إكتشف فراي حقيقة صادمة ، حول المستقبل الذي رأته العرافة .
اغاروث لم يكن أبدا النقطة المحورية من النبوؤة ، بل عامل ثانوي تعامل معه الكتاب سريعا رغم الخطر الذي قد يشكله مستقبلا .
بعد كل شيء ، اغاروث بذلك الزمن كان ضعيفا جدا و يمكن قتل خطورته سريعا قبل ان يفعل اي شيء .
لكن و على عكسه ، اودن قصة اخرى تماما . فالخراب الشاحب ليس بالكيان الذي يمكن التعامل معه بسهولة .
العرافة تنبأت بعودته ، و لم يكن هنالك من طريقة لمنع ذلك فهم لم يكونوا يعملون كيف سيعود اصلا من بعد نهايته في الحرب الاولى بين الكتاب و سادة الضباب .
"بالوقت الحالي ، اظن أن المجلس يريد ابقاء امر اودن سرا قدر الامكان . فلا فائدة من نشر خبر عودته و لن يتسبب سوى بانتشار الذعر " عرضت ليا الوضع الحالي ، ما جعل فراي يدخل بتفكير عميق حينها.
"امي .. الكاتبة الاولى ، مالذي قالته بهذا الشأن ؟" هو سأل و الفضول يعتريه ازاء القرار الذي خرجت به والدته بعد معرفتها بامر عودة اودن .
ليا اخذت بضع ثوان تحاول تذكر رد فعل كليا ، و مالذي قالته بالضبط ، و سرعانما استحضر عقلها الذكرى الصحيحة من بين آلاف الذكريات و النبوءات التي تملؤ عقلها .
"الكتاب الذين جاؤوا معها بدو مذعورين عند سماع اسم الخراب الشاحب .. لكن الكاتبة الاولى لم تبدي اي رد فعل يذكر ، بل فقط طلبت كل التفاصيل قبل ان تغادر لاحقا .."
تشكلت نصف ابتسامة على وجه فراي ازاء سماع هذا ..
"كما هو متوقع منها ، اعصابها من حديد ." مفكرا بالامر ، حاول فراي التنبؤ بما قد تفعله والدته مستقبلا إذا ما عاد اودن حقا ..
"بما انها لا تملك طريقة تسمح لها بمنع عودته ، فالمواجهة ستكون الخيار الوحيد .." كان هذا هو الاستنتاج الذي خرج به ، و أومأت ليا ردا .
"الكاتبة الاولى .. كليا هي الاقوى على الاطلاق بتاريخ الكتاب قاطبةً ، اقوى حتى من الابطال السبعة السنة واجهوا الخراب الشاحب بالماضي ، كما اننا نملك السلاح الاقوى اداة الخلق ، يفترض ان يكون هذا كافيا " هذا ما قالته ليا ، و كأنها تحاول اقناع نفسها .
كلامها لم يكن خاطئا بالضرورة ، لكن فراي رآه متفائلا أكثر من اللازم .
اداة الخلق كانت سلاحا قويا بالفعل و قد زادت قوته على مر السنين و سبق ان تم استخدامه ضد اودن .
اداة الخلق هي سلاح يشبه الصولجان ، يجمع كما هائلا من الاثير الخاص بالكتاب الاوائل القدامى و قوة الرون الخاصة بهم .
فكلما يصل كاتب اول الى نهاية حياته ، هو يترك كل الاثير الخاص به باداة الخلق .
هي سلاح قادر على التلاعب بالواقع ، و تغيير المفاهيم و قلب الموازين . و حتى بدونه ... كليا كانت قوية جدا بالفعل و لربما لن تحتاجه من الاساس .
"لكن .. لن يظهر اغاروث و اودن بنبوؤة واحدة .."
وجد فراي نفسه يفكر بالامر ..
"الا يعني هذا .. انه سينجح بمغادرة عالم ارض البقاء بالنهاية ؟"
ليا أومأت .
