حلّ الهدوء على المنزل بعد أن غادر الجميع إلى غرفهم، وغطّوا في نوم عميق.

كان البدر مكتملًا في السماء، ونسمة صيفية باردة تسللت عبر نافذة غرفة مايا، أيقظتها بلطف من نومها.

نهضت ببطء لتغلق النافذة، لكن عينها توقفت على شيء غريب في الشارع.

رجل طويل القامة يقف تحت عمود الإنارة، ساكنًا تمامًا، كأنه يراقب المنزل بصمت… عيناه تلمعان بشيء غامض لم تستطع مايا تفسيره.

ثم التفت الرجل نحوها… فجأة وجدت نفسها في مكان مختلف تمامًا: مستودع قديم، مظلم، تفوح منه رائحة الرطوبة والصدأ.

قلبها خفق بعنف، وعيناها تتفحصان المكان محاولة استيعاب ما يحدث.

سمعت صوتًا غريبًا. القبو في أرضية المستودع يهتز، وتخرج منه أصوات مكتومة، كأن شيئًا ما يحاول الخروج.

تجمدت دماؤها، وارتجف جسدها كله، وكأن شيئًا من العدم يضغط على صدرها.

ازداد الصوت قوة، ومع صرخة مايا المرعوبة… استيقظت فجأة.

كان الصباح قد حل، وأشعة الشمس تتسلل إلى الغرفة. جلست على سريرها تلهث، ثم نهضت مسرعة إلى النافذة لتتفقد الشارع، فلم يكن هناك أحد.

تنفست بارتياح، مطمئنة نفسها بأنه مجرد حلم… لكن شعورًا غريبًا ظل يزحف على ظهرها.

توجهت إلى المطبخ، حيث كانت جدتها تبدأ في إعداد الفطور.

ابتسمت لرؤيتها وقالت:

— «أوه، عجبًا! لقد استيقظتِ باكرًا اليوم. هل كل شيء بخير؟»

ردّت مايا بسرعة:

— «نعم، كل شيء بخير، لا تقلقي.»

بدأت تساعد جدتها، فطلبت منها أن توقظ كاي ليتناول الفطور معهم.

توجهت مايا إلى غرفة كاي وطرقت الباب مرارًا، لكن لم يكن هناك أي رد.

جرّبت فتحه بحذر، وكان مفتوحًا.

دخلت ببطء، لتجد كاي نائمًا بعمق على الأريكة.

اندَهشت مايا من ملامحه الهادئة، التي بدت وسيمة بشكل لم تلاحظه من قبل، وتمتمت لنفسها:

— «هل كان وسيمًا هكذا دائمًا؟»

لكن تعبًا واضحًا كان يطبع على وجهه.

فجأة فتح عينيه، ارتبكت مايا بسرعة، فقال كاي بصوت مبحوح:

— «ماذا تفعلين هنا؟»

أجابت متوترة:

— «جدتي طلبت مني أن أناديك للفطور.»

انسحبت بسرعة، متجهة إلى المطبخ.

اجتمعت العائلة على مائدة الطعام، ولاحظ الجميع الإرهاق على وجه كاي.

سألته جدته بقلق:

— «ما بك يا كاي؟ هل أنت بخير؟»

ابتسم كاي محاولًا التظاهر:

— «نعم، أنا بخير… فقط لم أنم جيدًا، كنت أتابع مسلسلًا.»

فهمت مايا سبب نومه على الأريكة، لكنها شعرت أن هناك شيئًا لم يقله… شيء يخفيه.

بعد الفطور، عاد كاي إلى غرفته وهمس لنفسه ساخرًا:

— «مسلسل؟ يا لها من كذبة غبية… لم أنم بسبب هذا الكتاب اللعين. حاولت فهمه بكل الطرق، لكنني لم أستطع.»

وفي الوقت نفسه، خرجت مايا للقاء صديقتيها ريم ونويل في منتصف المدينة.

هناك، التقت بفتى كان مع ريم ونويل. ابتسم وقال:

— «أنا جايدن، سررت بلقائك.»

