انهار الممر الذي ربط بين العوالم ، تحطم بسرعة مرعبة و لم يعطي فراي و من معه الفرصة لفعل اي شيء .

سيث سقط هو الاخر منهكا بعدما استنزف كل ما لديه من قوة للحفاظ عليه حتى تلك اللحظة ، لكن ما حدث تجاوز ما يستطيع التعامل معه بكثير .

و أكثر المتضررين لم يكن سوى اغاروث ولا احد سواه ، بعدما تم طرده بالقوة مجبرا ، و سقط من جديد بعالم أرض البقاء .

كان جسده مشوها ، بالكاد قادرا على ابقائه قطعة واحدة بعدما تحول معظمه الى غبار .. الضرر بدا فظيعا ، لكن اعينه الحمراء ظلت مركزةً على مكان واحد لا غير ، تبدي نظرةً مرعبة تقشعر لها الابدان .

فالشخص الواقف امامه كانت المرأة نفسها التي لطالما جاءته بكوابيسه .. الكاتبة الاولى كليا .

كانت لا تزال كما يتذكرها تماما ، بحضورها الطاغي و تلك الاعين الشبيهة بسماء الليل ..

كانت اعينا غريبة و مميزة ، لدرجة انها بدت و كأنها تحمل كونا كاملا بكل عين .

لكن الوقت لم يكن مناسبا للانبهار بحضورها و قوتها ، بل التساءل ..

"لماذا ؟!!" بالكاد خرجت كلمة واحدة من فم اغاروث الذي تخبط بالكاد قادرا على تمالك نفسه .

شعر و كأن بركانا قد انفجر داخل عقله ، بينما نبضت كل خلية داخل جسمه بغضب و عنفوان .

سؤاله كان بمحله ، و هو سؤال طرحه فراي و الاخرون ايضا .

فراي و آبراهام تدخلا فورا واقفين بينها و بين اغاروث بينما ظلت اودري مع سيث المستنزف بالخلف يراقبون ما اوشك على الحدوث .

"كليا .. لماذا انت هنا ؟" اقترب آبراهام منها و الحيرة بادية عليه ، متبادلا النظرات مع زوجته .

"اود طرح السؤال ذاته عليك ، لماذا شاركت معهم بهذا ؟ هل لديك ولو ادنى فكرة عن ما كنتم على وشك القيام به ؟"

استدارت كليا للخلف ناحية المكان الذي تحطم فيه الممر بين العوالم .

"إذا ما اصبح امثاله قادرين على مغادرة متى ما ارادوا ، فما المغزى من خلقنا لهذه العوالم ، و مالذي سيحل بعالمنا الحقيقي ؟"

كليا لم تكن تتحدث من فراغ ، و قد فهم آبراهام هذا جيدا ، فالكتاب لا ينشئون كل تلك العوالم الخاصة بهم من فراغ ، بل هنالك غاية من ذلك .

فهذا يحافظ على التوازن ، و يضمن عدم وقوع كوارث لا يعلم احد حجم الضرر الحقيقي الذي قد تتسبب به .

كل هذا كان صحيحا ، لكن فراي وجد نفسه يعبس تدريجيا كلما فكر بالامر .

"اهذا سبب تدخلك إذا ؟ للحفاظ على التوازن و تجنب وقوع كارثة ؟" هو انكر بنبرة ثقيلة . "انا لا افهم كيف لما اردنا فعله ان يشكل اي خطر ، فنحن اردنا اخراج اغاروث لوحده و ليس عالم ارض البقاء كاملا !" جادل فراي ، بينما كان اغاروث يستمع من خلفه بينما يعالج الضرر الذي تلقاه قدر الامكان .

"إذا ما عبر اغاروث لوحده ، فلن يحدث اي شيء ، انا متأكد من ذلك .."

"لا ." قاطعته كليا بصوت بارد ، بينما ظلت اعينها تراقب اغاروث . "هو بالذات لا يجب ان يغادر هذا العالم أبدا . بل حبذا لو يموت الان ."

"مالذي تتحدثين عنه ؟" زاد عبوس فراي تدريجيا ، الى ان اخبرتهم كليا بالسبب الحقيقي لقدومها .

