آخر ما شعرتُ به في تلك اللحظة، والتي بدت أبدية بالنسبة لي، كان ضيقًا في التنفّس. كان واضحًا بما يكفي ليجعلني أضع يدي على صدري دون تفكير، محاولًا استنشاق أكبر قدر ممكن من الهواء وإجباره على الدخول إلى رئتيّ.
لم يكن ألمًا حادًا، بل أشبه بأثقال غير مرئية وُضعت على صدري، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة مما يمكن لأي إنسان احتماله.
وفي لحظة واحدة، غُمرتُ بطوفانٍ هائل من الذكريات دفعةً واحدة، مجموعة من الصور والأصوات، بالإضافة إلى عدد كبير من الأسماء التي كانت حاضرة بقوة لدرجة أن لا ذاكرتي ولا عيناي استطاعتا تجاهلها.
فتحتُ عينيّ ببطء ورأيتُ الجدران والأثاث، كما أدركتُ صمتًا غير طبيعي في المكان جعلني أتساءل: أين أنا الآن، يا ترى؟ ثم تردّد اسمٌ واحد بوضوحٍ لا يُقاوم في ذهني في تلك اللحظة: كايل فون أركاد.
لم أكن مجرد شخصٍ عاديٍ منهك بعد حلمٍ غريب. كنت داخل الرواية التي قرأتها منذ زمنٍ طويل، عندما كنت لا أزال أدرس في المرحلة الثانوية.
كان هذا جسدًا لم أعرفه قبل لحظات، واسمًا لم أنطق به قط في حياتي الحقيقية، ولم يكن أيٌّ من هذا خبرًا جيدًا، لأن كايل ليس بطل هذه القصة، بل هو أحد أكثر الشخصيات الثانوية سوء سمعة، وإحدى أكثر الشخصيات كرهًا فيها، إذ احتل المرتبة الأخيرة في الاستطلاع الذي أجرته دار النشر بين قرّاء الرواية حول أفضل وأسوأ الشخصيات في العمل.
كايل مثالٌ حقيقي لرجلٍ لا ينال أي احترام، ولا أي حب، ولا ينبغي أن يُحب، ولا يمتلك أي قوة تُذكر.
وكما وُصف في الرواية، كان ذكيًا لكنه جبان، ماكرًا لكنه ضعيف، وكان يعتمد دائمًا على الخداع بدل المواجهة المباشرة.
ومن بين جميع الشخصيات الممكنة في الرواية، استيقظتُ في جسد شريرٍ ثانوي من الدرجة الثالثة، الشخص الذي يكرهه الجميع، بالإضافة إلى كونه يخون البطل في الفصل 47، ثم بعد عدة فصول، في الفصل 213، يُقتل على يد البطل ليون، ويموت وهو يتوسل للرحمة.
لكن لا أحد يهتم. جميع الشخصيات تكرهه، ولا أحد يكترث لمصيره—لا أبطال الرواية ولا حتى الأشرار أنفسهم.
أعرف هذا لأنني قرأت الرواية كاملة، والتي تتجاوز 1,500 فصل، متابعًا مسار البطل العظيم ليون، الذي لطالما تمنيت أن أكون مثله.
لكنني انتهيتُ متجسدًا في أسوأ شخصية: كايل فون أركاد. نظرتُ إلى يديّ، ثم إلى ذراعيّ، ثم إلى جسدٍ لم يخض معركة حقيقية واحدة في حياته. حتى بنيته الجسدية بدت أضعف بكثير مما تخيلته عندما قرأت نص الرواية لأول مرة.
ضحكتُ بمرارة وقلت لنفسي:
-«حتى المؤلف لم يحترمه».
كان المكان غرفة نومٍ واسعة داخل قصرٍ كبير، مؤثثة بأثاثٍ أنيق، وستائر حريرية، وسجادة فاخرة تغطي الأرضية، حيث كان كل شيء يدل على الثراء، ومع ذلك كان يفتقر إلى الدفء الموجود عادةً في جميع المنازل.
كان هذا قصر عائلة أركاد، العشيرة التي ستواجه سقوطها في المستقبل القريب على يد البطل الأسطوري والشخصية الرئيسية في الرواية، ليون فالهيم.
عكست الألوان الباردة للقصر مصير هذه العائلة في نص الرواية: نهاية خالية من التعاطف، نهاية بلا أمل. في تلك اللحظة، شعرتُ به، ورنينٌ حاد وسريع دوّى في رأسي، كان قويًا لدرجة أن عينيّ أدركتا شيئًا لا يمكن تفسيره إلا كونه وهمًا أو هلوسة، لولا ثقتي بعينيّ.
ظهرت كلمات أمامي، كما لو كانت تطفو في الهواء، وكأن ساحرًا قد علّقها:
-«تم تفعيل النظام: مراقب الحبكة».
