أمام مدخل الكهف، جلس نويا فوق صخرة باردة، واضعًا مرفقيه على ركبتيه، شارد الذهن تمامًا، بينما كانت الأفكار تتصادم في رأسه بلا توقف.
يا إلهي… ما الذي عليّ فعله الآن؟
قطعت مايا الصمت بصوت قلق، وهي تنظر حولها بتوتر:
— «لقد مرّت ربع ساعة بالفعل…»
وبينما كانوا غارقين في التفكير بما عليهم فعله، رنّ هاتف ريم فجأة، فابتعدت خطوات قليلة لتجيب.
كانت والدتها على الطرف الآخر، وأثناء حديثها بدأت ريم تمشي بلا وعي، تتلفت حولها، إلى أن توقفت فجأة، وتجمدت في مكانها.
خلف الجبل، لفت انتباهها فتحة غير مألوفة، بدت وكأنها مكسورة حديثًا.
أغلقت الهاتف بسرعة، ثم ركضت نحو الآخرين وهي تناديهم. وعندما تجمعوا حولها، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى استنتجوا أن كاي قد خرج من تلك الفتحة…
لكن ليس وحده.
اقتربت نويل من حافة الجبل، ونظرت إلى الأسفل. كان الارتفاع شاهقًا، مرعبًا بما يكفي ليحبس الأنفاس، لكن حين ركزت أكثر، لاحظت آثارًا واضحة على الأشجار، وكأن جسدًا ما قد اصطدم بها أثناء السقوط.
كانت الآثار حديثة.
— «إنه كاي…» قالتها بصوت خافت، لكنها كانت متأكدة.
أخبرتهم بما رأت، فنزلوا بحذر لتفقد المكان في الأسفل.
وعند وصولهم، لاحظوا شيئًا أربكهم جميعًا… آثار أقدام غير مألوفة، لا تشبه آثار أي إنسان، ولا أي حيوان عرفوه من قبل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما لمحوا بقع الدم، على أطراف الجدول، وعلى جذوع الأشجار.
ساد صمت ثقيل، وسيطر الخوف على وجوههم دون رحمة.
إلا أن نويا شدّ قبضتيه وتماسك، وقال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
— «لا تقلقوا… أنا متأكد أن كاي بخير.»
قالت مايا وهي ترتجف، محاولة التمسك بالأمل:
— «معك حق… لا بد أنه بخير.»
ثم تقدمت ريم ببطء، وعيناها تتابعان اتجاه التيار، وقالت:
— «أظن أنه سقط في الجدول وفقد وعيه… وعلى الأرجح أن التيار جرفه معه.»
تعلقوا بكلامها، وكأنه طوق نجاة، وبدأوا السير بمحاذاة التيار، يخففون عن أنفسهم وطأة الخوف بذلك التفسير.
في ذلك الوقت…
استيقظ كاي في مكان بدا وكأنه مسطح مائي ضحل، حيث كان الماء بالكاد يغطي حذاءه.
ظل ينظر إليه طويلًا، وكأن عقله يحاول استيعاب ما يراه، ثم أمسك رأسه بألم حاد، جعله يئن بصوت مكتوم، قبل أن يختفي الألم فجأة.
حلّ مكانه شعور غريب… هدوء، وراحة لم يشعر بهما من قبل.
تقدم ببطء، لكن المكان كان خاليًا، لا شيء سوى الماء الممتد بلا نهاية.
وفجأة، شعر ببرودة تسري في جسده، تبعتها قشعريرة غير مبررة.
استدار خلفه.
كان جايدن هناك.
كتفاه متشنجتان، وجهه شاحب، وعيناه فارغتان، وهو يقول بصوت خالٍ من الحياة:
— «أنت السبب.»
توقف كاي، وقال بقلق:
— «جايدن؟ أين أنت؟ أخبرني أي شيء… يمكنني مساعدتك. نحن نفعل المستحيل لإنقاذك.»
لكن جايدن لم يجب.
اكتفى بالنظر إليه ببرود، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة.
ابتسامة أصبحت، مع الوقت، مألوفة لكاي.
تجمد مكانه، واتسعت عيناه رعبًا.
بدأت ذراعا جايدن تطولان، ثم قدماه، ثم جسده كله، وهو يتحول تدريجيًا إلى شيء يعرفه كاي جيدًا… شيء لا يمكن نسيانه.
كان رجل الفزاعة.
وقف أمامه ساكنًا، بابتسامته الواسعة، وعينيه الفارغتين، وكأنهما ثقبان في العدم.
عجزت الكلمات عن وصف حالة كاي، بينما بدأ المكان من حولهما يختفي تدريجيًا.
لم يكن يختفي… بل كان يُبتلع، تلتهمه الظلمة ببطء، حتى لم يبقَ سوى هو ورجل الفزاعة، في اللاشيء.
ثم اختفى رجل الفزاعة هو الآخر.
بقي كاي وحده، ينظر حوله، إلى أن اخترق الفراغ صوت عميق:
— «كاي… أنت تملك شيئًا.»
صرخ كاي بغضب ويأس:
— «تبا لكم جميعًا! من أنت؟ وماذا تريد مني؟»
عاد الصوت، هذه المرة بنبرة أكثر تحكمًا:
— «كاي… أنت تملك شيئًا.»
اجتاح رأسه ألم حاد، كاد يمزقه.
ثم استيقظ.
كان معلقًا بسلاسل حديدية من يده، في مكان بارد ومظلم، تتخلله خيوط ضعيفة من ضوء الشمس.
فتح عينيه ببطء، فرأى المكان غارقًا في لون أحمر قاتم.
حاول تحريك رأسه، لكن الألم كان شديدًا.
استعاد ذكرياته فجأة…
أُصيب على يد أرجن… وسقط أمام الكوخ.
