تم وضع الخطة ، و لم يتبقى سوى جمع الأشخاص الذين يحتاجونهم و ادخالها حيز التنفيذ .
قضى فراي و سيث المزيد من الوقت رفقة اغاروث داخل عالم أرض البقاء ، يراجعون التفاصيل في سبيل تفادي اي اخطاء .
ما اوشكوا على القيام به يعد سابقة هي الاولى بالتاريخ ، بحيث يغادر مخلوق مكتوب قفصه و يخرج من كتابه ...
مع اقتراب ساعة الحقيقة ، كان اغاروث على اعصابه و استطاع فراي رؤية ذلك بوضوح رغم محاولة احمر العينين لاخفاء ذلك .
التحرر من قيوده كمجرد شخصية مكتوبة ، و مغادرة العالم الذي اعتبره مجرد قفص يخنقه ... كان اغاروث قد بدأ يبلغ حدوده بعدما عاش لزمن طويل معانيا من ازمة وجود ، و مصير يجعله مجرد عبد لشخص اخر ذو قدرات اقوى تفوق طاقته .
لقد فشل مرة بالفعل بسبب الكتاب و نبوءتهم التي قيدته بالكامل .
و رغم انه توصل لطريقة اخرى فريدة من نوعها ، و رغم مساعدة فراي و سيث له .. الا انه علم يقينا .. ان هذه فرصته الاخيرة على الارجح .
لو فشلت خطة فتح الممر بين العوالم ، فلن تتبقى من طريقة اخرى و سينهار كل شيء .
هذا لوحده زاد من العبئ على الوحش صاحب قدرة الابتلاع و جعله يعيش اياما عصيبة .
الحرية التي طمع بها كانت قريبة جدا ، اقرب من اي وقت مضى ، آن اوان حصد النتائج .
بعد تأكيد كل شيء ، غادر فراي و سيث سعيا لبدأ التجهيزات ، و تركا اغاروث خلفهم ليستعد بدوره .
فراي اراد قول شيء ما لمساعدة اغاروث و لربما تقليل الضغط النفسي الذي مر به ، لكن مواجهة ذلك الضغط كانت امرا وحده اغاروث من يستطيع القيام به ، و اي كلام الان لن يضيف شيئا .
لذا اكتفى فراي بالصمت .
بمجرد مغادرتهما لعالم ارض البقاء ، عاد كل منه هو و سيث الى مكتبة العوالم الخاصة بالكتاب ، و كان كلاهما يلمسان كتاب ارض البقاء الاسود .
بالتزامن مع بعضهما البعض ، سحب الاثنان ايديهما و تنفسا الصعداء .
"يبدو اننا سنتحول من مقاتلين الى محاورين الان .." ابستم سيث بسخرية ، جالسا على الطاولة حيث تواجد الكتاب دون مبالاة .
"سأتولى اقناع أبي ، بالمقابل فالتذهب أنت الى اودري فهي تستمع اليك ."
"سأجرب حظي معها إذا ، لكنني اخشى ان تنفيذ خطتنا سيكون صعبا في ظل الحرب القائمة .." رد فراي ، مستذكرا الحرب ضد سادة الضباب ، و سيث لم ينكر .
الحرب كانت عنيفة جدا ، و بلغت مرحلة عميقة لدرجة ان المجلس اصبح يصب جام تركيزه عليها .
"لو علم المجلس اننا نضيع الوقت على شيء كهذا ، فلا اظننا سنخرج دون عقاب ..." بدا الانزعاج واضحا على سيث بمجرد تفكيره بالامر . "خصوصا مع ظهور اسم الخراب الشاحب .. الجميع قلق من انه قد يظهر حقا ."
بذكر اودن ، أصبح فراي مهتما فجاة ما دفعه للسؤال : "في حال ظهور اودن .. كيف ينوي المجلس التعامل معه ؟"
كان سؤالا مهما ، فالاساطير ذكرت ان قوة الخراب الشاحب جنونية .. لدرجة أن سبعة ابطال من الماضي جميعهم مؤهلون للقب الكاتب الاول قد اتحدوا ضده في سبيل ايقافه ..