لم أكن قد قرأت هذا من قبل، لأن الرواية الأصلية لم تتضمن مثل هذا النظام. ومع ذلك، كانت الكلمات واضحة.
تحذير:
-لا يمكنك قتل الشخصية الرئيسية.
-لا يمكنك الكشف صراحةً عن المستقبل.
-لا يمكنك تغيير الأحداث الكبرى قسرًا.
مسموح:
-التلاعب بالأحداث الثانوية.
-تغيير مصائر الشخصيات الثانوية.
-صناعة انحرافات منطقية.
ثم جاءت الجملة التي جعلت قلبي يتوقف للحظة بينما أقرأها:
-«أي انحراف غير محسوب قد يؤدي إلى حذفك الكامل من القصة وموتك الفوري».
جلستُ للحظة، أفكر بهدوء، وقلت لنفسي إن هذا لم يكن مجرد عالمٍ سردي عادي، بل في الحقيقة نظام بقاء—نظام لا يمنحني أي قوة خاصة أو قدرة فريدة، بل يضع قيودًا على كل خطوة سأخطوها من الآن فصاعدًا.
حاولتُ تنظيم أفكاري بعناية داخل الرواية واستدعاء جميع المعلومات المهمة.
إذا كنت أتذكر جيدًا، فإن كايل كان قد حاول بشدة الاقتراب من ليون، وعندما فعل ذلك، خانه لاحقًا في اللحظة المناسبة.
وعندما كُشف خيانته أمام البطل ورفاقه، كان عقابه قاسيًا للغاية وخاليًا من أي رحمة. لكنني كنت قارئًا ذكيًا في عالمي السابق، قارئًا نهمًا للروايات.
كنت أعرف من سيخون من، ومن سيموت مبكرًا، وحتى أي الشخصيات بدت طيبة وهي تخفي نوايا أخرى.
ثم سُمع طرقٌ مفاجئ على الباب—طرقٌ عالٍ، بالمناسبة—جعل قلبي يقفز من الخوف والرعب.
-«اللورد كايل؟ لقد وصل البطل ليون فالهيم إلى القصر».
كانت تلك الكلمات هي بداية الفصل الأول من الرواية التي كنت أقرأها في شبابي، عندما كان زملائي يواعدون الفتيات ويخرجون للعب ألعاب الفيديو، بينما كنت أنا ألتهم هذه الرواية بهوسٍ شديد، وقبل أن أصبح جزءًا منها، أو ربما كانت تلك هي النقطة التي بدأ عندها كل شيء يتغير.
أمسكتُ بمقبض الباب وأنا أكرر لنفسي:
-«لا تخف، لا تخف. والآن تبدأ اللعبة الحقيقية بالنسبة لي، ولا مجال للفشل».
قال صوتٌ من الخارج:
-«افتح الباب».
فتحتُ الباب ببطء، وظهر أمامي الشخص الذي كنت آمل ألا ألتقيه أبدًا.
كان ليون فالهيم، تمامًا كما وُصف في الرواية.
كان شعره ذهبيًا لامعًا، وعيناه زرقاوين صافيتين، ووقفته واثقة، وكأن العالم بأسره يتحرك وفق خطواته. ابتسم لي بابتسامة هادئة واثقة—ابتسامة ظلت منقوشة في ذاكرتي منذ قراءتي الأولى للرواية.
-«إنه لشرفٌ أن ألتقي بك، اللورد كايل».
كنت أعرف ما سيقوله بعد ذلك، وكنت أعرف أيضًا نبرة صوته، وتوقيت حديثه، وحتى الطريقة التي يفسّر بها ابتسامته.
لكنني لم أعد ذلك القارئ المراقب، لأنني هذه المرة كنت داخل النص حقًا، وكنت أعرف دوري، وكنت أعرف نهايتي.
فكرتُ أنه ربما كانت هناك فرصة ضئيلة، إذا لعبت أوراقي بحذر، أن أتمكن من تغييرها، وبعد أن تقدمتُ بخطوةٍ كاملة الثقة ومددتُ يدي لمصافحته.
لم تكن مصافحة خيانة هذه المرة، بل تحية شخصٍ يرفض الاستسلام بسهولة.
«إنه لشرفي، أيها البطل ليون، وآمل أن تكون هذه بداية مختلفة».
في تلك اللحظة بالذات، لاحظتُ ذلك. توقفت عيناه لثانيةٍ واحدة فقط—لحظة قصيرة لكنها كانت كافية لتسجيل انحرافٍ طفيف في الحبكة.
ثم سمعته يبتسم، لكن ليس بنفس اليقين الموصوف في الرواية الأصلية، وفي تلك اللحظة، شعرتُ بأن التاريخ قد بدأ يتغير، ولو بخطوةٍ صغيرة جدًا.