههم متشددة .. خصوصا قائدهم الذي بدا غاضبا دوما .
"ياله من محارب عظيم .. انا لا أستطيع قياس مستواه مهما حاولت .." قال احد المستذئبين رمادي اللون ، وحش ضاري طوله مترين ، يحمل سيفا عظيما على ظهره ، و يجمع اذرعه المدرعة امام صدره .
عينه اليمنى كانت مجروحة ، و بدا مخضرما و جادا ..
نظره لم يفارق قائد الحراس ، وبدا مهتما به و كأنه يتوق لقتاله ، لكي يرى بام عينيه ما هو قادر عليه .
"توقف عن التحديق به هكذا ، و إلا هاجمك فعلاً ."
جاء مستذئب آخر ، جاذبا اهتمام الاول بعيدا عن الحراس ..
الرمادي استدار ، فوجد مستذئبا مماثلا له ، لكن اقصر و بكتلة عضلية اقل ، اسود اللون .
"يورا .. اتيت إذا .." قال الرمادي ، فأومأ المدعو يورا مبرزا انيابه مبتسما .
"مضى بعض الوقت ، سيلڤرفانغ ."
حياه يورا ، ثم استدار نحو القلعة و الحماس باد عليه .
"ما كنت لافوت هذا أبدا ، و لو تطلب الوصول الى هنا الركض لايام "
توسعت ابتسامة سيلڤرفانغ ازاء سماع هذا ..
"تبدو واثقا ، أتظنهم سيختارونك حقا ؟"
"و لما لا ؟ فأنا احد اقوى ذئاب الليل !" صاح يورا ، و استل سيفا طويلا بدا اشبه بالكاتانا ، لكن اكبر بكثير .
كاتانا عظيمة إذا ما صح التعبير .
"أنظر اليك تتفاخر ، اراهن انك ستموت فورا لو تم اختيارك ، فقد سمعت أن المختارين يتم ارسالهم لاسوء و اقسى ساحات المعارك على الاطلاق .. و لا يعود سوى القليل منهم ."
هز يورا رأسه ازاء سماع هذا .
"انا لا امانع الموت من اجله ، فنحن ندين له بالكثير ."
"بهذا ، انت اصبت " قال سيلڤرفانغ ، معيدا نظره الى القلعة المظلمة المهيبة .
من حولهم ، كان عدد كبير جدا من المستذئبين حاضرا ، بعضهم يهلل بنشاط ، و البعض الاخر يعوون بصوت عال منسقين فيما بعضهم البعض .
بدوا سعداء حقا ..
"لولا انقاذه لنا ، لما استطاع إخوتنا الابتسام و الضحك بهذه الطريقة ... نحن مدينون له حقا " قال سيلڤرفانغ ، اعينه تبدي نظرة بعيدة باتجاه القلعة المظلمة .
"لكنني اتساءل حقا يا يورا ، هل من الصائب رمي هذه الحياة التي بالكاد استعدناها للتو ، لخدمته .. و الموت من اجله ؟"
اعين سيلفرفانغ حملت مزيجا معقدا بين الامتنان ، و الشك و عدم اليقين .
كان يعلم ان الكثيرين سيتم اختيارهم اليوم ، و اغلبهم سيموتون بساحة المعركة بكل تأكيد .
"نحن نرد ديوننا يا سيلڤرفانغ و لا ننكر الجميل ، ولدنا للقتال و لن نستطيع الهرب من ساحة المعركة أبدا و انت ادرى ." قال يورا ، مظهرا نيته للقتال و الموت بكل سرور ، فتنهد سيلفرفانغ مهموما ..
"اتمنى ان يجنب العاجزين عن القتال على الاقل ، ولا يأخذ سوى اقوانا ."
منى سيلفرفانغ النفس ، آملا أن يحصل بني جنسه على هذا القدر من الرحمة ، فتنهد يورا بدوره يشك بالامر ..
"بني جنسنا محاربون بالفطرة ، لو كنت مكانه لاخذت جميعنا فكلنا قادرون على القتال .. لكن لنتمنى يا سيلفر ، لنتمنى أن يكون رحيما "
بمجرد انهاء يورا المستذئب الاسود لكلامه ، دوى صوت بوق عظيم من العدم جاذبا انتباه الجميع ناحية القلعة ، مخرسا اياهم و معلنا ساعة الحقيقة .
