مرت طقوس التعميد بسلاسة ، و لم ستطلب الامر سوى نصف ساعة بالكاد ، تعرف من خلالها فراي على معظم قادة جنس المستذئبين .
قام من خلالها بضمهم جميعا له كاسبا ولاءهم ببراعة ، و تاركا ختم الحياة و الموت عليهم جميعا .
نشر "الهبة" كما كانوا يسمونها أصبح مسؤولية ماسكيث بعد ذلك ، الذي تكبد عناء وسم آلاف المستذئبين المختارين بنفسه .
انهاء عمله تطلب اياما بالعادة ، و هذا ما جعل فراي يمضي بعض الوقت بكوكب سيلفانور .
هذا الاخير كان لا يزال جالسا على مقعده ، و لم يتبقى سواه و اهم اتباعه و حلفائه داخل القاعة المهيبة التي بنيت من اجله .
من بعد مغادرة ماسكيث و انتهاء التعميد ، تقدم فردان من طائفة الظلال ماثلين امامه .
الاول محارب عظيم بجسد طاغي جلده من فولاذ ، و الاخر عملاق يمشي على اربع مرتديا درعا اسود مزخرفا بالذهب .
الكسندر رايباك و فولغور كانا قادة الطائفة بشكل عام ، و جنرالات الحرب الابرز بها .
مكانتهما هذه جعلتهما على علم تام بكل تحركات الطائفة العسكرية ، و الحروب الكثيرة التي دخلتها مؤخرا .
و قد كانت كثيرة ... كثيرة جدا .
"بانضمام المستذئبين ، نكون قد جمعنا 15 جنسا مختلفا داخل طائفة الظلال ، اجمالي تعداد القوات بلغ ما يقارب 100 الف مقاتل بصفوفنا ." قال فولغور بصوته العميق القديم ، عارضا الارقام التقربيبة من بعد ضم المستذئبين .
الثالث بطائفة الظلال التزم الصمت قليلا بعد ذلك ، مترددا قليلا حول ذكر الارقام الموالية ، لكنه قالها على أي حال ، فهذا كان واجبه .
"بالمقابل ، أنهت الحروب التي تسببنا بها ما يزيد عن العشرين حضارة ، آخرها تلك التي كانت تضطهد المستذئبين منذ وقت ليس ببعيد ."
أومأ فراي ازاء سماع هذا .
جنس المستذئبين كان يعيش بحالة حرب مستمرة ضد جنس آخر عاش معهم على نفس الكوكب ، وحوش شبيهة بهم لكن اكثر ذكاءا منهم لكثير .
المستذئبون كانوا اقوياء ، لكن بدائيون جدا مقارنة باعدائهم المتطورين ، فهزموا شر هزيمة و تم استخدامهم كالعبيد .. بل و تم تقليص اعدادهم كثيرا و قتل الكثير منهم .
استمر الوضع هكذا لسنين ، الى ان وصلت طائفة الظلال التي قلبت مد الحرب بسرعة مرعبة باقل من شهر واحد .
"تأكد من ابادتهم جميعا ، ولا تترك ايا منهم حيا .. اه، و حبذا لو تستخدم جنود المستذئبين الجدد فهم يحملون حقدا دفينا ضدهم ." قال فراي مغمضا اعينه و ابتسامة لطيفة مرسومة على وجهه .
"كما ترغب ." رد فولغور باحترام ، و كان على وشك تشريف فراي لكنه امتنع باللحظة الاخيرة .
متذكرا نهي فراي لهم عن مناداته باللورد او الملك عند مخاطبته بشكل مباشر .
جنرال الحرب العملاق لم يبدو معتادا على طريقة الكلام المباشرة بعد مع سيده ، رغم مرور 6 اشهر كاملة بالفعل منذ اعادتهم لبناء طائفة نايملس القديمة تحت اسم طائفة الظلال الأن .
الطائفة لم تعد كما كانت بالماضي ، حيث انهم افتعلوا عشرات الحروب منذ ظهورهم الجديد ، و كانوا نشيطين جدا .
لدرجة ان تحركاتهم غطت احيانا على اخبار القارة الغامضة التي احتجزت اغلب جبابرة عالمهم .
