بأحد أعمق زنزانات المجلس ، حُجزت احد تلك الغرف الباردة باسم غير متوقع ..
وحيدا ، امضى فراي عدة أيام بالظلام عالقا داخل سجنه المؤقت . و كان هذا حكما تم اتخاذه من بعد عصيانه و قتاله ضد حراس العرافة .
بالعادة ، عقوبة القيام بشيء كهذا يفترض أن تكون اقسى بكثير و قد تصل للموت حتى .. لكن استسلام فراي بنهاية المعركة و باخذ نسبه كابن الكاتبة الاولى بعين الاعتبار ... تم تخفيف الحكم عليه كثيرا .
هو امضى معظم وقته وحيدا ، و فقط اودري وحدها من كانت تأتي من حين لآخر لزيارته رغم انه لم يُسمح لها سوى ببضع دقائق فقط .
لكن و من خلالها ، فراي كان مضطلعا بالكامل على ما يحدث بالعالم الخارجي على الاقل .
ممضيا ايامه يتأمل بصمت ، وجه فراي ابدى بعض معالم الألم من حين لآخر ، و هذا بسبب الاصابات التي تعرض لها بعد القتال ضد الكاتب الاول السابق ساندوك و الكاتبان الاخران اللذان رافقاه .
المعركة تركت فراي مصابا باكثر من موضع ، خصوصا الجرح الغائر على كتفه و الثقب بجانب بطنه الايمن .
"كما هو متوقع من كاتب اول سابق ... التعامل معه ليس بالامر السهل .." تذمر فراي متنهدا مطولا .
ثم القى بنظرة بعيدة على ما تواجد خلف زنزانته ..
كان سجن المجلس اشبه بالمتاهة الضخمة ، مدينة كاملة بنيت لاحتجاز كل انواع المخلوقات .. و بسماء مدينة السجن تلك .
فراي استطاع لمح عين عملاقة تراقب كل شيء باستمرار من بعيد .
كانت عينا فضية تشع بضوء فريد ، عملاقة بشكل هائل و تعطي شعورا مريرا لكل من يحدق بها .
وجودها بحد ذاته كان تعذيبا نفسيا للسجناء ، فهم مراقبون دوما . فراي تعرف على تلك العين بطبيعة الحال ، فهي كانت تخص الكاتب المسؤول عن السجن باكمله ، رجل قاسي صارم ، و قوي بشكل جنوني ايضا .
كان هو سبب معاناة فراي الحالة ، و تألمه من جروحه ...
"الجروح التي تسبب لي بها الكاتب الاول السابق خطيرة بالفعل ، لكنها ليست بالاصابات التي لا يمكنني التعافي منها .." مسح فراي الدم من جرح كتفه ، فوجده لا يزال ينزف و كأنه تعرض للاصابة حديثا منذ دقيقة واحدة لا غير ، و ليس عدة أيام .
"كما هو متوقع من سيد السجن .. قدراته ليست بالبسيطة اطلاقا .."
سيد السجن هو كاتب بدوره ، و يملك رونا فريدا من نوعه يجعل الاثير الخاص به يتلاعب باهدافه ، و يجعل التعافي امرا مستحيلا عليهم . فتبقى الاصابات التي يتعرضون لها مفتوحة دون علاج تنزف بلا توقف حتى يموت الهدف او يصبح عاجزا عن القتال .
فراي كان يستنزف الكثير من قوته كل يوم لمجرد البقاء حيا و لكي لا ينزف حتى الموت .
رغم ذلك ، و رغم تبلل الزنزانة بكم مهول من دمائه ، الا ان جراحه و تلك العين العملاقة لم يكونا أكثر ما ازعجه .. بل شيء اخر تماما .
' ليا .. اي مستقبل هو هذا الذي اريتني اياه ؟' تساءل فراي و الانزعاج باد عليه .
سابقا ، و قبل بداية المعركة هو طلب من العرافة ان ترى مستقبله الخاص ، و هذا ما يعتبر امرا محظورا بين الكتاب .
فإذا ما استخدم شخص واحد قوة العرافة بشكل فردي و غير مستقبله الخاص، فذلك يؤثر بشكل مباشر على مصير كل من حوله .