ردّت مايا بابتسامة خفيفة:

— «سررت بمعرفتك.»

تجولوا قليلًا، لكن سرعان ما بدأ المطر الغزير يهطل.

نظرت ريم الى السماء وقالت بانزعاج:

— «أمطار في منتصف الصيف… هل هناك شيء اسوء من هذا؟»

ضحك الجميع، فقالت مايا:

— «منزلنا ليس بعيدًا، يمكننا اللعب والقيام بأنشطة ممتعة فيه.»

اتفقوا، وتوجهوا إلى بيت مايا، واستأذنت جدتها التي رحبت بهم.

جلسوا في الرواق قرب غرفة كاي، وبدأوا بالدردشة والضحك.

أيقظ الضجيج كاي، فخرج غاضبًا:

— «هناك من يحاول النوم هنا… خفّضوا أصواتكم!»

وقفت مايا للحظة، تراقبه، ثم قالت بجرأة:

— «كاي، أنت مستيقظ… ما رأيك بالانضمام لنا؟»

قال كاي ببطء:

— «ماذا…»

لم يكمل كلامه، حتى أمسكت مايا بيده بلطف وقالت:

— «ستنضم إلينا، أليس كذلك؟»

استغرب كاي للحظة، لكنه قرر الجلوس معهم رغم ذلك.

تعرف بعد قليل على جايدن، ثم على ريم ونويل، وبدأ الحوار بينهم، لكن التعب كان واضحًا عليه.

سأله جايدن بابتسامة ودودة:

— «هل هناك مشكلة يا كاي؟»

أجاب كاي بهدوء، وعيناه تكادان تغلقان:

— «نعم… قليلًا.»

قالت ريم مطمئنة:

— «أخبرنا بمشكلتك، ربما يمكننا مساعدتك.»

ابتسم كاي ابتسامة سطحية، وقال:

— «نعم، بالتأكيد يمكنكم مساعدتي… شكرًا لكم على هذا الوقت.»

ثم التفت نحو مايا، مع نفس الابتسامة السطحية:

— «وشكرًا لك أنتِ أيضًا.»

بعد قليل، دار وجهه، واختفت الابتسامة فورًا، وهمس لنفسه:

— «يا لهم من أغبياء…»

عاد إلى غرفته، وأكمل نومه، تاركًا الجميع في حالة من الفضول حوله.

بعد وقت طويل، غادر أصدقاء مايا بعد شكرها على استضافتهم.

توجهت مايا إلى المطبخ، وفي طريقها توقفت في الرواق لتلاقي كاي.

وقفت، تحدق فيه وكأنها تنتظر منه شيئًا، لكنه تجاهلها تمامًا، واستمر في السير دون كلمة.

في تلك الليلة، ظل كاي مستيقظًا على سريره، يتأمل الكتاب الغامض.

فجأة، ظهر انعكاس الكتاب على المرآة، وبدت بعض الحروف مفهومة، لكنه لم يستطع قراءة الكلمات.

بعد محاولات عديدة، استخدم هاتفه، فترجم جملة واحدة فقط:

— «خلف المستودع.»

شعر كاي بحماسة شديدة؛ أخيرًا، وجد خيطًا يقوده إلى السر.

خرج على الفور من البيت، متجهًا إلى المدينة بحثًا عن المستودع، لكن سرعان ما أدرك أنه لا يعرف المدينة جيدًا.

لم يمتلك رقم نويا للاتصال بها، وحتى لو كان يملكه، كان الوقت متأخرًا جدًا.

استمر كاي في البحث لساعات، يتجول في الشوارع والأزقة، لكن دون نتيجة.

في النهاية، قرر العودة إلى المنزل.

تزامن وصوله مع شروق الشمس، فتسلل إلى البيت بهدوء، ووصل إلى غرفته متعبًا.

ما أن استلقى على سريره، حتى سمع طرق الباب؛ كانت جدته تناديه.

عند قدومه إلى المائدة، بدا شاحبًا أكثر من المعتاد.

قالت الجدة بقلق:

— «يابني، عليك أن تقلل من مشاهدة المسلسلات.»

