في صباح اليوم التالي، وقف كاي عند باب المنزل، يستعد للخروج، حين لمح مايا واقفة في الردهة.
توقفت أمامه وحدّقت فيه بصمت طويل، كأنها تحاول رؤية ما يخفيه خلف ذلك الهدوء القاسي.
قالت أخيرًا بصوت منخفض:
— لماذا؟
توقفت لحظة، ثم أضافت:
— لماذا فعلت هذا يا كاي؟
لم يجب.
اقتربت خطوة أخرى، وصوتها ثابت رغم ارتعاشة خفية:
— أعلم أنك تواجه شيئًا…
شيئًا يمنعك من الوثوق بنا.
رفعت عينيها إليه، ونبرتها صارت أدفأ، أكثر صدقًا:
— لكن أريدك أن تعرف شيئًا واحدًا…
نحن هنا. إن احتجت أي شيء.
ظل كاي صامتًا.
ثم تجاوزها وخرج دون أن يلتفت خلفه.
سار في شوارع المدينة بينما بدأ المطر ينهمر ببطء.
قطرات رقيقة انزلقت على وجهه، باردة، مألوفة.
أخرج الصورة من جيبه وحدّق فيها مجددًا.
لم يعد يشك.
كان هناك… قبو.
شدّ معطفه على كتفيه، وتابع طريقه نحو الغابة، غير مبالٍ بالمطر ولا بالبرد الذي بدأ يتسلل إلى عظامه.
في الوقت نفسه، وصلت مايا إلى منزل ريم.
جلستا في الغرفة، وحكت ما جرى بهدوء، لكن مع كل كلمة كان التوتر يتصاعد، يضغط على الهواء بينهما.
تنهدت ريم بحزن:
— ما الذي قد يدفع شخصًا لفعل هذا؟
ثم تجمدت ملامحها فجأة.
— مايا…
من هذا في الشارع؟
اقتربت مايا ببطء من النافذة.
وعندما نظرت…
شعرت بقلبها يهبط.
الرجل الطويل كان واقفًا هناك، تحت المطر، بلا حراك.
لم يكن ينظر إلى البيت…
كان ينظر إليهما.
ثم تحرك.
بسرعة غير طبيعية، نحو الباب.
— اختبئي… — همست مايا.
اختبأتا داخل الخزانة.
البيت كان خاليًا تمامًا في ذلك اليوم.
سمعتا خطواته تتجول ببطء مرعب.
كل خطوة كانت تضرب الأعصاب، أقرب… ثم أبعد… ثم أقرب.
مرّت دقائق طويلة قبل أن يختفي الصوت.
خرجت ريم بحذر:
— لقد… رحل.
تنفست مايا بعمق، وقالت بصوت جاد:
— هذا يؤكد أنه لم يكن مجرد حلم.
هزّت ريم رأسها بقلق:
— إن كانت الأحلام تتحقق…
فهذا يعني أنه متجه إلى المستودع.
توقفت، ثم أضافت بصوت أخفض:
— كاي سيكون هناك أيضًا…
تمامًا كما في حلم جايدن.
اتسعت عينا مايا رعبًا.
أما كاي، فقد وصل إلى المستودع.
وقبل أن يتمكن من التقدم،
ضربة مفاجئة أسقطته أرضًا…
وغاب عن الوعي.
عندما فتح عينيه، وجد نفسه في مكان يشبه كهفًا ترابيًا.
الهواء بارد، رطب، ورائحة العفن تخترق أنفاسه.
حاول النهوض، لكن خطوات اقتربت من الظلام.
ظهر المخلوق الصغير.
القزم…
الذي رآه سابقًا يحفر في الحديقة.
— كاي…
لقد حاولنا إبعادكم عن هذا الأمر بكل ما نملك.
لكننا فشلنا.
شدّ كاي قبضتيه:
— من أنت؟
وماذا تريد مني؟
— أنا قزم يُدعى جيلبن.
توقف لحظة، ثم قال بحدة:
— كيف وجدت الكتاب؟
— رأيتك تدفنه في الحديقة.
تجمّد جيلبن.
ثم قال بصوت منخفض:
— إذًا… لقد فات الأوان.
لقد اختارك.
— ماذا تقصد؟
تقدم جيلبن قليلًا، وظهرت ملامحه بوضوح:
لحية طويلة، شعر أشيب، ووجه أنهكه الزمن.
— دفنتُ ذلك الكتاب منذ عشرين سنة.
صرخ كاي:
— هذا مستحيل!
رأيتك منذ أقل من أسبوعين!
تنهد جيلبن بعمق.
في لحظة خاطفة، تحرر كاي، أمسك عصا خشبية وضغط بها على رقبة جيلبن:
— تكلم.
الآن.
— وما هذا المكان أصلًا؟
قال جيلبن بصعوبة:
— نحن في قلب الغابة…
تحت الشجرة العظيمة التي يتجاوز عمرها مئة عام.
— حسنا، هذا لا يهم.
أخبرني عن الكتاب.
بدأ جيلبن يحكي:
— أنا والرجل الطويل كنا أول تجارب السيد جو.