لهذا السبب يتم التعامل مع العرافة و نبوؤاتها بحذر شديد و عناية فائقة ، فالكتاب يستخدمون قوتها للتأهب و الاستعداد للكوارث المحتملة لا غير ..
فراي كسر القاعدة ، فهو راى مستقبله الخاص بالفعل و هذا ما لم يدركه احد . فليا لم ترفض طلبه قط و كانت تثق به ثقة عمياء . و بينما اشترى هو الوقت بقتاله لحراسها ، كانت تقوم لِيا بنقل مستقبله الخاص له دون علم احد .
الوقت الذي استغرقته العرافة لتمرير الرؤيا ، كان الوقت نفسه الذي استغرقته معركته ضد الحراس ، فاستسلم طواعيةً بمجرد حصوله على ما أراد .
لقد نجحت خطته و سار كل شيء كما اراده تماما ، باستثناء شيء واحد لا غير ...
"ليا .. مالذي ارتيني اياه بحق الخالق ؟" تعرق فراي ، مغلقا اعينه بشدة مستحضرا الرؤيا .
العرافة نقلت له النبوءة على شكل مشاهد متفرقة ، بعضها واضح و بعضها الاخر مبهم و غير مفهوم .
المعضلة الكبرى لم تكن بمحتوى النبوءة وحده ، بل بالاطار الزمني الخاص بها . فهو لم يعلم اي جزء من مستقبله قد جاءت به العرافة .
هل ستتحقق الرؤى بعد شهر ؟ سنة ؟ عشر ؟ كم بالضبط ؟
فراي لم يستطع ان يحدد ، و لم يكن له سوى ان يستحضر الرؤى من جديد داخل عقله .
المعضلة الثانية ، كانت بعدد الرؤى التي مررتها له ليا ، فهي لم تره واحدة فقط ، بل عدة نبوءات دفعة واحدة .
بعد التركيز قليلا ، وجد فراي نفسه يخوض غمار الرؤيا الاولى بالفعل .
'أفتح عيناي الاثنتان ، و اجد نفسي امشي داخل ضباب كثيف ، يخدر حواسي و يحجب رؤيتي ، ضباب اخطر من كل ما واجهت حتى الان . السماء بالاعلى مظلمة قاتمة ، و ارى بعض النجوم تزينها .. على عكس الضباب ، السماء واضحة و صافية .. ولا تربكني مطلقا .'
كلما دخل النبوءة الاولى ، يمشي فراي بالطريق ذاته مرارا و تكرارا الى ان يبلغ قلب الضباب ، و يرى ذروة الخراب .
'بمجرد ان تبلغ قدماي اعماق المكان ، يتجسد الضباب و يجتمع مشكلا هيأة عملاقة يتجاوز حجمها كل ما رأيته بحياتي حتى الان ، وحش الضباب الناتج ضخم بما فيه الكفاية ليبلغ السماء المظلمة بالاعلى .'
'الوحش يمد ذراعيه الهائلتين ، فيمسك بالسماء و يضمها بين ذراعيه ، السماء تقاوم و النجوم تتوهج بضوء عظيم مبهر يضرب وحش الضباب باستماتة ، لكن ايدي الضباب تحاصر السماء ، و ينتهي به الامر بأسرها تماما ، فتختفي سماء الليل الصافية تلك ، و يتم حجبها هي الاخرى بالضباب .'
شاهد فراي المشهد الملحمي لصراع العمالقة من الاسفل ، غير قادر على القيام باي حركة ، فهو كان ضئيلا جدا مقارنة باولئك العمالقة ، فكيف لفرد ان يقارن بالسماء ، و بوحش يستطيع امساكها بين يديه من ضخامة حجمه ؟
"بمجرد امساكه للسماء ، وحش الضباب ينزل رأسه نحو الاسفل ، فيحدق بي بتلك الاعين الذهبية القاتمة ، اعين بحجم يتجاوز الكواكب من عظمتها ، فاجد نفسي غير قادر على الاتيان باي حركة ، و كل ما أستطيع فعله هو الجمود مكاني بينما يهوي العملاق الضبابي نحوي ."
و تنتهي النبوءة بعد امساك الضباب بعنان السماء ، و التفاته نحو فراي .