"ذلك المخلوق الذي صنعته بنفسك يشكل خطرا عظيما يا فراي ، و قد يتحول ذات يوم لوحش لن تستطيع السيطرة عليه أبدا ."

"و ما ادراك انت بذلك ؟ لقد سبق و ختمت قوته و نموه ، فأي خطر هو هذا الذي تتحدثين عنه ؟!" كان انفعال فراي يزيد مع كل تبادل ، الى ان اخمدت كليا ناره تماما بكلماتها التالية .

"انا ادري جيدا ما اقول ، لان العرافة قد خرجت بنبوءة جديدة ."

لوهلة .. عم الصمت بالكامل بعد ذكر اسم العرافة ، و حتى فراي لم يقوى على الرد بشكل مباشر .. فاي كاتب بالعالم اجمع يعلم جيدا ما يحمله اسم العرافة من وزن .

من بين الجميع ، كان اغاروث أكثر المصدومين لدرجة انه رفض تصديق ما كان يسمعه . اراد انكاره بكل ذرة من كيانه .

لكن كليا قالت ما لديها دون أن تأبه به ..

"لقد علمنا من نبوءة العرافة ، انك ستحاول اخراجه من عالم ارض البقاء ، و بأن محاولتكم هذه كانت ستنجح ."

"لكن نجاحكم هذا سيكون بادرة بداية سلسلة من الاحداث .. احداث ستنتهي بكارثة حيث سيصعد وحش مظلم ليصبح خطرا يهدد كل مخلوق ."

"وحش يبتلع كل شيء امامه ."

كلام كليا الاخير كان وصفا لا ينطبق على احد سوى اغاروث ..

"لا يجب ان يغادر هذا الشيء عالم ارض البقاء ، بل يجب ان يموت هنا ."

كل كلمة تقولها كليا ، كانت تنزل كالصاعقة على الوحش الذي قدر له ان يصبح مخلوقا يبتلع كل شيء .

اغاروث ارتعش ، بينما ظلت اعينه الحمراء القاتمة تراقب كليا ..

'مجددا .. مجددا ...'

'هل سيتم تقرير مصيري مجددا .. بواسطة نبوؤة واحدة ؟ رؤيا لعينة رأتها عرافة ما ؟!!’

لقد حدث ذلك مرة بالفعل ، و قد كانت كافية لجعل اغاروث يكاد يجن ، بعدما تم ختم نموه و قوته بعدما كان على وشك تحقيق هدفه .

اغاروث الذي سعى لنيل حريته ، لإثبات انه ليس بعبد لأولئك المؤلفين ، لاثبات انه سيد نفسه و قادر على عصيانهم و لو مرة .

كل ما اراد القيام به ، هو مغادرة قفصه و الوقوف بنفس الارض التي يعيشون فيها هم ، على قدم المساواة معهم .

هذا سيكون اكثر من كاف له ، هو لم يطلب ما هو أكثر من ذلك .

رغم اليأس الذي عاشه بالمرة السابقة ، هو نهض من جديد و حاول مرة أخرى بل و استطاع جعل فراي و الآخرين يساعدونه ..

صنع طريقا جديدا ، و خطا خطواته الاولى بذلك الطريق و كاد يبلغ الجانب الاخر ، كاد يصل .. بل و رأى كيف يبدو عالم الاثير من بعيد .

لكن مرة اخرى .. عندما بلغ ذروة الطريق و كاد يحقق هدفه .. مرة أخرى ، تقف تلك المرأة بوجهه . و اعطته نفس النظرة .

نفس النظرة التي رأته كعبد خاضع ، مجرد حبر على ورق لا يعني شيئا .

'هل هذا منطقي ؟ هل من المنطق ان يتم الحكم علي بناءا على نبوءة ؟'

'هل يجب ان اتخلى بسببها عن كل شيء ، ليس لمرة .. بل مرتين ؟!'

'هل يحق لهم تقرير مصيري ، و العبث بمستقبلي و الحكم علي .. فقط لانهم رأوا مستقبلا لعينا ما لا اعلم عنه شيئا ، و لانهم اقوى مني ؟'

"لا .. انا لن ارضى بهذا ." ارتعش صوت اغاروث ، بينما نهض من جديد .

