في تلك الليلة، كان كاي يتقلّب في فراشه كمن يحاول الهرب من شيء يطارده من الداخل، شيء لا شكل له لكنه حاضر بثقله في صدره.
كلما أغمض عينيه، عاد وجه جايدن أمامه… شاحبًا، صامتًا، كأنه يلومه دون أن ينطق بكلمة واحدة.
حاول النوم، لكن صورة رجل الفزّاعة شقّت طريقها إلى ذهنه فجأة، واضحة حدّ الألم، ففتح عينيه بعنف ونهض جالسًا، ثم ضرب الجدار بقبضته.
— «تبًا…»
في الخارج، بدأ المطر يهطل بهدوء، قطراته تضرب الزجاج بإيقاع بطيء، كأنه عدّاد لوقت لا يريد أن ينقضي.
وقف كاي وتوجّه نحو النافذة، فتحها واتكأ على حافتها، بينما كانت الحديقة هناك… ساكنة، مبللة، ومظلمة، ذلك المكان الذي بدأ منه كل شيء.
أخرج هاتفه، فتح صورة الخريطة، وحدّق فيها طويلًا، وكأنها قد تجيب عن سؤال لم يعرف كيف يطرحه.
لم يشعر بالوقت، حتى تسلّل الصباح بصمت وابتلع الليل أخيرًا.
لم ينم كاي دقيقة واحدة.
مع أول ضوءٍ للشمس، ارتدى ملابسه وخرج بعجلة.
لكن قبل أن يفتح الباب، شعر بهالةٍ ثقيلة خلفه.
توقّف.
ثم التفت ببطء.
كان جده واقفًا عند مدخل غرفة المعيشة، يراقبه بعينين تحملان قلقًا صامتًا، قبل أن يستدير ويدخل الغرفة دون كلمة.
بدافع الفضول، تبعه كاي.
وجده جالسًا على الأريكة.
أشار الجد بيده ليجلس بقربه.
تقدّم كاي وجلس.
قال الجد بنبرة هادئة، لكنها عميقة:
— «ما الأمر يا كاي؟»
لم يُجب.
تأمّله الجد لحظة، ثم قال:
— «لست على طبيعتك. هناك شيء تخفيه… أليس كذلك؟»
تردّد كاي قليلًا.
— «لا يوجد شيء…»
قاطعه الجد بصوت خالٍ من اللين:
— «وصلنا خبر اختفاء صديقك، جايدن.»
تجمّد كاي في مكانه.
ثم أضاف الجد، بصوتٍ أكثر حزمًا:
— «ما الذي يحدث يا كاي؟ هل تظن حقًا أنني لم ألاحظ تصرّفاتك؟»
ظل كاي صامتًا.
تنفّس الجد بعمق، ثم قال بنبرة أخف:
— «يمكنك أن تخبرني. سأكون دائمًا هنا لمساعدتك.»
عندها… انكسرت مقاومة كاي.
— «أنا السبب…» قالها بصوتٍ مرتجف.
— «كل ما يحدث… بسببي أنا.»
سكت لحظة، ثم اندفعت كلماته:
— «لو كنت أقوى لما اختُطف جايدن.
لو كنت أسرع لكنت لحقت بالخاطف.
ولو كنت أذكى… لما حدث كل هذا.»
قال الجد بهدوء:
— «لا تحمل الذنب وحدك يا كاي.»
رفع كاي رأسه نحوه.
— «أنا أعرف هذا الشعور جيدًا…» قال الجد.
ثم بدأ يحكي.
— «في شبابي، كنت مغامرًا يحب تسلّق الجبال…»
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة.
— «كنت أنا وصديق لي نتنافس دائمًا.
وفي أحد الأيام، كنا على قمة جبلٍ عالٍ جدًا، وقد نفدت مؤونتنا.»
توقّف قليلًا، ثم أكمل:
— «أنهكنا التعب. وصلتُ إلى القمة، لكن صديقي كان خلفي.
مددت يدي لأساعده… لكنه لم يتحرّك.»
خفض صوته.
— «نظر إليّ… وكان يبتسم.
مدّ يده، لكنه لم يكن ثابتًا.»
ابتلع ريقه.
— «سقط…
وحاولت إنقاذه، لكن السقوط كان من ارتفاعٍ قاتل.»
تنفّس بعمق.
— «حملت الذنب سنوات طويلة…
حتى فهمت أن الذكريات لا تُدفن.»
نظر إلى كاي بثبات:
— «علينا أن نتجاوزها… ونمضي.»