من بينهم لم ينجو سوى ثلاثة ، و اثنان منهم ماتا لاحقا بسبب الاصابات التي تعرضا لها بسبب المعركة .
"في حال عودة الخراب الشاحب .. فالمجلس ينوي ببساطة جعل الكاتبة الاولى .. والدتنا تواجهه ." اجاب سيث بعد التزام الصمت لبعض الوقت ، و تفاجأ فراي قليلا مما سمعه .
"لوحدها ؟" استفسر بسرعة ، فأومأ سيث .
"هذا لا يؤكد سوى مدى قوة والدتنا .. فهي الكاتبة الاولى الاقوى على الاطلاق منذ ظهور كاتب التاريخ الاول ... قوتها لوحدها توازي اولئك السبعة الذين واجهوا اودن بالماضي على الارجح ."
فراي وجد نفسه يوافق سيث بكلامه ، فهو كان يعلم ما مدى قوة كليا أكثر من اي شخص آخر .
كانت قوية جدا لدرجة ان كل مخلوق حي بعالم الاثير يجهل ما مدى قوتها الكاملة ، و السبب هو انها لم تضطر لاستخدام كامل قوتها قد ضد ايا كان ، لم يقدر احد على دفعها لتلك المرحلة ، ولا حتى فراي الذي كثيرا ما واجهها اثناء تدريبه .
بالعادة كليا وحدها تكفي للتعامل مع اي خطر ، لكن الخصم هذه المرة قد يكون كيانا من نفس طينتها ، و لربما اسوء .
اخذا بعض الوقت للتفكير ، اعاد فراي انتباهه لسيث مستفسرا عن شيء اخر لا يقل اهمية .
"ماذا عنها ؟ .. اداة الخلق ؟"
بمجرد ذكر اداة الخلق ، تغيرت تعابير وجه سيث تدريجيا مظهرا بعض العبوس ..
"لقد حظر المجلس استخدامها ." اجاب سيث ما جعل فراي يتنهد منزعجا بعدما تذكر سياسة المجلس التي لطالما كرهها .
اداة الخلق هي السلاح الذي ابتكره اول كاتب على الاطلاق و يتم تناقلها بين حاملي لقب الكاتب الاول من كل جيل .
هي اداة يمكن اعتبارها سلاحا ذو قوة جبارة ، قوتها تزيد مع الاجيال .. فالكتاب الاوائل يضعون بها قوة الاثير الخاصة بهم قبل تمريرها الى خلفائهم و بحلول الوقت الذي وقعت فيه بين يدي كليا ... قوة الاداة كانت قد بلغت مراحل مرعبة بالفعل .
لو استخدمت كليا اداة الخلق ، فحتى اودن لن يستطيع فعل شيء ضدها ، لكن احد اهم قوانين كتبة التاريخ هو حظر استخداها اداة الخلق كسلاح ضد سادة الضباب ، بما ان هدف اودن و كل مخلوقات الضباب هو الحصول عليها من الاساس .
السبب كان مجهولا ، فكل ما هو معروف ان كارثة ستقع في حال وقوعها بين ايديهم .
"بمعنى اخر .. الخطة الوحيدة للتعامل مع اودن ، هي إرسال والدتنا لتقاتله .. و هذا كل شيء ؟"
"بالضبط ." أومأ سيث معيدا رسم ابتسامته الساخرة . "اولئك العجزة متمسكون بالاعراف القديمة لدرجة تثير الغثيان . ليس لدينا من خيار سوى الاذعان لهم مادامت والدتنا ترفض معارضتهم "
"و لنكون واضحين .. فالمجلس سيرفض قطعا ما نحاول القيام به لو علموا بذلك " غير سيث الموضوع مخاطبا فراي بجدية اكبر .
"اخبرني يا فراي ، احقا متأكد من رغبتك ببلوغ هذا الحد و المخاطرة من اجل اغاروث ؟ ... انت تعلم فحوى النبوءة التي رأتها لِيا ، اغاروث كان سيصبح كارثة مدوية لو لم يتم ايقافه سابقا ."
رغم ان سيث كره الحكم على شخص ما بناءا على نبوءة واحدة ، لكنه أضطر للاعتراف بان ما تراه العرافة دقيق بشكل مخيف و لا تخطئ أبدا .