فمعظم الاقوياء اختفوا هناك و انقطعت اخبارهم ، و بعدما كانت أرض الفرص ، باتت الان اشبه بمقبرة تبتلع كل من يدخلها ، جاعلةً الكل يتحاشاها ..
بعدما انعدمت الاخبار عن القارة ، بما ان لا احد هناك يستطيع نقل ما يحدث بالداخل لهم ..
باتت طائفة الظلال حديث الساعة ، حيث اربكت تحركاتهم العالم باسره .
فهم استهدفوا الاجناس بشكل عشوائي ، يظهرون بين ليلة و ضحاها متسببين بمجازر و حروب ضارية من طرف واحد ..
قائدهم عديم الاسم اشتهر باستهداف الكواكب التي تشهد صراعات مثل تلك التي حدثت بين المستذئبين .
فيبيد احد الجانبين ماحيا اياهم من الوجود ، و ينصر الجانب الآخر جاعلا اياهم اتباعا لطائفة الظلال .
معايير الاختيار ، كانت مبهمة بالكامل بل و عشوائية تماما أحيانا .
مبنية بالكامل على تفضيلات الملك عديم الاسم .
بدا الامر غير عادل للبعض ، و مثيرا للغضب عند البعض الاخر .
فكيف لرجل واحد تقرير مصير اجناس كاملة ، ينقذ من يشاء منها و يبيد من يشاء .
لكن الغريب ، هو ان ايا من اتباعه لم يفكر بهذه الطريقة . الاقوياء منهم على الاقل .
كانوا يحملون ايمانا اعمى به ، يهاجمون اينما اشار لهم بسيفه الاسود ، و ينقذون كل من يختارهم دون سؤال او اعتراضات .
إيمانهم به بلغ مراحل خطيرة ، جعلت الكثير يشبهونهم بالطوائف الدينية المتعصبة ... بل لربما تجاوز الامر ذلك بكثير .
في ظرف ستة اشهر ، انقذت طائفة الظلال حياة الملايين .
و بالمدة ذاتها ، مات بسببهم اضعاف هذا الرقم .
و نظرا لتواجد اغلب القوى السبع العظمى و من يقاربهم قوةً داخل القارة ، لم يعد هنالك من يقوى على الوقوف بوجه منظمة كهذه .
"إذا ما كان لدى اي منكم ما يقوله ، فهذه هي فرصتكم جميعا ." أعطى فراي الضوء الاخضر ، مشيرا لكل قادة الطائفة بالتقدم و قول ما لديهم .
كانت العديد من الوجوه القديمة حاضرة ، عظيم الأرض كان موجودا ، غوست هو الاخر جاء رفقة أدير المصنف الرابع داخل الطائفة .
و بالوقت نفسه ، جاءت وجوه جديدة مختلفة لم تكن مشاركة بالحرب التي جرت غمارها بكوكب الارض .
هم نادرا ما اجتمعوا هكذا ، و طقس التعميد الخاص بالمستذئبين كان احد المرات القليلة التي يجمعهم بها سقف واحد .
فنظرا لضيق الوقت ، كان فراي يرسل احدهم او اثنين منهم بكل مرة بشكل منفصل لقيادة المحروب التي تشنها الطائفة .
و هذا ما جعله قادرا على جمع 15 حضارة تحت امرته ، و اباد 20 باقل من ستة اشهر .
بمجرد منحه اياهم الحق بقول ما لديهم ، كان الكسندر رايباك اول المتحدثين .
كان هو الثاني بالطائفة لوقت طويل ، و من بعد موت جيرمان .. اصبح الكثير من القدماء يرونه الرجل الثاني من بعد فراي .
رغم أن هذا الاخير كان يبقي والده آبراهام اقرب ، بالإضافة لماسكيث .
"إعذرني على السؤال ، لكنني مضطر للاستفسار ... لقد مضت ستة اشهر منذ اعادة بناء الطائفة ، و لم نفعل شيئا منذ ذلك الوقت سوى شن الحروب و تجنيد الجنود"
"كنت اعتقد أننا سنتوجه فورا للقارة الغامضة ، فهناك حيث يتواجد ملك الشياطين و معظم اعدائنا الحقيقيين .."
ما اراد الكسندر الاستفسار عنه ، كان موعد ذهابهم للقارة حيث تجري اقوى المعارك التي سيحدد معظمها مصير العالم .