"بما انه تصادم مع الخراب الشاحب في النبوءة ، فهذا يثبت نجاحه ... لكن هذا ليس بالشيء الذي يجب ان يحدث .." ارتعشت اعين ليا ، متذكرة ما رأته .." فهو بدا مخيفا بنفس قدر الخراب الشاحب عندما رأيته .. ذلك لم يكن اغاروث الذي اعرفه ، هو ليس المخلوق الذي صنعته يداك يا فراي ، بل شيء اخر تماما ."
"مخلوق مظلم ظله كبير جدا لدرجة انه قادر على ابتلاع عوالم كاملة ."
بينما وصفت ليا ما رأته ، ظل فراي هادئا يراقبها بصمت ..
لم يسبق لمخلوق مكتوب و ان نجح بمغادرة العالم الذي رسمه كاتبه له . فهذا يعتبر امرا مستحيلا بالعادة .
الا ان المستحيل بات ممكنا الان وفقا للنبوءة ، الهدف الذي سعى فراي و اغاروث لتحقيقه ليس ببعيد عن منالهما .
هو لم يرد ان يضحي بكل ما عملا من اجله ، حتى ولو كانت النبوءة تقف بطريقهما ، مدركا بأن اغاروث قد لا يتمكن من المضي للامام ابدا إذا ما ظل على هذه الحال .
"ليا ، فالتنظري إلى المستقبل الخاص بي ." طلب فراي بنبرة جادة ، ماداً يده للعرافة التي حدقت به بدهشة .
"لكن فراي .. انت تعلم ان هذا امر محظور .." ردت ليا بارتباك محدقة يمينا و يسارا خوفا من ان يسمعهما احدهم .
رون الاستبصار الخاص بها كان قويا جدا ، و دقته مثالية بشكل مخيف ، ما جعل الكثيرين يرغبون بمعرفة مستقبلهم الخاص من خلالها .
على عكس التنبؤات العشوائية التي تراها العرافة بالعادة ، هي تستطيع اعطاء رؤيا دقيقة لمن تلمسهم حسب طلبهم .
إذا اختار المعني معرفة من سيتزوج مثلا ، او طريقة موته .. مستقبله ، حاضره .. اي شيء .
كلها أمور ممكنة من خلال قدرة العرافة ، لكن المعرفة المسبقة قد تؤدي للعبث بمصير عدد كبير من الاشخاص ، ما جعل طلب الرؤى الشخصية من العرافة امرا محظورا .
"لا بأس يا ليا ، فأنا لا انوي العبث بقانون السببية .. كل ما اريده هو التحقق من شيء ما ."
"التحقق من شيء ما ؟" سألت ليا .." مالذي تريد التحقق منه بالضبط ؟"
ردا ، اجاب فراي بجدية .
"اريد معرفة مصير عالمي ، عالم أرض البقاء ." كان طلبا فريدا حقا ، جعل ليا تندهش ، فلم يسبق لاحد ان تكبد عناء توجيه طلب كهذا من اجل عالمه .
عالم ارض البقاء جاء من خلال فراي ، لذا كان من الممكن تحقيق شيء كهذا من خلال فراي بنفسه .
ليا لم تبدو معارضة ، لكن طلبه لم يكن سهل التنفيذ اطلاقا ..
"انت تعلم انني لا أستطيع السماح لك بفعل شيء كهذا ، يا إبن كليا ." و جاء صوت ماسدور مصحوبا بضغط خفيف انبثق من العدم ، مجبرا فراي و ليا على الالتفات ناحيته .
فراي استطاع الشعور بهالتين اخريين بالقرب منه ، ما اثبت ان محادثته الاخيرة مع ليا قد كانت مسموعة لهم جميعا .
"ماسدور .. يبدو اننا سنبدأ النزال الذي طلبته مني مبكرا ." قال فراي بابتسامة واسعة متخذا وضعية تسمح له بالقتال .
و هذا ما اثار عبوس ماسدور الذي لم يتوقع أن يذهب فراي لهذا الحد ..
”احقا ترغب بفعل هذا ؟ فحتى ولو كنت ابن تلك المرأة .." تنهد ماسدور ، مشيرا لرفاقه بالخروج . "انت لن تتمكن من هزيمة ثلاثتنا لوحدك ."