إذا ما رأت بأن اغاروث سيتحول ليصبح خطرا ، فذلك كان سيحدث فعلا .
فراي بدوره علم بهذا جيدا ، لكنه لا يزال يرغب بمساعدة اغاروث رغم ذلك .
"لقد ختمت والدتنا قوته و اوقفت نموه ، ما يعني ان تلك النبوءة قد تم التعامل معها بالفعل . كل ما يريده اغاروث هو ان ينال حريته ولا انوي سلبه اياها ."
"اتمنى ان اكون محقا إذا ." لم يجادل سيث اكثر ، فهو بدوره لم يكن يريد رؤية اغاروث يعاني .
هذا الاخير و رغم كونه مجرد مخلوق مكتوب بواسطة فراي ، الا ان سيث رآه كأحد الاخوة الذين كبر معهم . فاغاروث كان موجودا من قبل ولادته حتى ..
هو كان على دراية تامة بازمة اغاروث الوجودية و عقدة النقص التي يحملها بداخله .
اذا ما عنى النجاح بالخطة التي يوشكون على تنفيذها معالجة كل ذلك ، فسيث اراد المساعدة .
لهذا السبب ..
هو ساعدهم بكل ما لديه من قوة و حاول اقناع والده آبراهام بجدية ، بينما ذهب فراي لمحاولة اقناع اودري .
كسب كليهما لم يكن بالامر السهل ، فما كان فراي ينوي القيام به يعتبر امرا جنونيا بنظر اي شخص عاقل ، و هذا ما جعل محاولات اقناعهم تبوء بالفشل في البداية خصوصا مع انشغال الجميع بالحرب .
فشلهم المتكرر و المعارك التي اضطروا للمشاركة بها ضد سادة الضباب جعلتهم يغيبون لوقت طويل عن عالم ارض البقاء .
و كان ذلك وقتا امضاه اغاروث وحيدا تماما ... يغلق على نفسه داخل قلعته التي بناها بنفسه في لوندور .
هو لم يستطع التدرب او محاولة زيادة قوته كما كان يفعل بالماضي ، فأي محاولة لاستخدام قدرة الابتلاع الخاصة به كانت تتسبب بألم عارم يطرحه ارضا فورا .
الختم الذي وضعته عليه كليا قد كان قويا جدا ، و اغاروث بمستواه آنذاك لم يكن ليحلم بكسره .
و رغم ان تلك الاغلال الخانقة قد آلمته ، الا انه تشبث بأمله الجديد حتى النهاية .
فراي و سيث لم يظهرا لوقت طويل ، لذا اخذ اغاروث يراجع خطتهم كلما طال الزمن لملأ تلك الفجوة التي بدأت تكبر بداخله .
هو راجع الخطة مرة ، ثم مرتين .. و ثلاث و اربع .. مرارا و تكرارا الى ان بات يحفظها بالكامل .
اخذ يتجول بعد ذلك بارجاء عالم ارض البقاء ، بحثا عن المكان المناسب الذي يستطيعون بناءا الممر المؤدي لعالم الاثير من خلاله .
هذا استلزم اختيار النقطة التي يمكن اعتبارها مركز العالم باسره ، و تعتبر هي المكان الاقرب على الاطلاق لعالم الاثير .
اغاروث وجدها سريعا ، و لم تستغرق رحلته طويلا .
أثناء تجوله ، مر بالعديد من الاجناس و الحضارات التي بدأت تبنى مع مرور الزمن .
رأى نهوض التنانين ، مخلوقات البانثيون القوية .
و عاش بزمن نشأة حاملي الضوء الاوائل ، عاصر الغيلان و شهد بدايات تشكل السحر و بناء حضارة اللوكاريين .
كانوا ضعفاء بذلك الوقت ، لكنهم تطوروا سريعا و امتلكوا امكانيات حقيقية لبلوغ مستويات أعلى بكثير .
لكن اغاروث لم يراهم قط كمخلوقات ذات امكانيات للتطور ، لم يراهم كمخلوقات عظيمة تبني حضاراتها .