مقارنة بما يجري هناك ، بدت الحروب التي شنتها طائفة الظلال دون قيمة و معنى .
ردا ، اجاب فراي دون تردد .
"لا فائدة من الذهاب ما لم يكن فوزنا اكيدا يا الكسندر ."
هو قال ، متطلعا للامام اعينه تنظر بعيدا و كانه يرى تلك القارة العجيبة بوضوح .
"تلك الأرض التي يتوق معظمكم لدخولها مختلفة كثيرا عما تعتقدون ."
"هي أرض الفرص اجل ، ولا ريب بذلك فمصير من يدخلها قد يتبدل بين ليلة و ضحاها سواءا للافضل او الاسوء ."
"لكنها تخفي اهوالا لا يستطيع عقل اي منكم تخيلها ." نبرة فراي تغيرت عند ذكره للنقطة الاخيرة .
القارة الغامضة كانت ارضا تنتمي للعالم الاثيري بالاصل ، أي ان دخلولها يشبه عمليا دخول العالم الاخر الواقعي و الخروج من قوقعة العالم المادي .
متحررين بذلك من قيود الكتاب .
كان هذا أكثر من يتوق له ملك الشياطين اغاروث .
لكن التحرر يعني ايضا انه سيكونون مضطرين لمواجهة اشياء جاءت من عالم آخر تماما ، عالم يعج باشياء غريبة لا يفهمها عقل المخلوقات المادية .
"القارة تخفي الكثير من الاهوال ، ملك الشياطين اغاروث موجود هناك ، كما يتواجد حاليا اثنان آخران بنفس خطورته داخلها ."
"ذهابنا الآن لن يغير اي شيء ."
ما قاله فراي جعلهم يدركون انه لم يدخلوا القارة باي وقت قريب ، و سيواصلون القتال بالعالم المادي لوقت اطول .
تحركات فراي هذه لم تأتي من فراغ ، و لم يكن قلقا قط من الوصول متأخرا .
فسبق و شرح لهم جميعا ، ان القارة محاطة بتشكيل معقد جدا من المتاهات المتشابكة فيما بينها .
و تجاوزها جميعا سيتطلب سنة على اقل تقدير ، حتى ملك الشياطين نفسه لم يكن استثناءا .
فالمتاهات كانت مبنية و مصممة لتأخيرهم قدر الامكان ، و الكاتبة الاولى بنفسها هي من بنتها هكذا .
بمعنى آخر ..
"لا أحد دخل القارة الحقيقية حتى الان ، و جميعهم عالقون بمتاهة لا نهاية لها ليس الا ."
كان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل فراي لا يقلق من الوصول متأخرا .
فاسرار القارة الغامضة لم تكن لتكشف سوى بعد مرور سنة واحدة على الاقل . و هذا ما يجهله معظم من دخلها بما في ذلك ملك الشياطين بنفسه .
هذه الاجابة ارضت فضول الكسندر الذي احنى رأسه قليلا متفهما .
الثاني داخل طائفة الظلال بلغ اوج قوته بعد سنين طويلة امضاها لا يفعل شيئا سوى التدريب ، لذا هو لم يعد يرغب بشيء سوى القتال ضد خصوم مساوين له او اقوى منه ، و هذا كان احد اسباب نفاذ صبره .
فمن بين كل الحروب التي شنتها الطائفة مؤخرا ، لم يكن هنالك و لو خصم واحد استطاع الصمود ضده .
ما جعل رفاقه بالطائفة الخصوم الوحيدين الذين يستطيعون مقارعته . و القتال ضدهم بنزالات ودية لم يكن مشابها لخوض المعارك الحقيقية حيث يضطر للمخاطرة بحياته .
من بعد الكسندر رايباك ، جاء الدور على فرد آخر من الطائفة لقول ما لديه .
و كانت إمرأة هذه المرة ، وجه جديد تماما لم تنضم لهم الا مؤخرا .
و هي لم تكن بالعادية بكل تأكيد .
بدت شبيهة بالآلة ، بشرتها شديدة البياض بشكل مبالغ به ، تعطي احساسا معدنيا .
طولها كان بحدود الاناث بكوكب الأرض ، لكن شكلها بدا مختلفا جدا .. اعينها كانت سوداء اللون بالكامل ، تتخذ هيأة شبه سائلة .
