الفصل الأول: كانت رائحة الورق القديم تحيط بي كأنها غطاء دافئ… مكتبة صغيرة، كومة كتب بجانبي، وفنجان قهوة بدأ بخارها يتلاشى. صفحة… تليها صفحة… حتى نسيت الوقت. لقد كان ذلك النوع من الروايات التي تجذبك حتى آخر نفس، الرواية التي تعرف نهايتها لكنها مع ذلك تمزق قلبك. "الأميرة الحقيقية ستظهر… والشريرة ستموت." جملة قرأتها عشرات المرات، لكنها دائمًا تركت في داخلي شيئًا من الحزن. لم أكن أعلم أن تلك الجملة ستكون نبوءتي. على الطريق إلى المنزل، كان المطر ينساب على زجاج الحافلة، وأفكاري لا تزال غارقة في عالم الرواية. ثم… ضوء قوي، صرير مكابح، صوت صراخ… وشيء بارد اخترق جلدي. الهواء… لم يعد يدخل رئتي. الصوت الأخير الذي سمعته كان نبض قلبي… ثم صمت. ظلام… طويل… ثقيل… حتى فتحت عيناي، لأجدني ممددة على سرير ضخم، في غرفة فسيحة تزينها ستائر حريرية تنساب بلون أحمر داكن، كأمواج دم مجمدة في الهواء. نهضت ببطء، قدماي ترتجفان فوق أرضية باردة من الرخام، وعيناي تلتقطان انعكاسي في المرآة. وجه ليس وجهي… عينان واسعتان بلون وردي مخملي، شعر بنفسجي لامع ينسدل بنعومة على كتفي، وبشرة ناصعة كأنها لم تعرف الشمس يوماً. همست لنفسي، وقلبي يضق كطبول حرب: لا… هذا مستحيل… أنا أعرف هذا الوجه لم أجد وقتا للتفكير… فقد فتح الباب فجأة.. دخلت منه سيدة ترتدي زي الخدم… انحنت لي قائلتا: آنستي… السيد دوق يطلب رؤيتك في مكتبه… لم أعرف بماذا اجيب… مازلت غير مدركة للوضع الذي انا فيه.. فأومأتي برأس موافقة... وإنصرفت الخادمة… دوامة من الأفكار بدأت تعصف برأسي…أناملي ترتجف… وشعرت ببرودة تسري في جسدي…اقتربت من المرآة اكثر… على أمل أن أجد أي أثر يدل على أنني أحلم… لكن لا…العينين الورديتين إلتقيا بنظرة واحدة… فيهما بريق غامض… كأنهما تقولان أنت لست في حلم!؟ شهقت بقوة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة جمع شتات نفسي. إذن… لقد تجسدت داخل شخصية من الرواية. والأسوأ… أنني لست البطلة، بل الشريرة نفسها، كارولين، التي كتب المؤلف نهايتها بالدم والموت. ــ لِماذاااا o(╥﹏╥)o؟ من بين كل الشخصيات… كان يجب أن أكون هي؟ حاولت تمالك نفسي، أمسكت وجنتي بكلتا يدي وكأني أصفع عقلي كي يركز. اهدئي يا إيما… أو يا كارولين… أيا كنت الآن. أنا أعرف هذه الرواية، أحفظ أحداثها وتفاصيلها… وهذا يعني أنني قادرة على تغيير قدري. لن أسمح لموتي أن يكون مكتوبًا سلفا.. أجل، سأقاتل لأجل حياتي (ง'-̀̀'́)ง. لكن… قبل كل ذلك، يجب أن أذهب لملاقاة الدوق… الرجل الذي صار والدي الآن. ارتديت الفستان الذي جهزته لي الخادمة…كان فستانًا بلونٍ أزرق نيلي، ينسدل كأمواج الليل العميق، تتلألأ عليه بعض الجواهر البسيطة التي زادته رُقيًا دون مبالغة. تركت شعري البنفسجي منسدلا على كتفيّ، فانعكس لمعانه تحت الضوء الشاحب للغرفة. اقتربت من المرآة ونظرت لنفسي… وانبهرت. لم أتوقع أن تكون كارولين، الشريرة التي لطالما كرهتها وأنا أقرأ الرواية، بهذا الجمال الأخاذ… كانت ملامحها أشبه بلوحة رسمت بعناية.. لكن لم أكمل تأملي… إذ دوى طرق خفيف على الباب. دخلت الخادمة بانحناءة خفيفة، وقالت بصوت هادئ: ــ سيدتي، أتيت لاصطحابك… أعدت بصري إلى المرآة آخر مرة… تأملت الملامح التي لم أزل غير معتادة عليها، تلك العينان الوردية التي تخفي خلف بريقها أسرارا كثيرة، وذلك الجمال الساحر الذي لم يغير حقيقة أنني عالقة في جسد شخصية محكوم عليها بالموت. أخذت نفسا عميقا، محاولة أن أزرع بعض الثبات في قلبي المرتجف… ثم التفتت نحو الخادمة بابتسامة باهتة. ــ حسنا … لنذهب. تقدمت خطوتين خارج الغرفة، بينما صدى كعبي على الأرضية الرخامية بدا وكأنه يعلن بداية فصل جديد من قدري… ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2026/03/16 · 3 مشاهدة · 535 كلمة
نادي الروايات - 2026