مهما حاول تغيير وجهة النظر و طريقة التفكير ، الا انه لم يرى سوى مخلوقات ضئيلة تتخبط داخل قفص عملاق .
محدقا بسماء عالم ارض البقاء المرصعة بالنجوم ، تساءل اغاروث ..
"ماذا لو استيقظوا جميعا ذات يوم ... ليكتشفوا انهم ليسوا حتى بمخلوقات حية ، بل مجرد كلمات داخل كتاب ؟"
ضاقت اعينه الحمراء ، بينما اشتدت قبضته .
"إذا ما علموا بالحقيقة ، فمالذي سيفعلونه ؟ هل سيتملكهم الغضب ؟ او يغمرهم الحزن ؟ ام انهم سيتقبلون كل شيء ببساطة و يواصلون حياتهم ؟"
"هل سينكرون كل شيء كما فعلت انا ؟ هل سيحاولون التمرد على هكذا مصير ؟"
"منذ اليوم الذي علمت فيه بالحقيقة .. لم تمر دقيقة ، ولا ثانية قط الا و تساءلت .."
"هل ذكرياتي حقيقية ؟ هل القرارات التي اتخذها هي قراراتي فعلا ؟ إذا ما احببت شخصا هل احبه انا ام انا احدا جعلني احبه ؟ إذا ما كرهت شيئا .. هل انا اكرهه ام ان كيانا اعلى يجعلني اكرهه ؟"
"إذا ما تألمت ، فهل المي يحمل اي معنى ، بما انني لست سوى مخلوق مكتوب ؟"
بحالة اغاروث ، هو كان يعلم من هو المؤلف الذي أوجده بالفعل ، و ذلك المؤلف هو فراي .
لقد كان قريبا منه ، بل يمكن القول انهم اصدقاء حتى ..
لكن اغاروث لم يستطع منع نفسه من التفكير بان كل شيء مزيف ، و ان ما هذه سوى اشياء زرعها فراي فيه ، كما زرع قدرة الاتهام بداخله .
اغاروث اراد التمرد ، اراد التمرد و لو مرة على تلك المخلوقات العظيمة ، فاذا استطاع التمرد عليهم و النجاح بذلك .. فهذا سيكون كافيا ليثبت لنفسه ، بأنه مخلوق حر الارادة لا يخضع لاحد .
إذا ما استطاع الهرب من القفص ، و بلوغ العالم الحقيقي حيث يعيشون هم ، فذلك سيكون كافيا .
"عالم اكبر من هذا بمئات المرات .. بل آلاف المرات ، سماء عالية و بعيدة المنال ، و ليس مجرد سقف مزيف ."
"اجل ... انا سأبلغ ذلك العالم ، مهما كلف الثمن "
لاغاروث ، لم يكن هنالك هدف اسمى من هذا ، ولا دليل اقوى من هذا .
كل شيء حول كينونته كان يتمحور حول ذلك ، ليثبت للعالم و لنفسه .. انه مخلوق حر .
"لطالما كرهت مخلوقات هذا العالم ، فهم يذكرونني بنفسي .. و قلة حيلتي ."
كانت هذه مشاعره الحقيقية تجاه المخلوقات التي عاشت بعالم ارض البقاء . لكنه وجد لهم من الرحمة بمكان ما بقلبه .
"هم يستحقون معرفة الحقيقة على الاقل .. يستحقون هذا القدر و من يدري ؟ لربما يسيرون معي بالطريق الذي اوشك على المرور به "
و هكذا اتخذ اغاروث قرارا مصيريا بعد اختفاء فراي و سيث لوقت طويل .. هو قرر ان يخبر مخلوقات عالم ارض البقاء بالحقيقة .
متنكرا بهيأة مختلفة ، حاجبا شكله و وجهه .. اتجه اغاروث للحضارات الكبيرة الواحدة تلوا الاخرى .
كان يختار دوما الفرد الاقوى و الاعلى اينما ذهب ، و يزف عليهم الحقيقة المرعبة التي جهلوها جميعًا .
اخبر البانثيون الاوائل و حاملي الضوء ، و اتجه لغيرهم .
لكن ردود الفعل التي حصل عليها لم تكن كما توقع اغاروث .
