بعد نزهتهما الليلية في شوارع المدينة، قرر كاي ولينا العودة إلى المطعم للانضمام إلى الآخرين.
تبادلا كلمات هادئة، عادية،
قبل أن يفترقا، كلٌّ إلى طريقه.
كان كاي قد وجد مفتاح الكتاب أخيرًا…
ومع ذلك، لم يشعر بالعجلة التي اعتادها.
كأن شيئًا داخله قال له:
ليس الآن.
في الطريق، كان كاي يسير إلى جانب مايا.
لم يكن الصمت بينهما مزعجًا.
بل مريحًا…
كأن الكلمات لا ضرورة لها.
فجأة، اهتز هاتفه.
رسالة واحدة.
توقف كاي لثانية، فتح الشاشة،
وتغيّرت ملامحه قليلًا.
لا خوف…
بل تجهم خفيف.
ابتسم بخفة وقال:
— «البيت ليس بعيدًا… أكملي وحدك.»
توقفت مايا فورًا، نظرت إليه بقلق:
— «ما الأمر؟»
— «لا شيء… لا تشغلي بالك.»
ثم تابع السير، دون أن يلتفت.
كانت نسمات الليل الباردة تمر بين المباني القديمة،
تصفع وجهه بلطف قاسٍ،
وتعبث بشعره.
الرياح تصدر صريرًا خافتًا،
كأن المدينة تئن.
نظر إلى هاتفه مجددًا.
ما الذي يريده جايدن الآن؟
لقد تأخر الوقت كثيرًا…
وعندما وصل كاي إلى المكان المحدد في الرسالة،
في أطراف المدينة…
تغيّر كل شيء.
الهواء أصبح أثقل.
أبرد.
كأنه يُسحب من رئتيه ببطء.
ظلال الأشجار امتدت على الأرض،
كأذرع سوداء تحاول الإمساك به.
وأوراق الشجر…
لم تعد تتراقص.
بل تحتك ببعضها،
تهمس…
كأن الغابة تتبادل سرًا
لا يجب أن يُسمع.
أمامه، وقف جايدن.
ظهره موجّه نحو الغابة.
كتفاه متشنجتان.
وعيناه…
شاحبتان حدّ الفراغ.
قال بصوت مكسور:
— «كاي… أنا آسف… لكن كان عليّ فعل هذا.»
تجمّد كاي.
ثم شعر به.
ذلك الإحساس البارد…
الذي يزحف على عموده الفقري ببطء.
شيءٌ طويل كان يقترب من خلف جايدن.
في البداية، ظنه ظلًا.
ظلًا أطول من الطبيعي.
لكن…
الظل لم يكن يتبع مصدرًا.
كان يتحرك وحده.
ومع اقترابه،
اتسعت عينا كاي رعبًا.
لم يكن رجلًا.
كان شيئًا يشبه الفزّاعة .
أرجل خشبية تصدر صريرًا خافتًا مع كل خطوة.
معطف ممزق يتدلّى كجلدٍ ميت.
قبعة مزارع قديمة تحجب نصف وجهه.
أما النصف الآخر…
ابتسامة.
ثابتة.
واسعة أكثر مما ينبغي.
وعينان بلا حياة.
لا تنظران…
بل تحدّقان .
صرخ كاي بكل ما يملك:
— «تحرّك يا جايدن! ابتعد من هناك!»
لكن في لحظة واحدة…
وبحركة غير بشرية…
انقضّ الفزّاعة.
التقط جايدن
كما تُلتقط دمية قماشية.
بلا جهد.
اقترب رأسه من أذن جايدن،
وقال بصوت عميق،
كأنه خارج من داخل الأرض نفسها:
— «ما كان عليك… فتح القبو…»
ثم…
وبسرعة غير ممكنة…
تلاشَى بين الأشجار.
كأنه…
جزء من الغابة.
سقط كاي على ركبتيه.
أنفاسه متقطعة.
جسده يرتجف بلا سيطرة.
لم يبقَ في المكان سوى صدى الريح…
وتلك الابتسامة،
التي لم تغادر ذاكرته.
ركض كاي نحو الغابة.
بلا وعي.
الأرض موحلة.
الأوراق تتطاير.