الرجل الذي بدا غاضبا صعد المنصة ، و اعلن بصوت عميق ضرب كالزلزال مجبرا الجميع على الاستماع إليه : "ليتقدم من يتم مناداته ، فالورد عديم الاسم قد وصل و سيبدأ التعميد !"
بمجرد اصداره لهذا الاعلان ، تصلبت وجوه الكثير من المستذئبين .
ابدى بعضهم الحماس ، و اخرون التوتر و الخوف .
مشاعر متضاربة اختلفت من واحد لآخر .
بعضهم رآه منقذا ، و البعض الآخر مجرد ملك آخر يطمع بقوتهم ..
لكن الدين يظل دينا ، و يجب تسديده .
و سرعانما اعلن الرجل الغاضب عن الاسم الاول الذي افتتحت القائمة به .
"الذئب الرمادي ، سيلفرفانغ !!"
بمجرد اعلانه للاسم ، استدار معظم المستذئبين ناحية المنشود منهم ، يعرفونه جميعا بما انه كان جنرال الحرب الخاص بهم .
سيلفر تفاجأ قليلا ، قبل ان يضحك بتكلف : "جديا .. انا الاول ؟"
"هذا طبيعي ، فانت اقوانا ... ام انك نسيت ؟" قال يورا مبتسما .
فتنهد سيلفر و تقدم للامام مستجيبا للنداء .
شعبه و بني جنسه بشكل عام قد نظروا اليه نظرة اعجاب ، و تقدير . وفتحوا الطريق من اجله الى ان بلغ بوابة القلعة المظلمة .
سيلفر خرج من الحشد ، و برز امام الحراس و ذلك الرجل الغاضب الذي حدق به من الاعلى .
ثم رمى المستذئب عباءته ، و اعلن باعلى ما لديه مقررا المضي حتى النهاية ..
"اسمي سيلفرفانغ ، قائد الذئاب الرمادية ! اتخلى عن سلطتي و مكانتي ، و اسمي !"
قال سيلفر ، قبل ان يضيف بعد بعض التردد .. بعدما فكر بهذا القرار لايام و ايام ..
"ولائي من الان فصاعدا يعود لعديم الاسم ، و انتمائي سيكون لطائفة الظلال العظيمة !!"
سحب سيلفر سيفه العظيم ، قبل أن يطعنه داخل الأرض عميقا ، و يركع على ركبة واحدة مظهرا احترامه .
فأومأ الحارس الغاضب راضيا ، و فتحت البوابة امام المستذئب الرمادي .
"تقدم ." قال آنغري ، مرحبا باول المنضمين . فدخل سيلفر .
المستذئب تقدم بخطوات ثقيلة ، و دخل البوابة .
فإذا بتدفق مرعب من الهالات يصرعه ، جاعلا اياه يتجمد مكانه .
جسده ارتعش ، و اعينه عكست صدمته بشكل مثالي ، بعدما ادرك ان الحارس الغاضب الذي انبهر بقوته لم يكن لا الثاني و لا الثالث .. و لا حتى ضمن أقوى عشرة بالمكان الملعون الذي اوشك على دخوله .
"تحرك ، ايها المستذئب الرمادي ... فاللورد بالانتظار ."
جاء صوت آنغري مرة أخرى معيدا سيلفر الى رشده ، فواصل المشي على مضض .
'فهمت .. فهمت جيدا ما ترمون اليه يا طائفة الظلال .'
زمجر المستذئب ، و دخل بعدما ادرك ان هذه كانت طريقة الطائفة لفرض هيمنتها عليه ، و جعله يفهم مكانه جيدا ، و لتحطيم اي افكار غير ضرورية قد تتكون داخل عقله .
كانوا يعلمون ان بني جنسه يملكون حواس متفوقة حساسة للهالات ، فاستغلوها احسن استغلال .
رغم الضغط المروع ، سيلفر شق طريقه بفخر بينما قاده اثنان من الحراس ، احدهما مبتسم على الدوام و الاخر يبدو حزينا .
المسيرة استمرت بضع دقائق ، و مر المستذئب بعدة اماكن داخل القلعة المهيبة ، لكنه كان مخدرا بتلك الهالات ذهنه مشتت ، غير قادر حتى على التركيز بما تواجد من حوله .