كنا فاشلين…
بدل أن نصبح أقوياء، صرتُ قزمًا ضعيفًا،
وصار هو… شيئًا آخر.
صمت قليلًا، ثم تابع:
— في ذلك اليوم، كنا قرب البيت الخشبي.
تغير الجو فجأة.
رأينا سايمون يدخل مسرعًا… ثم خرج مذعورًا.
طلب من الرجل الطويل أن يرافقه…
وأمرني أن أخفي الكتاب في مكان لا يجده أحد.
— ولماذا منزل جدي؟
— لم يكن هناك منزل آنذاك.
دفنته هناك… وكانت آخر مرة رأيت فيها سايمون.
عندما عدت، وجدت الرجل الطويل ملقى أمام البيت الخشبي.
ومنذ ذلك اليوم… لم يعد كما كان.
سأله كاي عن الملفات.
أنكر جيلبن معرفته بها.
تركه كاي ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة، وغادر.
وفي الظلام، تمتم جيلبن بصوت مرتجف:
— عليك منعه…
هذا آخر أمر لك…
أيها الرجل الطويل.
غادر كاي المكان دون أن يلتفت خلفه.
ترك جيلبن ملقى على الأرض، أنفاسه متقطعة، وصدى كلماته يطارده كأثرٍ ثقيل:
«عليك منعه… هذا آخر أمر لك…»
لم يعرف كاي إن كان ذلك توسّلًا…
أم تحذيرًا متأخرًا.
اتصلت ريم بالمجموعة.
رفض جايدن ونويل الذهاب، الخوف كان أسرع من الفضول هذه المرة.
أما نويا، فتردد قليلًا… ثم وافق.
التقوا بصمت، وتوجهوا نحو المستودع، وكل واحد منهم يحمل شعورًا لا يعرف كيف يصفه.
وفي الوقت نفسه…
كان كاي يقف أمام باب المستودع.
مدّ يده لفتحه.
لكن قبل أن يفعل—
خرج الرجل الطويل من الداخل.
لم يكن يمشي…
كان ينزلق، كأن الأرض نفسها تحمله.
توقف كاي في مكانه، وثبّت نظره عليه.
قال بهدوء غريب، يخفي توترًا عميقًا:
— أخيرًا…
هذا أول لقاء بيننا، أليس كذلك؟
لم يرد الكيان.
تقدم خطوة.
ثم أخرى.
قال كاي، صوته ثابت رغم تسارع أنفاسه:
— قوتك…
من خوف الآخرين منك.
توقف الرجل الطويل.
رفع كاي رأسه قليلًا، وأكمل:
— لكن هذا أيضًا أكبر ضعف لديك.
لأنني… لا أخافك.
أغمض عينيه.
ترك كل شيء يمر في ذهنه:
الغابة، القبو، سايمون، جيلبن…
ووجوه أصدقائه.
وعندما فتح عينيه—
اختفى الكيان.
كأنّه لم يكن موجودًا قط.
دخل كاي المستودع.
تقدم بخطوات حذرة، وحدد مكان القبو كما في الصورة.
أزاح أوراق الشجر، وظهر الغطاء المعدني.
وقف أمامه للحظات.
الهواء الخارج من الفتحة كان ثقيلًا…
خانقًا…
كأنه يحمل أنفاس الماضي نفسه.
أضاء فلاش هاتفه، وبدأ النزول.
كل خطوة تصدر صريرًا خافتًا.
العناكب علّقت خيوطها في الزوايا،
والغبار يملأ المكان كضباب راكد.
توقف فجأة.
أقفاص.
بعضها مكسور…
وبعضها مغلق.
نظر داخل أحدها،
ثم أشاح بوجهه سريعًا.
— ما الذي كنت تفعله يا سايمون…؟
— تمتم بصوت بالكاد سمعه.
تابع السير حتى وصل إلى باب معدني صدئ.
وضع يده عليه.
تردد.
ثم دفعه ببطء.
الداخل كان أسوأ مما تخيّل.
أدوات علمية متناثرة.
زجاج مكسور.
بقع داكنة على الأرض لا تحتاج تفسيرًا.
وفي الزاوية—
هيكل عظمي جالس.
كأنه لم يغادر مكانه أبدًا.
بين يديه… جهاز تسجيل.
اقترب كاي بحذر، وضغط زر التشغيل.
— أنا سايمون باينز…
— هذه المحاولة الثانية عشرة…
— وفشلت مجددًا…
انقطع الصوت.
نظر كاي إلى الشارة المعدنية على الصدر.
سايمون باينز.
تراجع خطوة.
هنا فقط…
أدرك الحقيقة كاملة.
بدأ يبحث بجنون.
حتى وجد الملفات.
رقم واحد:
يمكن التخلص من القزم بسهولة.
رقم اثنان:
الرجل الطويل يمكن التخلص منه بطعن نواته في قلبه.
ثم…
رقم ثمنية.
فتح الصفحة.
كانت فارغة.
شعر بحرقة في عينيه.
ثم بدأ الدم يسيل من أنفه.