قاوم ألمه، ولف رأسه ببطء، ليتفاجأ بكومة مكدسة من جثث الحيوانات البرية.
لم تكن مذبوحة من أجل الطعام… بل بدت وكأنها قُتلت من أجل التسلية فقط.
وسرعان ما ضربته رائحة عفن خانقة.
عندها عاد كاي إلى وعيه الكامل، وكأن عقله قد انغلق للحظات ثم فُتح فجأة على واقع ثقيل لا يرحم. بدأ يلتقط أنفاسه بصعوبة، محاولًا ترتيب أفكاره المبعثرة، وقال في نفسه وهو يضغط على ذاكرته المتقطعة:
لقد أصابني أرجن بمخلبه في رأسي… لا بد أن هذا هو سبب الألم الذي يكاد يشق جمجمتي.
رمش بعينيه مرات عدة، ثم أدرك أن ذلك المنظور الأحمر الذي يغمر كل شيء ليس سوى الدم المتدفق من جرحه، وقد غطّى عينيه بالكامل، مشوّهًا المكان من حوله.
لكن السؤال الأثقل لم يكن الألم… بل المكان.
لماذا أنا هنا؟
وما هذا المكان أصلًا
انقطع حبل أفكاره فجأة حين اخترق الصمت صوت خطوات قادمة من خارج الغرفة. كانت بطيئة، محسوبة، وكأن صاحبها يتعمّد أن يُسمع وجوده. اقترب الصوت شيئًا فشيئًا، حتى توقّف فجأة، لتتبعه لحظة صمت خانقة، قبل أن يبدأ الباب بالانفتاح ببطء مزعج، صارخٍ في هدوئه.
دخل المقنّع، واتجه نحوه دون تردد.
بقي كاي ثابتًا في مكانه، رغم السلاسل، رغم الألم، ورغم الدم، لكن المقنّع كسر الصمت أخيرًا بصوت مفعم بالسخرية:
— «عجبًا… عجبًا. انظروا من استيقظ أخيرًا.»
توقف لحظة، وكأنه يستمتع بالمشهد، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها أشد قسوة:
— «لقد قدّمت لي هدية… دون أن تعلم.»
كان كاي يحدّق به بصمت، نظرة فارغة تخفي خلفها عاصفة، فتابع المقنّع:
— «كاي، أنت ذكي… لكنك لا تستغل ذكاءك هذا.»
تسلل الاستغراب إلى ملامح كاي، قبل أن يقول المقنّع فجأة:
— «ما رأيك بالانضمام إليّ؟»
ضحك كاي ضحكة قصيرة ساخرة، رغم الألم، ثم قال بهدوء بارد:
— «الانضمام لك؟ هل عقلك بخير، يا هذا؟»
صمت لثوانٍ، ثم أضاف بصوت أثقل:
— «لست متأكدًا تمامًا، لكن من الواضح أن لك علاقة بخطف جايدن… وأنا لن أخون أصدقائي أبدًا.»
ردّ المقنّع بنبرة تهكّم:
— «يا له من إخلاص… لكن للأسف، بعض أصدقائك قرروا خيانتك بالفعل.»
تجمّد كاي قليلًا، قبل أن يقول المقنّع وهو يلتفت نحو الباب:
— «يمكنك إحضارهما.»
لم يستوعب كاي ما قيل، حتى بدأ الباب يُفتح من جديد، وظهر رجل الفزاعة، منحنِي الجسد، يثني أطرافه بشكل غير طبيعي ليتمكن من الدخول، وهو يحمل جايدن ولينا. وما إن دخل حتى رمى جسديهما على الأرض بلا أي اكتراث، ثم استدار وعاد من حيث أتى.
كانا فاقدين للوعي.
تجمّد كاي في مكانه، وعقله يرفض استيعاب المشهد، قبل أن يهمس أخيرًا بصوت مكسور:
— «… لينا أيضًا؟»
ثم صرخ بغضب مكبوت:
— «تبا لك، أيها الوغد!»
أمسك المقنّع بهما على الأرض، وقال لكاي ببرود قاتل:
— «إنها تحت رحمتي الآن… لكن لا تقلق، سأمنحك خيارًا.»
لم يستطع كاي النطق، كأن الكلمات قد خانته، فتابع المقنّع:
— «إن اخترت بعقلك وباسم الصداقة، فعليك إنقاذ جايدن. لكن قبل ذلك، يجب أن تعلم أنه تخلى عنك مرات كثيرة… بل وكان السبب في حالتك هذه.»
بقي كاي صامتًا، فواصل المقنّع دون رحمة:
— «أما إن اخترت بقلبك ومشاعرك… فستختار لينا.»
توقف لحظة، ثم أضاف بلهجة مسمومة:
— «لينا… التي خططت منذ البداية لكسب ثقتك، وأخذ الكتاب، لتسلّمه لي.»
أخرج الكتاب ورفعه أمام عيني كاي.
في تلك اللحظة، تلاشى الخط الفاصل بين الصديق والعدو في ذهنه، حتى قال المقنّع بصوت متلذذ:
— «اختر بسرعة… قبل أن يموتا معًا.»
ثم انفجر ضاحكًا ضحكة هستيرية، ممتزجة بالسخرية والمتعة الخالصة.
لكن نظرة الصدمة انسحبت ببطء من وجه كاي. رفع رأسه، وحدّق بالمقنّع بثبات غير متوقّع، وقال بصوت جاد، منخفض، لكنه حاسم:
— «أنت تريد المواجهة… أليس كذلك؟»
ساد الصمت.
ثم أضاف كاي، بنبرة قوية لا تحمل ترددًا:
— «سأجعلك تندم على اليوم الذي وُلدت فيه.»