هذا الاخير راى عدة احتمالات لما رآه ، و فسره باكثر من طريقة ، فتفسير الضباب لم يكن بالامر الصعب و من الواضح أنه يرمز لسادة الضباب ..
"لكن ضباب بهذا الحجم .. وحش كذاك ، لا يوجد سوى كيان واحد يمكن له ان يكون طاغيا بهذا الشكل .." رغم انه كره الاعتراف بذلك ، لكن شيئا كهذا لا يناسب احدا سوى الخراب الشاحب ولا احد سواه .
اما السماء المرصعة بالنجوم .. فوجد فراي نفسه غير قادر على تحديد ماهيتها الحقيقية . لديه شكوكه ، لكنه رفض الاعتراف .
و اسوء ما في الامر ، هو ان الوحش قد التفت اليه بالنهاية .
ملتقطا انفاسه ، دخل فراي النبوءة الثانية .
و كان هذه المرة يجلس داخل مكتبة الكتاب القديمة ، يفتح بين ذراعيه كتابا قديما عتيقا .
فراي امسك قلم حبر بيده اليمنى ، و كان يكتب بهدوء على صفحات الكتاب الفارغة .
"كانت لحظات هادئة افتقدتها كثيرا ، فكم مضى من الزمن منذ استخدمت قلما حقيقيا ؟ تلك الايام البسيطة عندما كان والدي يعلمنا الكتابة انا و اخوتي ، قبل الانتقال لاحقا لتعليم امي البارد و الصارم ." النبوءة جعلت فراي يغوص بذكرياته القديمة ، مستمتعا بشعور قديم كان قد نساه تماما .
الكتابة و اجواء المكتبة اعطته سكينة و راحة عميقة افتقدها كثيرا ، لكن الراحة لم تدم .
ففجأة و بدون سابق انذار ، يتفشى الضباب و يبدأ بتدمير الصفحات ، و بعثرة الكلمات .
فراي يحاول التصدي له على عجل ، لكن دون فائدة فالضباب دمر الكثير من الصفحات ، و تآكلت الكلمات منه دون رحمة .
"الكلمات التي اخذت كتابتها سنين طويلة .. قد تبخرت امام عيني بثوان معدودة ، فوجدت نفسي امسك بقلمي و اكتب بقلق ، تاركا الحبر الاسود يمتزج بالضباب الملعون ."
القلم كتب ، و الحبر الاسود خرج منه بكميات كبيرة .
المزيد و المزيد من الحبر ، حبر كثير جدا التهم الضباب ، و بدلا من الصفحات الملوثة ، نتج عن محاولة فراي اليائسة صفحات اخرى سوداء من فرط الحبر القاتم الذي استخدمه .
الحبر الاسود اوقف الضباب ، و اصبح الكتاب مظلما بالكامل نتيجة لذلك ، لكن الحبر لم يتوقف عن التسرب .. و واصل المضي الى أن لطخ ما تواجد حول الكتاب ، و اصاب فراي هو الاخر ..
الحبر الاسود ملأ يده ، ثم ذراعه و صعد بسرعة مروعة مغطيا وجهه و باقي جسده .
الحبر كان باردا ، يحمل معه احساسا غريبا جعل فراي يشعر و كأنه يسقط داخل هاوية لا قاع لها ..
القلم ضخ حبرا كثيرا جدا ، لدرجة ان المكتبة باكملها قد غرقت بالظلام ، و فراي فقد انفاسه هو الاخر بداخله .
فيستيقظ فراي ، و تنتهي النبوءة الثانية .
و لم تكن ابسط من الاولى بتاتا ، بل و أكثر تعقيدا . لكن الضباب لا يزال حاضرا و كأنه لعنة قد التصقت به .
و تأتي من بعدها النبوءة الثالثة .
و كانت اكثرهم فوضى ، و اكثرهم ارباكا على الاطلاق .
فبلوحة شاسعة ، راى فراي الضباب مرة اخرى قادما من بعيد ، و راى السماء المظلمة المرصعة بالنجوم ، و راى الحبر يتسرب و يسيل بينهما ، و كانه ينزف دما ، و راى اشكالا لمخلوقات كثيرة و متنوعة ، بعضها يطير و بعضها يمشي و بعضها الاخر يزحف ، و من فوق الحبر ، كان القلم من النبوءة الثانية موجودا .
