في صباحٍ صيفي هادئ، تسللت أشعة الشمس الذهبية بين أوراق الأشجار الكثيفة، وانعكست على سطح الجدول الصافي كخيوط ضوء حيّة تتحرك مع الماء.
النسيم الخفيف مرّ برفق، حرّك الأغصان، وترك في المكان سكونًا مريحًا… كأنه نفسٌ عميق للطبيعة.
جلس كاي على صخرة قرب الضفة، يحتضن جيتاره.
انزلقت أصابعه فوق الأوتار بنغمات هادئة، ليست لحنًا مكتملًا، بل محاولة صامتة لترتيب أفكاره.
مرّ أسبوعان منذ تلك الليلة في الغابة…
وشهر كامل منذ قدومي أنا ومايا إلى هذه البلدة.
تنهد بصمت.
عاد كل شيء ظاهريًا إلى طبيعته. اعتذر، تقبّلوا اعتذاره، ضحكوا مجددًا… لكن داخله لم يعد كما كان.
شيء تغيّر.
شيء لم يجد له اسمًا بعد.
ورغم العهد الذي قطعوه بعدم العودة إلى الغابة، ظل هذا المكان يجذبه بقوة غامضة… كأنه يعرفه.
أو ينتظره.
في الوقت نفسه، كانت مايا في المطبخ تساعد جدتها في إعداد الفطور.
نويا وجايدن انشغلا في مركز الألعاب، بينما ذهبت ريم ونويل إلى السينما الجديدة.
يوم عادي.
هادئ أكثر مما يجب.
فجأة
كراك.
توقفت أصابع كاي.
غصن مكسور.
رفع رأسه بحدة، وعيناه تجولان بين الأشجار… حتى رآها.
فتاة تقف بين الظلال بهدوء.
شعر داكن، تتخلله خصلات زرقاء عند الأطراف.
لم تنظر إليه كمن مرّ صدفة… بل كمن كان يستمع منذ وقت.
ابتسمت وقالت بصوت صادق:
— عزفك جميل… من أين تعلمته؟
ارتبك للحظة، ثم ابتسم بخفة:
— قصة طويلة.
ضحكت، وكأنها توقعت الجواب.
— هل أنت متفرغ؟
— نعم… لماذا؟
اقتربت خطوة، وقد حسمت أمرها:
— اتبعني، وستفهم.
وأثناء سيرهما، سألها عن سبب وجودها هنا.
نظرت حولها قبل أن تجيب:
— كنت أبحث عن المسرح… لكن عزفك جذبني دون أن أشعر.
توقف كاي قليلًا.
— إذًا أنتِ ضائعة… ولستِ من المدينة؟
— بالضبط.
ضحك بخفة:
— المسرح ليس من هذا الاتجاه… لكن تعالي، أعرف الطريق.
في تلك الأثناء، انتشر الخبر كالنار في الهشيم.
منشور عاجل.
ملصقات تُعلّق على عجل.
وهمسات تتنقل بين المقاهي:
فرقة “عازفوا الليل” تقدم عرضًا مفاجئًا هذا الصباح.
وخلال دقائق، بدأ الناس يتجهون نحو المسرح.
ومن بينهم… أصدقاء كاي.
ما إن وصلا حتى قادته الفتاة مباشرة إلى غرفة خلف المسرح.
أُغلق الباب.
قالت بثقة:
— اسمي لينا… وأنا عضوة في فرقة عازفوا الليل.
وقبل أن يستوعب كلماتها، دخل باقي الأعضاء.
لاري، قائد الفرقة وعازف البيانو.
كلارا، عازفة الطبول.
إيثان، عازف الكمان.
قالت لينا بحماس:
— هذا هو عازف الجيتار الذي حدثتكم عنه.
تبادلوا نظرات سريعة.
ثم ابتسم لاري:
— فلنرَ إن كانت الموسيقى تتحدث كما تقولين.
ارتدى كاي قميص الفرقة.
قلبه يخفق.
شعور مألوف عاد… لكنه هذه المرة لم يكن خوفًا خالصًا.
كان انتظارًا.
— ماذا عليّ أن أفعل؟
— اعزف فقط… واترك الباقي لنا.
عندما أُسدل الستار، صُدم بحجم الجمهور.
للحظة، عاد التوتر القديم… نفس الإحساس حين شعر أن العيون تراقبه.
لكن هذه المرة
لم يهرب.
اقتربت لينا وهمست:
— كن على طبيعتك.
ومع أول نغمة…
تغيّر كل شيء.
انسكبت الموسيقى بسلاسة.
تلاشى التوتر.
صار الجيتار امتدادًا لروحه.
نظرات الدهشة علت وجوه الفرقة، والجمهور اندمج بسرعة غير متوقعة.
همست ريم مذهولة:
— هل هذا… كاي؟
— نعم… هو نفسه. — قال جايدن دون أن يشيح بنظره.
قال لاري بصوت خافت:
— أعتقد أننا اكتشفنا جوهرة حقيقية.
بعد منتصف الأغنية، أضافت لينا صوتها.