ثم قال:
— «لا تكره أخطاءك، يا كاي.
تعلّم منها.»
نهض كاي.
وفي عينيه حزمٌ لم يكن موجودًا من قبل.
شكر جده، ثم خرج.
وقد استقر القرار في قلبه.
سيعيد جايدن… مهما كلّف الأمر.
عند مدخل الغابة، كان الجميع في انتظاره.
قالت ريم بابتسامة ساخرة تخفي قلقًا:
— «أخيرًا وصلت.»
ابتسم كاي بخفة.
— «علينا أن نبدأ.»
قالت مايا:
— «وماذا عن لينا؟»
قال كاي:
— «لنُبقِها بعيدة الآن.»
أشار كاي إلى الخريطة على شاشة هاتفه، وصوته أهدأ مما ينبغي:
— «بقي مكانان لم نبحث فيهما بعد… البيت قرب الجدول، والكهف الجبلي.»
سادت لحظة صمت قصيرة، قبل أن يضيف:
— «سننقسم.»
رفع نويا حاجبيه فورًا وقال باعتراض واضح:
— «لحظة. ما الذي تقصده بسننقسم؟ أليس كافيًا ما حدث مع جايدن؟»
نظر إليه كاي بثبات، ثم قال:
— «أنا أعي الخطر تمامًا. لكن علينا الإسراع، والانقسام أفضل حل حاليًا.»
صمت نويا.
ثم أضاف كاي:
— «سأذهب إلى الكوخ، ونويل والبقية يذهبون إلى الكهف.»
صمت الجميع.
حتى قالت نويل:
— «أنا لن أذهب مع كاي.»
انصدم الجميع، لكنها أضافت قائلة:
— «لا أدري لماذا، لكن لا أشعر بالارتياح. شيء ما… في ظله، في حضوره… يجعلني أشعر وكأنني أسقط في فراغ بلا نهاية.»
تبادل الجميع نظرات صامتة.
لم يعترض نويا، ولم تسخر ريم هذه المرة.
حتى تكلم كاي:
— «لا بأس، سأذهب وحدي إلى الكوخ إذًا.»
قال نويا أخيرًا بصوت منخفض:
— «هذا مستحيل. لن تذهب وحدك.»
أومأت ريم ببطء، بينما وضعت مايا يدها على كتف نويل محاولة طمأنتها.
بقي كاي واقفًا وحده للحظة.
حتى قال نويا، وكأنه يحسم أمرًا داخليًا:
— «لن نفترق. سنذهب جميعًا إلى الكهف.»
نظرت إليه مايا:
— «أنا أتفق.»
تنهد كاي ثم قال:
— «حسنًا إذن، بما أنكم متفقون جميعًا، فسأكون معكم.»
توجهوا نحو الكهف.
وفي الوقت نفسه…
عند جايدن ولينا، كان جايدن فاقدًا للوعي بسبب فقدانه الكثير من الدماء.
وكانت لينا على وشك ذلك هي الأخرى بسبب البرد الشديد.
حتى دخل المقنّع وقال:
— «ما هذا؟ لازلتم على قيد الحياة؟»
نظرت لينا نحوه، والضعف والتعب ظاهران على محيّاها.
ثم قال:
— «على كل حال، هذا جيد… لأنني لا أزال أحتاجكم.»
نعود إلى المجموعة.
كانوا عند مدخل الكهف، يتقدمهم كاي كالعادة.
يتحرك ببطء، وينظر حوله بحذر.
ليتبعه البقية.
تجولوا في المكان قليلًا، لكن لم يكن هناك شيء.
لقد كان مجرد كهف عادي.
بقوا يبحثون عن أي شيء، على خلاف كاي الذي بدا يركّز، وكأنه لاحظ شيئًا.
حتى تقدّم نحو طرف الكهف، وأزال بعض الأعشاب، ليجد مدخلًا هناك.
جاؤوا إليه بسرعة، وهم سعداء لأنهم وجدوا خيطًا.
ليقول نويا لكاي بصوت منخفض:
— «أنت حقًا شخص مختلف. صحيح أنني لا أفهمك، لكنك تعجبني.»
ابتسم كاي ابتسامة خفيفة.
ثم توغلوا في الكهف.
وبعد مدة ليست بطويلة، وهم يمشون، سمع كاي صوتًا.
توقف فجأة، ثم قال:
— «ألا تسمعون هذا؟»
صمتوا قليلًا.
ثم قال كاي:
— «إنه صوت… أشبه بصوت تروس تعمل.»
حتى داست ريم، عن غير قصد، على زر في الأرض.