القلم نفسه الذي امسكه فراي سابقا و تسرب منه كل ذلك الحبر ، لكن القلم لم يصمد هذه المرة .
فبدا و كأن العالم باكمله قد اجتمع عليه ، و حاصره .. فتشقق القلم و بدأ ينكسر ، و مع ازدياد الضغط و احتدام الصراع .. ينفجر القلم اخيرا و كأنه قطعة من الزجاج ، تتناثر شظاياها بكل مكان و بكل الجهات .
فيركض الجميع كالمجانين يلحقون خلف الشظايا ، كلهم معميون ببريقها المذهل ، و يدخل العالم مرحلة جديدة تماما مبهمة لا يعرف احد عقباها ..
ثم تبدأ النبوءة الرابعة فورا .
و هذه المرة، استطاع فراي فهم ما رآه .
لقد كانت حربا طاحنة ، على مستوى لم يرى مثيلا له من قبل .. حرب من ضخامتها بدت و كأن كل مخلوق حي قد شارك بها .
الفريد في الحرب ، هو ان كل جانب من جوانب القوى المشاركة بالحرب قد حملت احد شظايا القلم الذي انكسر سابقا ، يتمسكون بها و كأنها السلاح الاعظم .
فيتقاتلون فيما بينهم و يدمرون بعضهم البعض، فتتشكل بحار من الدماء ، و جبال من الجثث و تنشأ ارض جديدة مبنية من العظام .
بنهاية الحرب ، يخرج ثلاثة رجال لا غير .
احدهم مظلم قاتم تحيط به النار
احدهم شاحب ضبابي يحيط به الموت .
و اخر يحمل القليل من كليهما ، رفقة قوة عظيمة تدمج الاسود و الابيض .
و يكون الفائز منهم ، هو ملك الخراب الاخير .
فراي لم يعد يستطيع ضبط انفاسه ، و دوما ما يتمزق عقله عند بلوغ هذه المرة من النبوءة ..
و كأن عقله يتفتت الى ملايين القطع ، لكنه صر على أسنانه و صمد حتى النهاية ، ليرى بذلك معالم النبوءة الخامسة ، و الاخيرة .
هذه المرة ، يبدو و كأن كل شيء قد انتهى ، المعركة لم تعد قائمة ، و قد ظهر الفائز الاخير .
بدا و كأنه رجل خرج من الجحيم ، يزحف بعدما انتصر على الاخرين ، مظهره مشوه و ملامحه غير واضحة ، اصاباته ثقيلة و اعينه لا تظهر اي ضوء .
يسير الرجل وحيدا ، بعدما انتصر ... لكنه يسقط بالنهاية بمجرد سيره بضع خطوات بعيدا عن خصومه الذين هزمهم .
الرجل يتخبط ، و يحاول النهوض مرارا و تكرارا .. بدا و كأنه يعاني ، و يرفض الاستسلام ..
بدا و كأنه تعذب كثيرا ليصل الى تلك النقطة ، لكن قوته قد خانته ، جهوده قد خانته ، و خارت طاقته و انتهى حظه اخيرا .
فسقط هو الاخر ، بعد دقائق معدودة من انتصاره العظيم ، لينضم بدوره الى جبل الجثث و تنتهي الملحمة دون فائز .
لاحقا ، تبدأ بعض النفوس المسكينة المشوهة بالنهوض من تحت الجثث ، و يخرج الناجون . كانوا ضئيلين و مشوهين ، اكثرهم حظا قد خسر طرفا واحدا على الاقل .
يصعدون جميعا للاعلى حيث مات الجبابرة الثلاثة ، فيلعنونهم ، ثم ينطلقون بعيدا هربا من عالم لم يظل به شيء سوى الموت ، فيهيمون بالارض بحثا عن الخلاص الى ان يدركهم الموت بدورهم .
بمجرد انتهاء كل شيء ، ينهض فراي من جديد فاتحا اعينه داخل سجن المجلس .
مذعورا ، يحاول فراي التنفس بشكل صحيح ، لكنه بالكاد قادر على ذلك ، جسده بتعرق بشدة و جروحه المفتوحة تسرب المزيد من الدم .