و سرعانما بلغ وجهته ، و فتحت الابواب امامه بواسطة الحراس ، و تم الكشف عن قاعة مهيبة ، احتضنت اسماء ثقيلة اغرقت المستذئب المسكين بضغط من عالم اخر .
لدقيقة كاملة ، فقد سيلفر الوعي واقفا .. غير قادر على التحمل .
القاعة كانت ممتلئة ، يمينا و يسارا تراقب العديد من الاعين المتوهجة ، تتفحص كل شبر منه .
الطريق كان مفروشا امامه ، و بنهايته تواجد عرض عظيم مظلم جلس عليه رجل بدا شابا ، شعره رمادي طويل ، يرتدي درعا اسود مذهلا ، و قناع من نفس اللون اخفى وجهه .
على يمينه وقف رجل بمنتصف العمر ، اسود اشعر بعضه مبيض ، و على يساره عجوز قديم متهالك يتكئ على عصا .
الجالس فوق العرش رفع يده ، فإذا بتدفق الهالات يتوقل بالكامل ، و لاول مرة منذ وصوله ...
استطاع سيلفر التنفس .
عديم الاسم مد يده له ، فنظر اليها جنرال المستذئبين باعين دامعة ، فقدت كل جديتها و قسوتها بعدما صفعته هالات الموجودين لوحدها .
فتقدم مطأطئا رأسه ، الى ان بلغ عديم الاسم و ركع على ركبة واحدة امامه . مظهرا احترامه .
فقال الملك عديم الاسم اولى كلماته له .
"إرفع رأسك ، سيلفرفانغ من الذئاب الرمادية ."
هو قال بصوت حمل لطفا ، عاكس كل توقعات المستذئب الذي ظن انه يتعامل مع طاغية .
مرتبكا ، رد بتردد : "انت .. تعرف اسمي ؟"
أومأ عديم الاسم .
"بالطبع اعرف ، كما اعرف اسماء كل المتواجدين بهذه القاعة "
"أنت منحتني اسمك ، اسم سينساه العالم اجمع ، عالم سيتعرف عليك كجندي لطائفة الظلال من الآن فصاعدا ."
قال عديم الاسم ، قبل ان تضيء اعينه قليلا بوهج بنفجسي عميق ..
"لكنني لن انساه أبداً . و بهذا انا اعدك ."
سيلفرفانغ التزم الصمت ، لا يعلم ما يجب عليه قوله .
هو خاف منهم ، خاف من كل تلك الوحوش التي احاطت به يمينا و يسارا ، لكن الغريب بالامر ..
هو أنه لم يشعر بأي خوف مماثل من الملك عديم الاسم امامه .
لم يشعر منه باي شيء ، لا ضغط ولا حتى ذرة قوة .
بدا مجرد رجل عادي يجلس فوق عرش ، لكن سيلفر لم يكن بالغبي ، و فهم ان الماثل امامه اقوى من كل الموجودين ،و الا كيف جمعهم تحت إمرته ؟
لكن و رغم خوفه ، تشجع سيلفر و قال ما لديه :
"س...سيدي ، إعذر وقاحتي و سامحني على جرأتي ." قال سيلفر متلعثما ، قبل ان يضيف :
"أنا اتوسل اليك ، خذ ما تريد من محاربي بني جنسي الاشداء ، لكنني ارجوك ان تترك الضعفاء منهم ، النساء و الاطفال .. و العجائز ."
أخفض سيلفر رأسه اكثر ، راجيا اياه .
"لقد نالوا حريتهم بفضلك ، و استعادوا قدرتهم على الابتسام أخيرا ... فارجوك الا تسلبها اياهم !"
اغمض سيلفر اعينه ، و انتظر الرد المدوي خائفا ، لكن شجاعا بما يكفي ليتحدث عن بني جنسه جميعا .
فجاء الرد من عديم الاسم بطريقة لم يتصورها قط .
الملك امامه نزع قناعه ، و كشف له عن وجهه .
فابتسم فراي له ، و فك الغموض عن نفسه بالكامل .
"لا تجعلني اكرر كلامي ، سيلفرفانغ فسبق و اخبرتك ان ترفع رأسك ."
"انت لست بحاجة للركوع لتطلب مني شيئا كهذا ، و بالطبع .. انا لم انوي قط استغلال العاجزين منكم ، فلك ان تطمئن ."