ارتفع… ثم هدأ.
تداخل مع عزف كاي، فخلق توترًا جميلًا، وسحرًا خاصًا.
كأن الموسيقى تحكي عن المدينة.
عن الغابة.
وعن أسرار لم تُقل بعد.
عندما انتهت الأغنية…
سقط الصمت لحظة قصيرة.
ثم انفجر التصفيق.
ابتسم كاي، غير مصدّق.
همست لينا:
— ألم أقل لك؟ فقط صدّق قلبك.
بعد العرض، اندفع نويا ليعانقه.
— لقد أبهرتنا!
قالت ريم ضاحكة:
— واضح أنك كنت تخبّئ عالمًا كاملًا داخلك.
للمرة الأولى منذ زمن…
شعر كاي بالراحة.
في المساء، وبعد كل الضجيج، اجتمعوا في الصالة الرياضية.
ضحك.
لعب.
محاولة لاستعادة يوم عادي.
لكن
انفتح الباب.
— كاي!
دخلت لينا بابتسامة خفيفة.
— أريد التحدث معك.
— ما الأمر؟
— الفرقة ترغب في دعوتك على العشاء… ويمكنك إحضار رفاقك.
ساد الصمت.
ثم انفجروا حماسة.
لاحقًا، في غرفته، وقف كاي أمام المرآة.
رتب ملابسه… ثم وقع نظره على الكتاب.
توقف.
هل انتهى الأمر حقًا؟
أدار نظره بعيدًا.
قرر تجاهله.
خرج ليجد مايا بانتظاره عند الباب، قالت بنفاد صبر لطيف:
— «لماذا تأخرت؟ سنتأخر!»
ابتسم كاي، وانطلقا معًا.
عند نقطة اللقاء، تفاجأ الجميع بأنفسهم؛ كانوا في قمة أناقتهم، لكن كاي كان لافتًا بشكل خاص، بملابسه الصيفية العصرية وشعره الداكن المرتب، وكأنه ينتمي إلى هذا المشهد دون عناء.
توجهوا مباشرة إلى المطعم، حيث كانت الفرقة بانتظارهم. تبادلوا التحية وجلسوا، وسرعان ما امتلأ الجو بالحديث والضحك.
قالت ريم بإعجاب صادق:
— «عرضكم اليوم كان رائعًا بحق.»
ابتسم إيثان مجيبًا:
— «شكرًا، يسعدنا سماع ذلك.»
استأذن كاي بهدوء وتوجه إلى الحمام.
وعند خروجه، وجد لينا واقفة تنتظره.
قال مازحًا:
— «على حد علمي… هذا ليس حمام النساء.»
ضحكت بخفة، ثم قالت:
— «أريد التحدث معك.»
— «أنا كل آذانٍ مصغية.»
— «ليس هنا.»
بينما كانت الفرقة تستمتع بوقتها مع أصدقاء كاي، خرج هو ولينا يتمشيان في أرجاء المدينة.
الليل كان دافئًا، والأنوار تنعكس على الأرصفة، مانحة المكان جمالًا هادئًا.
بدأت لينا الحديث:
— «أنا عضوة في هذه الفرقة منذ ثلاث سنوات. كنا نتنقل من مدينة لأخرى، نقدم العروض دون توقف.»
قال كاي مبتسمًا:
— «يبدو أمرًا جميلًا.»
تابعت، وصوتها يحمل مسحة حنين:
— «خلال تلك السنوات، كنت بعيدة عن مسقط رأسي… لكن الرحلة كانت جميلة. في كل مدينة، كنا نكسب أصدقاء جدد.»
توقفت لحظة، ثم أضافت بتأثر:
— «وعندما عدت أخيرًا إلى نيرفال… رأيت شابًا هادئًا، يأتي كل يوم إلى نفس المكان قرب الجدول، يعزف بجيتاره.»
نظرت إليه:
— «أخبرت الفرقة عنك. قلت لهم إنني أريدك معنا.»
ضحك كاي بخفة:
— «إذًا لم يكن انضمامي صدفة.»
أومأت:
— «لاري رفض في البداية. لذلك نظمنا عرض اليوم… لم يكن ضمن جدولنا أصلًا.»
ابتسم كاي:
— «كنت أشعر أن هناك شيئًا غريبًا.»
ثم سألها:
— «هذا يعني أنك من نيرفال؟»
— «نعم.»
— «ومنذ متى وأنتم هنا؟»
— «منذ أسبوع.»
رفع حاجبيه بدهشة:
— «هذا يعني أنك كنتِ… تراقبينني منذ مدة؟»
احمرّ وجهها قليلًا، ثم ضحكت:
— «ربما.»
وصلا إلى الحديقة وسط المدينة، حيث كان عازف جيتار مبتدئ يقدم عرضًا متواضعًا.
قال كاي مبتسمًا:
— «هل تريدين رؤية شيء جميل؟»
أومأت بحماس.
أمسك يدها وسحبها بخفة نحو العازف، وقال له بلطف:
— «هل يمكنني استعارة الجيتار قليلًا؟»
تردد الشاب، ثم ناوله له.