فتتساقط قطرات العرق و الدم على حد سواء فوق ارضية السجن ، لكن فراي لا يهتم باي من ذلك .
ممسكا برأسه ، و عقله الذي شعر به قد تحطم تماما ... يبدو الرعب واضحا على وجهه .
"لقد كانت تلك الرؤيا الاخيرة .. الاكثر رعبا حتى الان ." قائلا بصوت خافت مرتجف ، حاول فراي استعاب ما مر به بشكل صحيح .
حجم الموت الذي رآه ، و تلك النهاية المأساوية التي عاشها .
"ما كان هذا ؟ اهو مصيري ؟ ... اللعنة !" لعن بصوت عالي ، لاكما الارض من تحته بقوة شديدة جعلت السجن باكمله يهتز .
انفعال فراي المفاجئ و استخدامه للاثير الخاص به دون وعي سبب رد فعل عنيف ، فالعين بسماء السجن قد توهجت بقوة و إذا بضغط عظيم يسقط على اكتاف فراي مجبرا اياه على الخضوع من شدة قوته .
"اررررغغغ !!" اطلق فراي تأوها ، البقاء جالسا لوحده بات امرا صعبا ، و كأن الجاذبية قد تضاعفت مئات المرات عليه هو وحده .
لوهلة ، الغضب و الارتباك مما رآه قد سيطرا عليه ، و كاد يهتاج بعدما عبرت افكار مظلمة عقله .
"هل ادمر هذا السجن بكل ما فيه فوق رأسك يا آدم ؟!!!" صرخ فراي باسم سيد السجن مهددا ما تسبب بارتعاش عنيف .
بدا و كأن المعركة باتت حتمية الان ، و تفجير فراي للسجن مسألة وقت لا غير .. لكن ابن الكاتبة الاولى تعقل باللحظة الاخيرة و تمالك نفسه .
'التمرد لن يجلب لي اي فوائد .. مالذي افعله ؟'
معاتبا نفسه ، ابعد فراي هالته و خضع بالنهاية بضغط سيد السجن . ليتوقف بذلك الزلزال ..
زوال تلك الفوضى قد سمح أخيرا لاصوات باقي السجناء بالمرور ، فاصبحت مسموعة بوضوح .
كان الذعر قائما ، و كثيرون صرخوا بخوف من انهيار كل شيء ، فمجرد تصادم الهالات بين فراي و سيد السجن تسبب بهلع كهذا .
سيد السجن آدم كان كاتبا قويا جدا ، يعتبر ضمن احد أقوى 5 داخل المجلس . و هو احد القدماء .
المعركة بينه و بين فراي كانت لتسبب بكوارث جمة ، لكن و لحسن الحظ .. تلك المعركة لم تحدث قط .
لاحقا ، تم تمديد مدة عقوبة فراي ، و بات مجبرا على قضاء وقت اطول داخل السجن بسبب الاضطراب الذي تسبب به .
هو لم يعارض ، و قضى فترة عقوبته بهدوء مستغلا اياها للغوص بالنبوءات الخمس مرارا و تكرارا لعله يفهمها بشكل أفضل ، ما قد يساهم بتجنب المستقبل الاسوء .
لكن المعضلة الاساسية ظلت قائمة ، فهو لم يعرف الاطار الزمني لتلك النبوءات الخمس و متى ستحدث بالضبط .
بحالة كهذه ، لم يكن له من خيار سوى الاعتماد على حدسه و الثقة ببصيرته .
طوال فترة احتجازه ، كانت الحرب ضد سادة الضباب مستمرة ، فراي حصل على اهم الاخبار من اودري التي كانت تأتي لزيارته كلما حصلت على الفرصة، فظل مطلعا على الاحداث بالخارج .
والده و اخوته لم يأتوا للزيارة قط ، فهم كانوا منخرطين بالحرب و لم يعودوا ابدا ليحضوا بالفرصة .
و هكذا مرت الايام الواحدة تلوا الاخرى .
طوال فترة احتجازه ، كان فراي قلقا حيال ثلاثة امور اساسية ..
الرؤى التي حصل عليها من ليا .
المخلوق الذي صنعه بنفسه .. اغاروث ، فهو لم يرى هذا الاخير منذ ما حدث مع كليا .