والظلال تتراقص حوله،
كأنها تحاول إيقافه.
تعثر.
سقط.
وفي لحظة السقوط…
تذكّر.
النفق.
أسفل الشجرة العظيمة.
عند وصوله، دخل ببطء،
وصوته بالكاد يُسمع:
— «جيلبن؟»
لا إجابة.
سوى صدى خطواته
بين الجدران الرطبة.
ثم رآه.
جيلبن…
ملقى على الأرض.
بركة داكنة تحيط به.
اقترب.
حرّكه برفق.
جرح عميق في صدره.
كان ميتًا…
منذ مدة.
عاد كاي إلى المدينة محطمًا.
كان الصباح قد حل.
وعندما وصل…
وجد جده يركض نحوه،
وعيناه مليئتان بالقلق:
— «أين كنت يا كاي؟ بحثنا عنك طوال الليل!»
نظر إليه كاي بصمت.
رنّ هاتف الجد.
— «لقد وجدته! إنه بخير!»
تنفّس الجد بارتجاف:
— «كنا في قمة القلق…»
احتضنه كاي.
ثم عادا إلى البيت.
كان الجميع في انتظارهم:
ريم، نويل، نويا، مايا، الجدة…
وحتى الفرقة.
اقتربت لينا وعانقته بقوة.
لحظة دافئة…
لكنها قصيرة جدًا.
بعد أن تفرّق الجميع،
عاد كاي إلى غرفته.
حاول النوم.
فشل.
أمسك بالكتاب.
حدّق فيه طويلًا.
— «كل هذا… بسببك.»
رماه على الأرض.
جلس ممسكًا رأسه.
ثم، بعد لحظة حسم…
وضعه في الحقيبة.
خرج إلى مدخل الغابة.
اتصل بنويا، ريم، مايا، نويل، ولينا.
وعندما وصلوا، قال بهدوء بارد:
— «هل تثقون بي؟»
— «نعم.»
— «جيد… اتبعوني.»
تجاهل جميع الأسئلة.
ثم توقف فجأة وقال:
— «لقد وصلنا.»
وأضاف بعد نفس قصير:
— «إنه كوخ العالم… سايمون.»
دخلوا.
والغموض يملأ المكان.
بدأ كاي يشرح كل شيء…
الكتاب.
سايمون.
جايدن.
القبو.
كل كلمة كانت تُخفف عنه حملًا ثقيلًا.
قال نويا أخيرًا:
— «إذن سايمون لم يكن العقل المدبر… بل كان جو.»
أومأ كاي:
— «وجدت جثته… في القبو.»
وضع الكتاب على الطاولة.
التفت إلى لينا:
— «يمكنك قراءته، أليس كذلك؟»
— «أستطيع ترجمته… لكنني أحتاج وقتًا.»
— «لا نملك وقتًا.»
سألت نويل:
— «إذن… ما الخطة؟»
سكت كاي.
ثم قال:
— «القبو.»
في مكانٍ آخر…
مظلم.
خانق.
كان جايدن معلّقًا بالسلاسل.
مدمّى.
يتنفس بصعوبة.
دخل رجل مقنّع.
— «أين الكتاب؟»
غاص جايدن في ذاكرته.
في لقاء لي مع كاي… دخلت غرفته على عجل، لمح بصري شيئًا يشبه كتابًا قديمًا مدسوسًا أسفل سريره.
لم أسأله حينها؛ لم أشعر أن الوقت مناسب، ثم إن كاي لا يبدو أصلًا من هواة القراءة.
لكن الآن… لماذا يبحث هذا الشخص عن كتاب؟
وما الذي يمكن أن يربط كتابًا غامضًا بكاي؟
في الوقت نفسه.
كانت المجموعة قد وصلت إلى المستودع.
وقد اشتروا أقنعة واقية من أحد محال التنظيف.
تقدّمهم كاي، ونزل إلى القبو أولًا، يتبعه الآخرون.
تجمّدوا في البداية.
أقفاص.
أدوات علمية متناثرة.
رائحة معدنية خانقة.
لكن الصدمة سرعان ما تحوّلت إلى حذر.
توجهوا إلى الغرفة التي كانت تضم جثة سايمون… بلا فائدة.
بحثوا طويلًا، بلا نتيجة.