فانفتحت تحتهم، وسقطوا جميعًا.
مع أن المسافة كانت طويلة، إلا أنهم نجوا من السقطة.
قال نويا بفزع:
— «هل الجميع بخير؟»
أجابت مايا:
— «أظن ذلك.»
نظروا من حولهم، فوجدوا أنفسهم في مكان يشبه ممرًا طويلًا.
حاولت نويل التقدم، لكن كاي أوقفها وقال:
— «إياكم والتحرك.»
سمعوا صوت التروس يزداد.
حتى بدأت الجدران في الظهور.
اتّسع الممر، وأصبح مثل المتاهة.
وافترق الجميع.
صرخ كاي:
— «لا تهلعوا! حافظوا على هدوئكم! سأجد حلًا—»
لكن صوته انقطع قبل أن يكمل.
تحرك نويا قليلًا، ليكتشف أن المكان ليس متاهة، بل عدة جدران فقط.
تقدم أكثر، ليجد ريم ونويل.
وبعد مدة قصيرة، وجدوا مايا.
لكنهم لم يجدوا كاي، مهما بحثوا.
في ذلك الوقت، كان كاي قد سقط في مكان أعمق في الكهف.
بدأ ينظر حوله.
حتى بدأت شعلات معلقة في الحائط بالاشتعال، وكأنها تشير للطريق.
تبعها كاي، حتى وصل إلى مكان به طاولة، عليها ورقة.
وكان الجدار خلفها مغطى بستارة كبيرة.
تقدم كاي نحو الطاولة، والتقط الورقة.
كانت عبارة عن ملف مكتوب عليه: رقم ثلاثة .
هذا الكيان ليس بقوة البقية، لكنه قادر على قتل البشر بسهولة.
وهو عبارة عن تجربة فاشلة أخرى.
حاولنا فيها تهجين ذئب مع غوريلا مع إنسان،
لينتج عنها مخلوق يشبه الإنسان بجسم غوريلا ورأس ذئب.
كيان بلا شعر أو فرو أو أعين، فقط فم وأذنان.
وهذا ما جعله لا يرى… بل يسمع فقط.
بقي كاي مصدومًا.
وضع الملف على الطاولة، ثم نظر نحو الجدار المغطى.
أزال الستارة.
فانصدم برسومات لشيء غريب.
شيء يبدو ككيان حاكم في فراغ قاتم، وتحته مخلوقات أخرى.
وفي الأعلى… رمز، مثل الذي في الكتاب.
انصدم كاي، وأراد العودة.
لكن…
توسعت عيناه رعبًا.
كان أرجن، التجربة رقم ثلاثة، واقفًا في الطريق الذي جاء منه كاي.
كان يصدر صريرًا خافتًا.
تجمد كاي في مكانه.
لكنه سرعان ما لاحظ…
أنه لا يعرف بوجوده.
فهو لا يرى.
نعود إلى المجموعة.
كانوا قد وجدوا طريق الخروج.
وبعد أن خرجوا من الكهف، ازداد قلقهم على كاي.
فقررت ريم الاتصال به.
في تلك اللحظة، كان كاي قد ابتلع ريقه، وبدأ بالتحرك ببطء.
حتى رن هاتفه.
انقض أرجن عليه بسرعة.
تفادى كاي الهجوم، ورمى هاتفه بعيدًا.
وقرر عدم العودة من نفس الطريق.
لكن أرجن فاجأه بهجوم آخر.
حطم الجدار من خلف كاي.
وسقط الاثنان من سفح الجبل نحو الغابة.
وأثناء السقوط، أصاب أرجن كاي في رأسه بمخالبه.
ولحسن الحظ، سقط كاي في الجدول، الذي لم يكن عميقًا.
بينما سقط أرجن في الغابة، بين الأشجار.
كان كاي فاقدًا للوعي.
والجدول يسحبه معه.
نعود إلى المقنّع.
كان قد أغلق الباب في وجه لينا وجايدن.
وهو يبتسم تحت القناع، قال:
— «ودّعا أصدقاءكما… لأن مصيرهم سيكون مثلكما تمامًا.»
استيقظ كاي بعد مدة.
كان يشعر بدوخة شديدة.
وقف، ومشى قليلًا في الغابة.
لاحظ أن رأسه مصاب، وأنه ينزف بشدة.
جلس أسفل شجرة، ليلتقط أنفاسه.
لكنه لم يستطع المقاومة.
وقبل أن يفقد وعيه تمامًا…
لمح كوخًا، ليس بعيدًا جدًا.
ثم… فقد وعيه.