بعضهم ناداه بالمجنون ، و البعض الاخر هاجمه حتى ...
انكروا كلامه ، و البعض طالبه بدليل على ما يقول . لكنه لم يملك دليلا قط . فما من طريقة لاثبات شيء مجنون كهذا .
كلما زاد انكارهم ، كلما رآهم اغاروث كمخلوقات مثيرة للشفقة .
اولئك الذين هاجموه و قاتلوه قد سحقوا جميعا على يده ، فرغم ختم كليا لنموه ، الا ان قوته ظلت كافية لهزيمة اقوى مخلوقات ارض البقاء .
اغاروث بدأ الرحلة وحيدا ، و انتهى به الامر وحيدا في النهاية أيضا بعدما لم بصدقه أحد .
هذا جعله يدرك انه كان ليصبح مثلهم تماما لو لم يقابل فراي و بقية اخوته الكتاب .
كان سيعيش بجهل طيلة حياته دون معرفة الحقيقة .
تجربته هذه جعلته اكثر عزما على مغادرة عالم ارض البقاء أكثر من اي وقت مضى ، لدرجة ان حياته باتت تتمحور باكملها حول هذا الهدف .
و رغم ان الانتظار قد طال ، الا ان اليوم قد جاء و لحظة الحقيقة اقتربت اكثر من اي وقت مضى .
فراي عاد لعالم ارض البقاء بعد غياب ، و جاء معه سيث ، و الاب الاعلى الذي لم يراه منذ وقت طويل آبراهام بالإضافة لاودري .
لقد نجحوا باقناعهم بعد عناء ..
آبراهام كان رجلا ذو حضور موقر كما كان دوما ، امتلك شعرا ابيض طويلا و لحية خفيفة بنفس اللون .
كان وسيما ، و ملامح الرزانة بداية عليه كان بالماضي تماما بذاكرة اغاروث .
اودري بدورها كانت لا تزال الفتاة ذاتها .. و بدا عليها التردد و عدم اليقين حيال ما كانت توشك على المشاركة به .
كل شيء اصبح جاهزا ، و شروط النجاح باتت متوفرة .
لكن و قبل البدأ ، طلب آبراهام بشكل مفاجئ الحديث بشكل منفرد مع اغاروث .
و بالفعل ، دار حوار ليس قصيرا و لا طويلا بينهما .. و موضوع ذلك الحوار لم يكن سوى اغاروث نفسه و الحرية التي سعى اليها .
"يا اغاروث ، انت لست مضطرا لاثبات اي شيء ، لا لنفسك ولا للعالم من حولك . فكون عالمك غير حقيقي بالنسبة لعالم اخر ، هذا لا يجعله غير حقيقي بالنسبة لك انت ايضا ."
"مادامت تملك وعيا حقيقيا خاصا بك ، مادمت تتألم و تخاف و تشعر ، تحب و تفرح و تتحمس ..تستطيع التفكير في وجودك و اتخاذ القرارات بنفسك .. هذا لوحده دليل بأنك حقيقي ."
آبراهام اراده ان يفهم ، بأنه مخلوق حي حقيقي بالفعل دون الحاجة لفعل اي شيء .
لكن اغاروث وجد نفسه يضحك فقط ردا ..
"من السهل على مراقب خارجي مثلك ان يقول هذا ، فانت تنظر الى هذا العالم من مكان عالي جدا يجعل كل ما اخوضه تافها بنظرك ."
بنظرة ثابتة ، و ارادة لا تتزعزع ، واجه اغاروث نظيره ابراهام وجها لوجه .
"وجودي بأكمله يتمحور حول الغاية التي اسعى من اجلها ، فإياك و ان تجرأ على انكار المعنى مما ابتغيه ."
كانت نبرة اغاروث عدائية مشتعلة ، رغم ان الماثل امامه يعتبر شخصا اقوى منه بكثير . الا ان رد آبراهام جاء هادئا ما ناسب طبعه .
"لك ما اردت ، لن اجادلك مرة أخرى ... لكن تذكر يا اغاروث انك مخلوق جعل المجلس باكمله يتحرك من اجله ذات يوم . بسبب نبوءة واحدة ."