فقليل من ذلك السواد قد غطى خديها و ما تحت عينيها ، لتبدو و كأنها دموع ذرفتها و علقت بوجهها لوقت طويل .
بدت مشوهة ، فمؤخرة رأسها كانت مفتوحة بالكامل ، و لم يكن هنالك اي عقل بها ، بل مجرد اسلاك عجيبة بدت مثل الشعر .
فراي ابتسم قليلا عندما رآها تتقدم طلبا لمحاورته .
"نورث إذا ؟ بالطبع . تقدمي للامام و تحدثي عما تريدين " هو اعطاها الاذن .
فانحنت قليلا بخفة ، قبل ان تمثل امامه .
و باتت جميع الاعين عليها .
نورث كانت مميزة ، فهي الوحيدة التي استطاعت الحصول على رتبة قيادية داخل الطائفة من بين جميع الاجناس الخمسة عشرة التي انضمت مؤخرا .
قدراتها بشكل عام كانت فريدة من نوعها و مختلف عن معظم ما رآوه جميعا .
نورث امتثلت امام فراي ، و تحدثت لاول مرة بصوت آلي تماما لدرجة انه بدا مصطنعا .
"سيدي ، سمعت انك قادر على التلاعب بالحياة و الموت أفضل من اي شخص آخر بهذا العالم ."
فراي أومأ ردا .
"هذا صحيح ."
مؤكدا ، نورث سكتت قليلا آخذة بضع ثوان للتفكير قبل ان تتابع .
"رغم فوزنا بمعظم الحروب التي خضناها ، الا ان الكثير منا قد مات بالمعركة. "
"الا تستطيع اعادتهم جميعا للحياة ، بواسطة قواك ؟"
كان هذا سؤالا منطقيا ، فلو كان فراي قادرا على احياء أي شخص باستخدام قوته ، فهذا يمنحه عمليا جيشا خالدا يستطيع اعادة احياء افراده متى ما اراد .
لكنه لم يقم باعادة اي من كان يموت بالحروب ، تاركا اياهم يموتون دون عودة و هذا ما اربك نورث قليلا .
و حدث المثل لقادة طائفة الظلال سابقا .
هم علموا بالسبب بالفعل ، على عكسها هي التي لم تنضم سوى مؤخرا .
فشرح لها فراي دون تردد .
"انا غير قادر على اعادة جنود طائفة الظلال الموتى ، فهذا غير ممكن ." هو قال ، قبل ان يصحح نفسه .
"غير قادر على اعادة الموسومين منهم ، لأكون دقيقا ."
"فهذا هو شرط تفعيل الهبة التي منحتها لهم جميعا ."
قراي بات قادرا على اعادة احياء من يموتون عن طريق احتجاز ارواحهم و صنع اوعية جديدة لهم يعودون للحياة من خلالها .
و الاوعية باتت مثالية الان من بعد استعادته لقوى الاثير الخاصة به .
لكنه لم يعد قادرا على اعادة اولئك الذين يحملون هبة الحياة و الموت الخاصة به ، و كان هذا هو شرط حصوله على ارواح من يُقتلون و تلاعبه بقوانين الحياة و الموت .
فمن يحمل الهبة ، تصبح روحه مقيدة تماما مثل اولئك الموتى ، فتصبح روحه وقودا يزيد فراي قوته من خلاله .
فراي لم يذكر هذه الجزئية الاخيرة بطبيعة الحال ، و اكتفى بذكر سبب عدم قدرته على احيائهم .
بالنهاية ... جنود طائفة الظلال هم الاخرون كان من المقدر لهم التعرض لنفس مصير اولئك الذين قتلوهم بايديهم .
على السطح ، قيل انه ضم 15 حضارة ، و اباد 20 أخرى .
لكن الواقع، هو انه لعن 35 حضارة محاولا اياهم لارواح يحرقها متى ما شاء في سبيل تغدية قواه المتزايدة .
و كان هذا هو سبب العبوس الدائم الذي ابداه آبراهام ، و السعادة الغامرة لماسكيث .
الحقيقة هي .. أن فراي كان يقودهم لمسار جديد تماما ، مسار من الموت و الدم ..