ضحك كاي بخفة:

— «حسنًا، سأحاول.»

وبينما كانوا يتناولون الفطور، تساءل كاي بصوت خافت:

— «هل تعرفون أي مستودع هنا؟»

تفاجأت مايا من سؤاله، لكن الجد أجاب بهدوء:

— «هناك مستودع قريب من هنا، يقع في طرف المدينة.»

ابتسم كاي بابتسامة خفيفة، وعند انتهاءهم من الأكل، قرر الخروج على الفور للبحث عنه.

لكن عند الباب، وجد مايا تنتظره، وقالت بحماس:

— «سأذهب معك.»

في البداية، رفض كاي الفكرة، لكنه قرر تجاهلها وسمح لها بالانضمام إليه.

تبعته على مضض، وبدأا يتجهان نحو طرف المدينة حيث يقع المستودع.

عند وصولهما، تلاشت حماستها؛ فالواقع لم يكن كما حلمت.

نظر كاي حوله، لكنه لم يلمح أي شيء يلفت الانتباه، فخاب ظنه هو الآخر.

ثم سمعت مايا نفسها تقول بخيبة:

— «أوف… ليس هو.»

التفت كاي مندهشًا وسألها:

— «ماذا تقصدين؟»

أجابت مايا:

— «لقد حلمت بأنني في مستودع قديم… لكن هذا ليس هو، هذا يبدو جديدًا.»

بعد عودتهما، حكت مايا لكاي حلمها كاملًا، بكل تفاصيله: الرجل الطويل، المستودع القديم، القبو، وصوت الكيان الذي حاول الخروج منه.

كان كاي ينصت باهتمام شديد، وكأن كل كلمة تؤكد شكوكه.

بعد لحظة صمت، قال لها بحزم:

— «اتصلي بأصدقائك. نلتقي جميعًا في مركز الألعاب.»

ثم غادر مسرعًا قبل أن تسأله عن السبب.

نفذت مايا ما طلبه، فاتصلت بريم، ونويل، وجايدن، وتوجهوا جميعًا إلى مركز الألعاب.

انتظروا كاي طويلًا، لكن الوقت مرّ وهو لم يظهر.

في تلك الأثناء، كان كاي في الصالة الرياضية، يبحث عن نويا.

جال بنظره في المكان، لكن دون جدوى.

بينما همّ بالمغادرة، اقترب منه شاب وقال:

— «أنت… ألست أنت من لعب المباراة معنا؟»

التفت كاي وقال:

— «نعم.»

— «أنا ماكس. هل تبحث عن شيء؟»

— «في الحقيقة، أبحث عن نويا. هل يمكنك الاتصال به؟»

هزّ ماكس رأسه معتذرًا:

— «لا أملك رقمه، لكنني أعرف أين يسكن.»

أضاءت عينا كاي:

— «هذا رائع، دلّني عليه.»

بعد أن أعطاه ماكس العنوان، توجّه كاي مباشرة إلى هناك.

طرق الباب، فخرجت والدة نويا. طلب منها أن تناديه، وما إن ظهر نويا حتى أمسك كاي بذراعه وقال بسرعة:

— «تعال معي، سأشرح في الطريق.»

توجها معًا إلى مركز الألعاب.

وبعد وصول كاي، شرح لهم كل ما حدث: المستودع، والحلم.

سكت الجميع، إلى أن قال نويا:

— «هناك أسطورة قديمة عن الغابة.»

أنصتوا جميعًا، فتابع:

— «قبل زمن بعيد، كان هناك رجل يُدعى سايمون. كان شديد الذكاء، تخرج في سن صغيرة، وحصل على العديد من الشهادات. حياته كانت ناجحة… إلى أن جاء إلى نيرفال لدراسة ظواهر خارقة للطبيعة.»

توقف قليلًا، ثم أكمل:

— «بنى مستودعًا ضخمًا في قلب الغابة. في البداية، كان الناس يرونه يوميًا، لكن مع الوقت أصبح نادر الظهور. وعندما كان يخرج، كانت حالته سيئة، يردد كلمة غريبة باستمرار… (مكاجت). فلقبه الناس بالمجنون مكاجت.»