اختتم آبراهام كلامه بالنهاية .. مسلطا الضوء على وجهة نظر مختلفة بالكامل ..
"بالنسبة لي .. لقد اثبتت أنك حقيقي منذ زمن طويل بالفعل."
و توقف حوارهما عند ذلك الحد .
رغبة اغاروث و تعطشه للحرية كان عظيما ، لكنه لم يستطع الانكار ان ما قاله آبراهام بالنهاية قد اثار بعض التموجات ..
فهو بالفعل قد اكد وجوده لدرجة ان الكاتبة الاولى قد اتت خصيصا من اجله .. رغم ذلك ، و بمجرد تذكر ما حدث بمجرد قدوم كليا ..
التردد اختفى فورا ، فهو لم ينسى يوما حجم الاذلال الذي تعرض له بذلك اليوم .
من جهة أخرى .. كانت اودري تناشد فراي كلما اتتها الفرصة لكي تتنيه عن قراره و تجعله يعدل عن مساعدة اغاروث بما ينوي عليه . لكن دون فائدة فهي فشلت بدورها .
سواءا فراي او اغاروث .. تشارك الاثنان صفة العناد .
و سرعانما انتهى وقت الكلام .
تقدم سيث اولا مستخدما الرون الخاص به ، و بدأ بتشكيل الممر بين العوالم .
هو كان سريعا جدا بعمله ، و بدأ الطريق يظهر امامهم بالفعل على شكل فتحة بالفراغ قادت نحو المجهول .
فراي و آبراهام ساعداه فور عبر الاثير الخاص بهما ، ما جعله قادرا على استخدام قوة الرون الخاصة به لاقصى حدودها دون مشاكل .
و كانت اودري اخر من شارك ، مزودةً اياهم بكمية لا نهائية من الاورا بفضل قدرتها العظيمة .
شيئا فشيئا .. بدأ الممر يكبر و يتمدد ، و توسعت البوابة التي لم تكن سوى نفق بسيط بالبداية ، الى ان اصبحت واسعة بما فيه الكفاية لمرور عدة اشخاص دفعة واحدة . يليها طريق طويل من ضوء ابيض عظيم يمتد بعيدا جدا مخترقا عالمين .
كان سيث يتعرق بغزارة ، و بالمثل .. عانى فراي و آبراهام لابقاء كل شيء مستقرا .
"الان ! فالتذهب يا اغاروث فنحن لن نتمكن من الحفاظ عليه طويلا !" صرخ سيث بصوت عالي ، معطيا الاشارة التي انتظرها اغاروث بفارغ الصبر .
هذا الاخير اندفع فورا ناحية البوابة و نجح بدخولها فعلا .
لكنه تجمد باللحظة التي وطأت فيها قدمه ذلك الممر ، فضغط مروع سحق جسده ، قوة الاثير بالإضافة للاورا التي استخدمت لبناء الممر قد نزلت عليه دفعة واحدة ، و جعلت الوقوف بحد ذاته تحديا .
رغم ذلك ، تحرك اغاروث للامام و و بدأ بالمشي واضعا اعينه على ما تواجد بالجانب الاخر من طريق الضوء ذاك .
هو ادرك ان كل ما يصبوا اليه موجود على الجانب الاخر ، و لم يظل سوى ان يعبر اخيرا . في تلك اللحظة ... اغاروث لم يكن ليتوقف و لو انقلب كل شيء رأسا على عقب .
بمجرد تقدمه قليلا ، بدأ كل شيء يهتز .
من خلال جسد اغاروث ، و من خلف ظهره ... بدأ حبال من اورا مظلمة تتمسك به ساحبةً اياه للوراء ، و من الامام جاء ضغط عجيب دفعه بعيدا.
"عالم ارض البقاء يتفاعل معه .. انه يرفص تركه يذهب ! كما ان عالم الاثير يرفضه .." عبس سيث بمجرد ادراكه ما كان يحدث ، و بالمثل فعل فراي ، لكنهما لم يستطيعا فعل اي شيء .
"كل شيء يعتمد الان على اغاروث ، سيكون عليه التحمل و مواصلة التقدم الى ان يبلغ الجانب الاخر !"