فراي كان محاطا بثلاثة من اقوى الكتاب بالفعل ، احدهم حامل سابق للقب الكاتب الاول .
رغم ذلك ، هو لم يبدو متأثرا بالضغط الذي فرضوه عليه .
"لن نعرف ما لم نحاول ." مستخدما الاثير الخاص به ، بالإضافة لكمية مهولة من الاورا .
استعد فراي للقتال ، و بالمثل فعل كل من ماسدور و الكتاب الاخرين الذين رافقوه .
"اعلم ان المجلس لن يتساهل معك هذه المرة ، حتى لو خرجت منتصرا من هنا بطريقة ما ." حذر ماسدور مرة اخرى ، آملا بأن يتوقف فراي عن جنونه ، لكن الاخير لم يبدو مستعدا للخضوع مطلقا .
بل أومأ فقط قائلا : "انا على دراية تامة بهذا ." ثم استدار ناحية ليا معطيا اياها نظرة ذات مغزى .
العرافة بدت مرتبكة ، لكنها أومأت بتردد قبل ان تبتعد عنه ما اراح ماسدور و الكتاب الاخرين كثيرا بعدما كانوا يخشون ان تتخذ جانب فراي .
بما ان المعركة كانت 3 ضد 1 .. الكاتب الاول السابق و من معه لم يترددوا اطلاقا ، و بادروا بالهجوم فورا .
ثلاثتهم امتلكوا قوة عظيمة ، و رونيات قوية .. خصوصا ماسدور الذي حمل روناً قويا جدا من نفس فئة رون فراي .
رغم ذلك ، تعرض ثلاثتهم للاصابة فور اشتباكهم الاول مع فراي . بل فور دخولهم لنطاقه و الاقتراب من مسافة محددة منه .
هم لم يفهموا ما حدث ، فهم تعرضوا للضرب من قبل قوة غير مرئية لم يستطع احد منهم الدفاع ضدها .
عندما سالت دماءهم ، استيقظ الثلاثة من غفلتهم متذكرين ان الماثل امامهم هو ابن كليا ، الذي وصف بانه الوحيد القادر على ان يخلفها ..
واضعين هذه الحقيقة بعين الاعتبار ، هم قاتلوه بكل ما لديهم . لتبدأ بذلك معركة طاحنة بين نخبة الكتاب ، قتال حدث بعيدا عن اعين الجميع .
المعركة التي جمعتهم لم تدم سوى 10 دقائق بالكاد ، و قلائل هم الذين علموا عنها فقد تم التستر عليها عمدا .
الاكيد ، هو ان فراي خسر تلك المعركة بعدما استسلم بالنهاية ، و ترك ماسدور و الاخرين يقتادونه بعيدا عن مكان العرافة التي ظلت صامتةً حتى النهاية .
فراي خسر ، لكن هل فعل حقا ؟
اودري سمعت عما حدث لاحقا ، و زارت فراي عندما كان سجينا بداخل المجلس جراء ما قام به .
هو لم ينكر الامر و اعترف بالخسارة ، لكن ماسدور بدا مزعجا جدا لاحقا عندما تم سؤاله عما حدث بالضبط من طرف كليا ..
فوفقا له .. فراي كان مسيطرا تماما على المعركة طيلة الدقائق العشر قبل ان يستسلم بالنهاية .
لماذا رفض مواصلة القتال و توقف بتلك الطريقة ؟ ماسدور لم يعرف الاجابة أبدا لكن ما حدث تركه غير راض ، و شعر بالاهانة الشديدة ، لدرجة ان اودري ظلت تتذكر ملامح وجهه بوضوح شديد ..
لطالما كانت تحركات فراي مبهمة و غير مفهومة ، و هذه كانت احداها .
احتجازه لم يدم طويلا نظرا لاستسلامه ، هو اصبح محظورا من رؤية العرافة ، لكن حصل على الحرية للتحرك كما يريد على الاقل .
و كان اول ما قام به ... هو العودة الى عالمه الخاص به الكعادة ، ما جعله يبدو كشخص ميؤوس منه تماما ..