— «تبًا…» قال كاي بانزعاج. «هناك شيء فاتنا.»
في لحظة غضب، ركل نويا حجرًا باتجاه أحد الأقفاص.
ارتطم بالحائط، فدوّى صوتٌ معدني قوي.
تقدّم كاي ببطء، حدّق طويلًا…
ثم لاحظ بابًا معدنيًا في آخر القفص.
تعاون مع نويا لثني أحد القضبان، ودخلوا.
فتح كاي الباب وحده، وتقدّم وهو يضيء المكان بفلاش هاتفه.
توقف فجأة.
— «يا رفاق… تعالوا بسرعة.»
دخلوا جميعًا، ليصدمهم مشهدٌ لشيء يشبه بوابة قديمة، متشققة، وكأنها لا تنتمي لهذا العالم.
قالت لينا وهي تشير: — «كاي… هناك طاولة.»
اقترب منها، فوجد أوراقًا وملفات كثيرة، لكنها بلا قيمة…
حتى وقعت عيناه على خريطة.
خريطة الغابة.
المستودع.
الكوخ.
الشجرة العظيمة.
ومعلمان آخران…
أحدهما قرب الجدول، والآخر كهف في الجبال.
قالت مايا بقلق: — «كاي… ألا تلاحظ؟ هذه الأوراق تبدو حديثة. على عكس الموجودة بالكوخ.»
عرفوا ان شخصا ما كان هنا,
ساد الصمت.
ثم تحركوا بسرعة للخروج.
قبل المغادرة، التقط كاي صورة للخريطة.
عادوا إلى المدينة، وقطعوا عهدًا صامتًا:
سينقذون جايدن، مهما كان الثمن.
سلّم كاي الكتاب إلى لينا.
— «هل أنت واثق؟» سألت لينا.
— «آسف لأنني أحمّلك هذا… لكنني أثق بك.»
ابتسمت لينا ابتسامة خفيفة.
تفرّق الجميع… عدى لينا.
التي توجهت وحدها إلى مكانٍ معزول قرب الغابة.
التقت بالرجل المقنع نفسه.
— «أحضرت ما وعدتك به… فهل ستفي بوعدك؟»
قال ببرود: — «اتبعيني.»
كانت لينا تقف قرب الرجل الملثم، تنتظر إشارته لتتبعه،
حين برد الهواء فجأة، وكأن الغابة حبست أنفاسها.
شعرت بشيءٍ خلفها.
قبل أن تلتفت، انشقّ الظل أمامها.
كان رجل الفزّاعة هناك.
لم يظهر فجأة…
بل كأنه تشكّل من الظلام نفسه.
معطف البالي كان يلامس الأرض، يصدر صوت احتكاكٍ خافت يشبه الهمس.
رفعت لينا رأسها…
ورأت وجهه.
ابتسامة ثابتة، واسعة أكثر مما ينبغي، لا تتحرك،
كأنها محفورة في قناعٍ بلا روح.
أرادت الصراخ.
لكن الصوت اختنق في صدرها.
لم يلمسها.
لم يحتج إلى ذلك.
في لحظةٍ واحدة، انطفأ المكان من حولها.
وجدت نفسها في الغرفة ذاتها.
جايدن… معلق، مدمى، بالكاد يتنفس.
وقبل أن تستوعب ما حدث، ارتطم شيء معدني بالأرض.
مفاتيح.
رفعت رأسها.
كان الرجل المقنع عند الباب،
وخلفه… رجل الفزّاعة.
ثم قال المقنع ببرود قاتل: — «لا أريد أن أرى وجهك مجددًا.»
أُغلق الباب.
لكن قبل أن يُغلق تمامًا…
تحرّكت ابتسامة الفزّاعة قليلًا.
وكأنها… اتسعت.
ركضت لينا، ضربت الباب بكل ما لديها من قوة: — «أيها الكاذب!»
انهارت.
ثم جاءها صوت جايدن، ضعيفًا: — «لينا… ماذا تفعلين هنا؟»
تماسكت، التقطت المفاتيح، وحررته.
قالت بصوت مكسور: — «أظن… أن كل شيء انتهى.»
وبقيا هناك…
ينتظران، بيأس،
في امل أن يصل أحد وينقذهما.