قال فراي ، جالبا الدفئ لقلب المستذئب الذي ظل ينظر اليه باعين محمرة .
"أنا لم آتي الى هنا ، لاسلبكم حريتكم . بل لاعرض عليكم الخيار لا غير ."
مد فراي راحة يده ، فتشكلت دائرة غريبة من خلالها ، ارجوانية اللون تغطيها رونية عظيمة .
"اكشف لي عن صدرك و اقبل هبتي ، و انضم لي ."
"او ارفض ، و اخرج من طائفتي و ارضي ."
قال فراي ، تاركا الخيار بيده بالكامل .
في تلك اللحظة ، تشكلت ابتسامة على وجه العجوز ماسكيث الذي كان يراقب من يساره ، بعدما انتبه للتلاعب بكلام فراي .
فرغم انه منحه الخيار بالكامل ظاهريا ، الا انه لم يذكر ابدا ما سيحدث له في حال الرفض .
و لم يكن من الصعب تخمين الجواب .
لكن ايا من هذا لم يكن ضررويا ، لان سيلفر امتثل فورا ، مفتونا .
هو ازال ذرعه ، و كشف فورا عن صدره .
صدر بعضلات بارزة يكسوها الفراء .
فأومأ فراي و ابتهج ، ثم مد يده و منحه هبته أخيرا .
الدائرة الرونية حفرت على صدر سيلفر الذي اصدر انينا متألما ، لكنه تحمله ببراعة .
و تم التعميد أخيرا .
"مرحبا بك بطائفة الظلال ، سيلفرفانغ ."
هو رحب به ، فضرب المستذئب صدره مانحا اياه ولاءه .
و بات سيفه مكرسا لخدمة فراي دون سواه . و بالمرة القادمة التي سيستخدمه بها ، ستكون بأمره ، بساحة المعركة التي يختارها عديم الاسم .
و سرعانما خرج سيلفر ، و تم استدعاء المحارب الذي بعده .
بالطبع ، كان هذا اجراءا يقوم به فراي مع الاقوى منهم فقط ، بينما يتم التعميد مع بقية المستذئبين بقيادة ماسكيث . الذي فهم جيدا ما كان فراي يقوم به .
العجوز تنهد ، و الرهبة بادية عليه بعدما رأى الام من خلال الابن .
من جهة اخرى ، حدق آبراهام بصمت نحو ظهر المستذئب الذي غادر ، قبل ان يستدير ناحية ابنه .
"الى متى ، سنستمر بفعل هذا ؟" هو سأل ، فرد فراي :
"إلى أن انال ما يكفي من الارواح "
آبراهام لم يبدو راضيا عما كان يحدث ، لكنه تحمله واضعا ثقته بابنه الذي كشف له الكثير مؤخرا .
اما ماسكيث فقد بدا سعيدا جدا و راضيا بعدما اكتشف اخيرا السبب وراء رغبة فراي بجمع طائفة الظلال مجددا .
فاول ما فعله عديم الاسم بمجرد اعلانه لعودته ، هو تعميد جميع اتباعه عن طريق منحهم ما سماه .. بالهبة .
'تلك ليس بهبة .. بل لعنة حياة او موت .'
تأثيرها كان بسيطا ، هي فقط تطبق القدرة السادسة من تأقلم الظلال على جميعهم ، جانب الموت منها تحديدا .
فلكما قتل احد اتباعه الذين يحملون الهبة شخصا ما ، يتم حبس روحه و نقلها فورا لفراي الذي بات متصلا الان مع كل مقاتل داخل طائفة الظلال .
كل روح تموت على ايديهم ، كل دماء تزهق بواسطتهم ..
ستكون سببا مباشرا بزيادة قوته .
طائفة الظلال تحركت بعنف و عدائية غير مسبوقة ، متسببين بمجازر لا تعد ولا تحصى ، تحت راية عديم الاسم الذي آمنوا به جميعا .
'اجل يا فراي ، هذه هي ..' ابتسم ماسكيث بشكل اكبر ، باعجاب شديد ابرزته عيناه .
'إستغلهم جميعا ، إستعملهم كيفما تشاء .. فهم محض ادوات بين يديك .'
هذه هي طريقة التفكير الصحيحة ، لكاتب حقيقي .