ساد الصمت، ثم قال نويا:

— «بعد فترة، اختفى تمامًا. اعتقد الناس انه قد فارق الحياة لكن لم يُعثر على جثته… فقط اختفى.»

كان كاي يستمع بانبهار، ثم سأل بسرعة:

— «هل تعرف موقع هذا المستودع؟»

هز نويا رأسه:

— «ليس بدقة، لكن الناس يقولون إنه في الغابة.»

ابتسم كاي وقال بحماس:

— «إذن… هيا بنا، ماذا ننتظر؟»

توجهت المجموعة إلى الغابة، وقبل التوغل فيها قال كاي:

— «لكي نعثر عليه أسرع، من الأفضل أن نفترق.»

تبادلوا أرقام الاتصال تحسبًا لأي طارئ، ثم انقسموا إلى ثلاث ثنائيات:

كاي مع ريم، نويا مع مايا، وجايدن مع نويل.

أثناء سير كاي مع ريم، حاولت استغلال الفرصة للتعرف عليه أكثر، لكن كاي بدا شاردًا، غير مكترث، إلى أن سمعا صوت حركة في العشب.

توقفا بحذر، لكن سرعان ما اتضح أنهما نويا ومايا وقد وصلا إلى نفس المكان.

أما جايدن ونويل، فقد بدأت رياح قوية تهب فجأة، جعلت أوراق الأشجار تتمايل بعنف.

كان المشهد باعثًا على القشعريرة، إلى أن سمع جايدن صوت ارتطام غصن بشيء معدني.

توجه نحو الصوت، فتفاجأ بمستودع قديم: أبوابه خشبية متهالكة، وجدرانه المعدنية صدئة.

اتصل فورًا بالمجموعة وأخبرهم بالمكان. أراد الدخول، لكن نويل منعته بخوف واضح.

ما إن وصلت المجموعة، حتى شحبت ملامح مايا، وقالت بصوت مرتجف: — «إنه… هو. هذا هو الذي رأيته في حلمي.»

تحمس كاي، وبدأ يتفقد المكان من الخارج، لكنه لم يجد شيئًا لافتًا.

قرروا الدخول.

فتح نويا الباب ببطء، فصدر صرير طويل.

كان الداخل مليئًا بالغبار، والأدوات العلمية القديمة متناثرة في كل مكان.

قال نويا بدهشة: — «إنها حقيقية… أسطورة المجنون مكاجت كانت حقيقية طوال الوقت.»

تقدمت مايا داخل المستودع، تبحث بعينيها عن القبو الذي رأته في حلمها، لكنها لم تجده.

وفجأة، صرخت ريم: — «آااه! عنكبوت!»

انفجر الجميع بالضحك، وبهذا التوتر الخفيف، قرروا العودة إلى المدينة بعد هذه المغامرة الجميلة.

كان الجميع سعداء بعثورهم على المستودع… إلا كاي.

عاد محبطًا، فقد رفع آماله كثيرًا، لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه.

في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، ظل كاي مستيقظًا، يتمتم بصوت خافت: — «لقد وجدنا المستودع… وهذا يعني أن أسطورة سايمون حقيقية.»

سكت لحظة، ثم تابع: — «سايمون… المجنون مكاجت. مكاجت… ما معنى هذه الكلمة أصلاً؟ وبما أن الهاتف استطاع ترجمة جملة واحدة فقط، فهل هذا يعني أنه مكتوب بلغة غير بشرية؟ وإن كانت كذلك… فهل كان لسايمون علاقة بالكتاب؟ هل يمكن أن يكون هو من كتبه؟»

ازداد تفكيره اضطرابًا: — «وإن لم يُعثر على جثته… هل من الممكن أنه ما زال حيًا؟»

وبينما كان غارقًا في أفكاره، غلبه النعاس أخيرًا، فغطّ في نوم عميق، تاركًا إيانا في حيرة من أمرنا…

2025/12/31 · 14 مشاهدة · 1642 كلمة
『FAY』
نادي الروايات - 2026