و الخراب الشاحب ، الذي خشي ظهوره و لم يعرف كيف يخطط المجلس للتعامل معه بحال ظهوره .
لكن مخاوفه لم تتحقق قط ، فرغم قضائه لوقت طويل بعيدا .. الا ان الخراب الشاحب لم يظهر و كان الكتاب يبلون جيدا بالحرب ، فمن خلال ما ابلغته اودري به .. جانبهم حقق انتصارات متتالية و قتلوا الكثير من سادة الضباب ..
بالطريقة التي تقدمت بها الحرب .. كان النصر حليف الكتاب بنسبة كبيرة جدا ، و كانت هذه أكثر حرب يهيمن فيها جانب على الاخر ، فالحروب السابقة كانت متكافئة ..
و اتضح ان هذا هو السبب وراء عدم اخراج فراي من السجن و اشراكه بالحرب ... لانهم لم يكونوا بحاجته من الأساس ..
الكتاب و سادة الضباب هم أعداء منذ ازل ، و يعتبرون القوى المسيطرة الاقوى بعالم الاثير ، و لا وجود لقوة ثالثة تقترب منهم أبدا .
لطالما كان هنالك توازن بينهما ، لكن و إذا سقط ذلك التوازن ، فالعالم اجمع سيتغير و يصبح تحت سيطرة قوة واحدة لا غير .
الحروب المدمرة بين الجانبين كانت كوارث حقيقية ، حيث سقط جبابرة الفئة SSS موتى كالذباب بكل معركة ..
نهاية الصراع شيء انتظره الكثيرون بفارغ الصبر بعد كل تلك السنين .
الطريقة التي تقدمت بها الأحداث جعلت فراي يتساءل ما إذا كان قلقه كله دون داع .. و لربما الرؤى المروعة التي رآها لن تحدث باي وقت قريب ، ما اراح قلبه قليلا رغم انه لم يخرج الرؤى من عقله ابدا ..
و سرعانما انهى عقوبته ، و بات حرا طليقا مجددا .
و اول ما قام به ، هو كعادته العودة لعالمه آملا برؤية اغاروث مرة اخرى .
فراي شعر بالقلق ازاء اغاروث ، فبعد تقييد قوته و سلبه ما أراد تحقيقه ، هو خشي كثيرا ان ينهار و يستسلم لليأس .
اغاروث لربما كرهه ، و كاره كل الكتاب من بعد كل ما حدث .
لطالما تساءل عن الحرية ، و معناها .. و ما إذا كان حرا حقا .
سعى من اجلها ، و عندما كاد يبلغها .. جاءت الكاتبة الاولى مخرجة اياه من اوهامه جاعلة اياه يخضع بالقوة .
عندما دخل فراي لعالم ارض البقاء من جديد بعد غياب هو لم يجد اغاروث على الفور ، فهذا الاخير لم يكن بانتظاره كما اعتاد الاثنان .
لذا ، هو قضى بعض الوقت يبحث عنه ، الى ان وجده اخيرا ... و اندهش فراي حقا مما رآه .
فصديقه الفريد قد بنى لنفسه منزلا على ما يبدو .
كانت قلعة عملاقة مذهلة ، جدرانها تبدو و كأنها صنعت من حجر معدني اسود ، و كانت اسوارها عالية و مذهلة حقا .
اغاروث كان بالداخل ، باعمق مكان داخل القلعة ..
بحجرة ضخمة ، كل ما فيها مبعثر و اغاروث انتصفها ..
بدا مشغولا ، كأنه عالم مجنون يجرب اشياء جنونية ..
عندما دخل فراي ، استدار اغاروث ناحيته .. فالتقت اعينهم .
بمجرد حدوث ذلك ، حصل فراي على اجابته ..
' تلك العيون الحمراء التي اتقدت نارا ، تتوهج اقوى من اي وقت مضى ... بمجرد رؤيتها انا ادركت ، انه الماثل امامي لم يستسلم قط ..'
رغم كل ما جرى ، كان اغاورث لا يزال متماسكا يسعى لتحقيق ما سلب منه .
رغم تقييد قوته .. و التلاعب بمصيره ، و معاملة العبد التي تعرض لها .. هو لم يستسلم قط .
هذا لوحده ، جعل فراي بغاية السعادة بذلك الوقت ...