— غاز…
أدرك الخطر متأخرًا.
استدار مسرعًا نحو الخارج.
هرول كاي عبر سلالم القبو نحو الخارج.
كانت قدماه ثقيلتين، ورأسه يدور، كأن الأرض تميل تحته ببطء.
اتكأ على الجدار، يلهث، يتنفس بصعوبة، لكن إصراره كان أقوى من الوهن الذي ينهش جسده.
واصل الصعود…
درجة تلو الأخرى.
حتى خرج أخيرًا من القبو.
سقط على ظهره داخل المستودع، صدره يعلو ويهبط بعنف، أنفاسه متقطعة، والوعي ينسحب منه شيئًا فشيئًا.
بدأت ظلال غريبة تتحرك من حوله.
نظر كاي بصعوبة…
الظلام كان يزحف، يبتلع المكان، يقترب منه ببطء مخيف.
وفجأة.
فراغ.
فراغ تام.
حاول التحرك، لكن لم يكن هناك شيء… لا أرض، لا جدران، لا اتجاهات.
ثم سمع صوتًا.
صوتًا عميقًا، ثابتًا، يحمل قوة وتحكمًا مطلقين:
— كاي… أنت تملك شيئًا.
انقطع الصوت.
صرخ كاي في الفراغ:
— من أنت؟!
ماذا تريد مني؟!
لا إجابة.
حتى اخترق الفراغ صوت آخر…
صوت مألوف.
— كاي!
هل هناك أحد هنا؟!
كان صوت ريم… خارج المستودع.
عاد كل شيء فجأة.
تحرك كاي بصعوبة، يزحف نحو الباب المفتوح.
رأى أصدقاءه يتقدمون بحذر نحو الداخل.
لكن خلفهم
كان الرجل الطويل.
يتحرك بسرعة غير طبيعية.
تجمد الدم في عروق كاي.
دون تفكير، أمسك عمودًا حديديًا حاد الطرف، ونهض مترنحًا.
اندفع خارج المستودع.
تفاجأوا برؤيته، لكن كاي لم يقل شيئًا.
دفع نويا أرضًا بقوة، ورفع العمود الحديدي في اللحظة ذاتها.
كان الرجل الطويل مسرعًا…
لم يتمكن من التوقف.
اخترق العمود صدره.
سقط الكيان أرضًا، والدماء تغمر المكان.
ساد صمت ثقيل.
نظر كاي إلى أصدقائه…
ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه.
ثم انهارت قدماه.
سقط أرضًا، والدم ينزف من أنفه بغزارة.
أسرع نويا إليه، حمله مع الآخرين، وانطلقوا به نحو المستشفى.
جلسوا في قاعة الانتظار، القلق ينهشهم بصمت.
مرت الدقائق بطيئة…
ثقيلة.
حتى خرج الطبيب أخيرًا.
— حالته مستقرة، يحتاج فقط إلى الراحة.
تنفسوا جميعًا بارتياح.
وبعد وقت قصير، خرج كاي… سليمًا.
نظر إليهم، وعيناه تلمعان بتأثر:
— أنا آسف…
قالت ريم بنبرة مطمئنة:
— لا يوجد شيء لتعتذر من أجله.
تقدمت مايا خطوة، نظرتها ثابتة:
— قلت لك…
لن تكون وحدك.
ابتسم نويا، وضرب كاي بخفة على صدره:
— لقد أنقذتنا يا صاح، ارفع رأسك.
ابتسم كاي بصمت.
سأل عن جايدن ونويل.
قالت ريم:
— يحتاجان بعض الوقت… ليعود كل شيء كما كان.
أومأ كاي برأسه.
ثم افترقوا…
وعاد كل واحد إلى بيته.
في مكان آخر…
همس جيلبن بصوت مرتجف:
— لقد مات…
وقبل أن يكمل.
ظهر ظل سريع.
وطعنه.
جلس كاي مع افراد عائلته حول المائدة يضحكون ويتحدثون،
كأن ما حدث لم يكن سوى كابوس عابر.
الضوء دافئ.
الوجوه مألوفة.
كل شيء يبدو طبيعيًا…
أكثر مما يجب.
راقبهم كاي بصمت.
في صدره ثقل لم يزُل.
لم يخبرهم عن الورقة الفارغة.
ولا عن الملفات الناقصة.
ولا عن ذلك الإحساس…
أن شيئًا ما لم يُغلق بعد.
في داخله، كان متأكدًا من أمر واحد:
ما حدث اليوم…
لم يكن نهاية القصة.
رفعت مايا رأسها، ونظرت إليهم مبتسمة، وهمست في نفسها:
«ليت هذا الهدوء يدوم إلى الأبد…»
لكن في أعماق الغابة،
حيث لا يصل الضوء.
كان هناك شيء آخر
قد استيقظ.
شيء…
لم يُكتب اسمه بعد.
«أفكّر نوقف شوية ونأخذ استراحة قصيرة، لكن إذا حابين الفصل الخامس نقدر ننزّله بعد يومين أو ثلاثة. قولولي رأيكم وتعليقاتكم تهمّني كثيرا 🤍»