جسده بدأ يغرق داخل قوة مظلمة ، و بدأت اطرافه المفقودة تعود من تلقاء نفسها ..

قوة بدأت تزيد ، و الضغط الذي تسبب به جذب انظار الجميع ناحيته .

"أغربي عن وجهي عليك اللعنة !" زمجر اغاروث بغضب ، مصدرا ضغطا مهددا كانت كليا هدفه .

ضغط مدوي مصحوب بنية قتل مرعبة ، لكن كليا لم تتأثر و لو قليلا بذلك الضغط .

رغم ذلك ، هالة اغاروث كانت تزيد قوة مع كل ثانية تمر ، لدرجة ان سلاسل الختم بدات تطوقه بقوة مانعةً اياه من اصدار اي قوة اضافية . الى ان خنقته تماما .

"أي حق .. اي سلطة .. اي لعنة تظنين انك تملكين لتواصلي العبث بحياتي ؟!"

كان الهواء نفسه يهتز بكل مرة يصرخ بها اغاروث ، و سلاسل الختم اشتدت عليه بعدما حاول كسرها بالقوة .

أغاروث تألم كثيرا ، لكن هذا لم يمنعه ان يلعن كليا بقوة أكبر، و غضب عارم اجتاحه بالكامل ..

"لقد سرقت كل شيء مني .."

"سرقتي قوتي التي بنيتها على مر السنين .. ختمتي القدرة الوحيدة التي صنعت ما انا عليه .."

"منعتني من بلوغ مستواكم انتم الكتاب ، و الان تمنعينني من العبور الى العالم الاخر .. دمرتي الممر الذي استغرقنا ابد الدهر من اجل بنائه ؟!"

"كل هذا .. بسبب نبوءة لعينة ؟!"

بمرحلة ما ، اصبحت حياة اغاروث مهددة بعدما بلغ تقييد السلاسل له اقصى حدوده ..

"توقف يا اغاروث ، انت لن تتحمل !" حاول فراي ايقافه بعدما راى جسده يكاد ينفجر تماما .

"لا ! انا لن اتوقف !" اغاروث رد بعنف " على هذا أن ينتهي ، الان !"

اغاروث تحدى قيوده ، و تحدى صانعيه .

امام تمرده ذاك ، لم تبدي كليا اي اهتمام ، بل ضيقت اعينها قليلا ليس الا ، لكن حركة بسيطة كهذه رمت ضغطا اقوى بكثير على اغاروث ... جاعلة هيجانه ذاك يبدو تافها .

"انت لا تملك شيئا ، انت ببساطة ... لا شيء ." جاء الرد البارد من كليا ، التي لم تتأثر و لو قليلا بأي كلمة قالها اغاروث .

فهي منذ البداية لم تراه كمخلوق مساوٍ لها .

"تلك القوة التي تتحدث عنها ، قد منحت لك من قبلنا نحن الكتاب ، شكلك الفريد و جسدك المميز ، قد منحا ايضا لك من قبلنا ، و حتى محاولتك التافهة هذه للهرب من عالمك ، لم تكن لتنجح ابدا لولا مساعدة الكتاب لك ."

"منذ البداية ، انت لم تملك شيئا ، لا شيء على الاطلاق . قيمتك تتمثل بما وضعناه لك مسبقا . لذا فالتعلم جيدا مقدار نفسك ." كانت كلمات كليا تطعن اعمق من اي جرح ، و اثقل حتى من تلك السلاسل المدوية .

"كليا .. هذا يكفي ." تدخل آبراهام موقفا اياها ، لكن الضغط الذي سلطته لم يهدأ قط .

"يجب ان يموت يا آبراهام ، فقد حذرتنا العرافة منه مرتين ، ولا انوي ان تكون هنالك مرة ثالثة ."

بنظرة واحدة ، سواءا آبراهام او فراي .. ادرك الاثنان ان كليا قد حسمت قرارها قبل ان توقفهم حتى .

باعينها ، اغاروث كان ميتا .

قرارها هذا حصل على ردود أفعال مختلفة من قبل الحاضرين ، لكن احدا منهم لم يستطع ابداء رد الفعل ذاك ، لان شيئا لم يكن بالحسبان قد حدث امام اعينهم .