بدأ كاي العزف بهدوء…
نغمات منسجمة تحولت تدريجيًا إلى أغنية رومانسية معروفة. بدأ الناس يتجمعون.
وقفت لينا بجانبه، وصوتها العذب ينساب مع اللحن.
حين انتهيا، دوّى التصفيق.
عادا إلى مقعدهما، وقالت لينا بابتسامة حالمة:
— «يذكرني هذا بطفولتي… عندما كنت مغنية مبتدئة.»
ثم سالت كاي:
— «كيف دخلت عالم الموسيقى؟»
سكت كاي للحظة، ونظر أمامه دون أن يرى الحديقة من حوله. كأن الزمن انكمش فجأة، وأعاده إلى مكان آخر… وزمنٍ آخر.
قال بصوتٍ منخفض:
— «عندما كنت صغيرًا… كنت في السابعة من عمري.»
تنفّس بعمق قبل أن يتابع:
— «كان لدي صديقان مقربان جدًا… توم ولوكا. كنا لا نفترق أبدًا. نلعب معًا، نضحك معًا، ونظن أن شيئًا في هذا العالم لن يفرقنا.»
ارتجف صوته قليلًا، لكنه واصل:
— «في أحد الأيام، كنا نلعب قرب ضفة النهر. الماء كان أعلى من المعتاد، والتيار قوي… لكننا لم نكن نعي الخطر.»
ابتلع ريقه.
— «انزلقتُ فجأة، وسقطت في الماء. حاولت السباحة، لكن التيار جذبني بقوة. لوكا قفز فورًا ليساعدني… رغم أنه لم يكن يجيد السباحة أصلًا.»
خفض رأسه.
— «تمسكتُ بغصن هش عند الحافة، ولوكا كان ممسكًا بي. صرخت طالبًا المساعدة… ناديت توم.»
سكت لثوانٍ، ثم قال بصوت مكسور:
— «لكنه… هرب.»
— «لم يحاول حتى… لم يصرخ… لم يقترب. فقط ركض، وكأننا لم نكن شيئًا.»
أغمض كاي عينيه.
— «الغصن انكسر. جرفنا التيار. في تلك اللحظة، اصطدم رأس لوكا بصخرة كبيرة… وفقد وعيه بين يدي.»
ارتعش صوته أكثر:
— «صرخت بكل ما أملك. صرخت حتى شعرت أن صدري سينفجر. لحسن الحظ، سمعني رجل بالغ كان قريبًا، وقفز إلينا وأخرجنا من الماء.»
تنفّس بصعوبة.
— «اتصل بالإسعاف فورًا… لكن الوقت كان قد فات.»
فتح عينيه، وقد لمع فيهما ألم قديم:
— «لوكا… مات.»
ساد صمت ثقيل.
— «انهرت. كنت ألوم نفسي… لأنني السبب، لأنني كنت أضعف، لأنني سقطت أولًا.»
قال بصوت خافت:
— «بعد ذلك اليوم، لم أرَ توم مجددًا. سمعت أن عائلته انتقلت من البلدة. ولا زلت حتى اليوم لا أفهم… لماذا هرب؟ كان بإمكانه إنقاذنا… أو على الأقل المحاولة.»
ابتسم ابتسامة باهتة:
— «بعدها انعزلت. شعرت بالحقد عليه… وبالذنب تجاه لوكا. والأسوأ أن عائلتي كانت منشغلة في تلك الفترة… فكنت وحدي.»
رفع نظره نحو لينا.
— «في أحد الأيام، وجدتُ جيتار والدي في المنزل. كان قديمًا، لكنه بحالة جيدة. بدأت أعزف دون هدف… فقط لأُسكت ما بداخلي.»
تنهد.
— «ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الموسيقى تسلية فقط بالنسبة لي. أصبحت طريقتي الوحيدة للتنفّس. كل نغمة كانت تقول شيئًا لم أستطع قوله بصوتي.»
سكت، ثم قال بهدوء صادق:
— «لهذا أعزف… ليس لأنني أريد أن أُسمع الناس، بل لأنني أستطيع أن أعبّر عن مشاعر لا يمكن إيصالها بالكلام..»
حين انتهى، كانت عينا لينا تلمعان.
احتضنته قائلة:
— «أنا آسفة لما مررت به.»
تفاجأ كاي، ثم بادلها العناق:
— «لا بأس… لقد تجاوزت تلك المرحلة.»
في تلك اللحظة، رنّ هاتف لينا وسقط من يدها.
التقطه كاي، وألقى نظرة خاطفة…
توسعت عيناه صدمة.
— «ما هذه اللغة؟»
قالت بهدوء:
— «لغة قديمة كانت تُستعمل في هذه البلدة.»
— «هل تجيدين قراءتها؟»
— «نعم.»
ابتسم كاي ابتسامة انتصار خافتة، وهمس في نفسه:
إنها نفس لغة الكتاب… أخيرًا، وجدتُ مفتاحا.