عالقا بمنتصف الطريق ، بدأ جسد اغاروث يرتعش .
شعر و كأن كل شيء بداخله قد اصبح بحالة فوضى ، و كأن القليل من ذاته تختفي مع كل خطوة يخطوها .
هو تماسك ، و واصل المضي قدما .
جسده بدأ ينزف ، و هيأته اصبحت اكثر شحوبا شيئا فشيئا .
صرخ بكل جوارحه ، و استجمع كل ما لديه من قوة .
ختم كليا كبحه كثيرا ، لذا لم يكن له سوى ان يعتمد على ما لديه ..
بمرحلة ما ، الطريق باكمله بدأ يرتعش ، و البوابة بدأت تضيق تدريجيا ..
ابقاء الممر كان امرا بغاية الصعوبة ، و سيث بدأ يصل حدوده بالفعل .
لكن اغاروث كان قد قطع شوطا طويلا بالفعل ، و كاد يصل .
عند اقتراب النهاية ، قام عالم ارض البقاء باقوى رد فعل عنيف له على الاطلاق ، و تمسك باغاروث حتى النهاية .
ففجأة ، اختفت ذراع اغاروث اليمنى من الوجود ، و عادت للخلف نحو فراي و الاخرين ، و كأن جاذبية تسحبها للخلف .
ثم طارت ساقه اليسرى ما جعله يسقط بعنف ..
متماسكا ، قاتل اغاروث بكل ما لديه ..
بمرحلة ما ، جسده باكمله بدأ يتفتت ، و عاد للخلف على هيأة غبار اسود تناثر من خلفه .
جسد اغاروث بدأ يصبح اصغر و اصغر ، و بالكاد استطاع الجميع التعرف على شكله المادي الجديد المحطم ..
اغاروث واصل السير متحملا ، مفاجئا الجميع ..
"لا تتوقف ! كدت تصل !" صاح فراي من بعيد ، مشجعا إياه حتى النهاية .
الممر اوشك على الانهيار .. و جسد اغاروث تحول الى غبار و لم يظل منه سوى القليل .
ذلك القدر الضئيل ، قد فعلها و بلغ نهاية الطريق بالنهاية .
اغاروث وقف هناك ، امام مدخل الجانب الاخر ، و استطاعت اعينه الحمراء رؤية عالم الاثير لاول مرة على الاطلاق ..
كان امامه مباشرةً ، الهدف الذي سعى اليه طيلة حياته قد بات اقرب منه أكثر من اي وقت مضى ، و لم تتبقى سوى خطوة واحدة .
خطوة خطاها اغاروث بكامل ما لديه من جوارح .. فقط ليجد نفسه يقف امام كيان مرعب سبب له الكوابيس ذات يوم ...
تقدم اغاروث توقف ، بل أُجبر على التوقف ..
اعين فراي و من معه قد توسعت عندما رأوا ذلك الشخص الذي ظهر من العدم معيقا الطريق ، فباللحظة الاخيرة ..
هي دخلت من الجانب الاخر و وقفت امامه ..
محدقا باعينها المظلمة الشبيهة بالكون الذي تغمره النجوم ، حاول اغاروث ان يتخطاها و يتجاوزها .
لكن الشخص الماثل امامه لم يكن سوى الكاتبة الاولى ولا احد سواها ، فبحركة واحدة .. تم دفع اغاروث للخلف و عاد الى حيث بدأ ، بينما فجرت كليا كل شيء و بدل ان يمر هو الى عالم الاثير .. دخلت هي الى عالم ارض البقاء بجسدها الحقيقي .
اغاروث انهار بقوة ، و تحطم الممر الذي صنعه سيث بمجرد عبور كليا .. ليتبخر كل شيء .. و يكرر التاريخ نفسه ..
بعيدا عن مكانهم باعماق المجلس ..
كانت العرافة ليا تجلس معانقة قدميها ، و الحزن باد عليها .. بتلك اللحظة ، هي همست كلمات لم يسمعها احد معتذرة ..
"أنا آسفة .. فراي ..."
اغاروث وجد نفسه يقف مرة أخرى .. امام حائط المصير و القوة الجبارة .. حائط لا يمكن لاحد تجاوزه قط ..