فاغاروث الذي خضع لذلك الضغط المروع قد صمد ، و إذا بالسلاسل التي قيدته تنفجر و تتحطم بالكامل متبعثرة من حوله ، ما سمح لقوته بالتحرر أخيرا .

"مستحيل ... أحطم ختم امي .. بمفرده ؟" باعين مفتوحة على مصرعيها ، لم يصدق سيث الذي شاهد من بعيد ما رآه .

فاغاروث قد حطم ختما يفترض ان يستعصي عليه تحمله حتى ناهيك عن محاولة تحطيمه ..

لكن هذا لم يكن صحيحا ، و وحدهم فراي و كليا ، بالإضافة لآبراهام من فهم الحقيقة ..

'هو لم يحطمه .. بل التهمه ..' دار الفكرة نفسها بعقولهم ... و كانت صادمة بنفس القدر .

اغاروث ابتلع قوة الختم الذي قيد قواه ، و استخدمه بحد ذاته ليزيدها .. ما فعله لامر يتجاوز نطاق الخيال فعلا حتى بمعايير الكتاب . و قوته زادت بوتيرة مستمرة ، و كأن كل تلك الاورا المكبوتة بداخله قد انفجرت دفعة واحدة .

"هل تنظنين ان مكانتك ككاتبة ، تؤهلك للعبث بحياة كل مخلوق ؟"

"هل تعتقدين ان معرفتك للمستقبل تجعلك افضل مني ؟”

التوت تعابير وجه اغاروث ، مبرزا كراهية و ازدراءا عميقا ، بجانب غضب عارم لا يرحم .

و بلمح البصر ، هو كان امام كليا بالفعل ، يلوح بقبضته التي غمرتها كمية مهولة من الاورا المتفجرة ، المصحوبة بكل ما امتصه حتى الان .

"لن اسمح بذلك ، لن ادعك تقررين مصيري !!!!"

كانت هجمة انتحارية مجنونة ، وضع اغاروث كل ما لديه بها ، و قاتل من اجل حريته ، و من اجل كل ما عاش من اجله حتى تلك اللحظة .

قبضته امتدت امام وجه كليا ، و باقل من ثانية واحدة .. سمع الجميع صوت تحطم ، مصحوبا بتموج غريب .

اغاروث كان اول من رأى ما حدث ، عندما اختفت ذراعه من الوجود بالكامل قبل ان تلمس كليا .. ثم شعر بفراغ عميق بداخله ..

فوجد ان حفرة عملاقة دموية قد تشكلت بمنتصف جسده ، و كانت راحة يد كليا امام تلك الحفرة مباشرةً ..

بضربة واحدة ، تم نسف اغاروث بعيدا ليتدحرج فوق الارض الباردة ، للعالم الذي اراد الهرب منه .

نزف بشدة ، و بدات الاورا تتسرب من داخل جسده ..

امامه ، وقفت كليا مبرزة نفس البرود ، بينما رفعت يدها ناحيته .

"تحررك من ختمي ، و هجومك الاخير لم يزيداني سوى يقينا ، بانني لم اخطئ ابدا ."

"انت يجب ان تموت هنا و الان ."

استجابةً لامرها ، تشكل الاثير امام يدها ، و اطلقته ناحية اغاروث مستخدمة الرون الخاص بها ، رون قادر على محو اي مخلوق من الوجود .

لو تلقى تلك الضربة ، فاغاروث كان ليموت لا محالة ، لكن مساعي كليا لم تتحقق ، لان موجة من الاثير تعادل الخاصة بها قوة قد اصطدمت بها ، و حجبت الضرر عن اغاروث .

مستديرةً ناحية الشخص الوحيد الذي يملك رونا مشابها لها .. رون المحو ..

وجدت الكاتبة الاولى فراي يقف ضدها ، عازما على ايقافها .

"انا لن اسمح لك بقتله ." هو قال بعزم ، حاسما قراره بدوره .

لكن مساعدته تلك لم تسعد اغاروث و لو قليلا .. فتدخل فراي لم يعني سوى ان مصيره بات الان محصورا بين اثنين من الكتاب .. بينما سقط هو بينهما عاجزا .. غير قادر على فعل اي شيء .

2026/08/10 · 152 مشاهدة · 2082 كلمة
نادي الروايات - 2026