في الغابة، وتحديدًا قرب الجدول، كان نويا وريم ونويل ومايا يقفون بصمت،
ينظرون إلى آثار أقدام غير منتظمة وبقع دم متفرقة تقودهم إلى الأمام.
تبعوها بحذر، خطوة بعد خطوة،
إلى أن توقفت فجأة تحت إحدى الأشجار، وكأن صاحبها اختفى دون أثر.
رفع نويا رأسه ونظر حوله،
ثم لمح كوخًا خشبيًا يختبئ بين الأشجار وقال بصوت منخفض:
— أليس هذا المنزل الموجود في الخريطة؟
تقدمت مايا قليلًا، حدقت في المكان، ثم أومأت برأسها.
— نعم، إنه هو… لقد وصلنا إلى المعلم الثاني.
تشدّد صوت نويا وهو يضيف:
— هذا يعني أن كاي كان هنا.
تنهدت ريم، وبدت نبرتها ممتلئة بالقلق.
— أتمنى فقط أن يكون بخير.
تقدموا ببطء نحو الكوخ،
وكانت خطواتهم، رغم محاولتهم كتمها، مسموعة بوضوح في صمت الغابة.
في الداخل، كان المقنّع وكاي قد سمعا الأصوات.
وقف المقنّع، وأدار رأسه قليلًا، ثم قال ببرود:
— يبدو أن لدينا ضيوفًا.
ربط جايدن ولينا بإحكام، ثم اتجه نحو الباب.
وقبل أن يغلقه، التفت إلى كاي وقال بنبرة باردة تحمل تهديدًا واضحًا:
— لن أتأخر كثيرًا… عليك الاختيار قبل عودتي.
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض:
— وإلا… فلن ينجو أحد منكم.
لم يرد كاي.
أغلق المقنّع الباب وغادر.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال كاي ببرود هادئ:
— لا داعي للتمثيل الآن… يمكنكما النهوض.
فتحت لينا عينيها ببطء، ثم تبعها جايدن.
قالت لينا بصوت مرتجف، تختلط فيه الصدمة بالندم:
— كاي… هل أنت بخير؟
لم يجب.
اقتربت أكثر وهي على وشك البكاء.
— أنا آسفة… لكن لا تصدق كلام المقنّع، إنه يحاول أن—
قاطعها كاي بصوت حاد:
— لا أريد سماع أي شيء.
صمتت لينا، وانخفض رأسها.
ثم قال كاي بنبرة أثقل:
— لم أتوقع هذا منكما.
تنفس جايدن بعمق، وقد بدا أنه استعاد بعض قوته.
— أتدري ما غير المتوقع حقًا يا كاي؟
توقف لحظة قبل أن يكمل:
— أن تصدق كلام شخص حقير مثل المقنّع.
لم يرد كاي.
قال جايدن وهو يتفحصه بنظره:
— هل أنت بخير؟ إصابتك تبدو خطيرة.
مرّ وقت قصير قبل أن يجيب كاي بهدوء غريب:
— هناك مثل يقول… لا تركز على الفم، بل ركز على اليدين.
وفي اللحظة التالية، حرر يده اليمنى من السلاسل.
تجمد جايدن ولينا في مكانهما.
— كيف فعلت هذا؟! — قالت لينا بدهشة.
ابتسم كاي ابتسامة خفيفة، مسح الدم عن جبينه، ثم حرر يده الثانية.
— كيف حالكما يا صديقاي؟
ابتسم الاثنان، وتقدم كاي وحررهما.
أشار كاي إلى أعلى الجدار.
— هناك نافذة صغيرة.
توجه نحوها وكسر الزجاج بحذر، دون أن يُحدث ضجيجًا.
في الوقت نفسه، كان نويا والبقية قد دخلوا الكوخ.
فتشوا كل غرفة، لكنهم لم يجدوا سوى الغبار وشباك العناكب.
قالت مايا بعد تنهيدة طويلة:
— أظن أننا يجب أن نعود إلى المدينة. لقد تأخر الوقت، والليل سيحل قريبًا.
وافقتها ريم ونويل.
لكن نويا تردد، ثم قال:
— لا يمكننا العودة دون كاي.
نظرت مايا إليه بحزن.
— أفهمك، لكن البحث ليلًا في الغابة أخطر، خاصة مع أشياء لا نعرفها.
صمت نويا للحظة، ثم قال بثقة متعبة:
— أنا أثق بكاي… وأعلم أنه سيكون بخير.
قالت ريم بهدوء:
— جميعنا نتمنى ذلك.
ثم عادوا أدراجهم.
في الداخل، بدأ كاي ولينا وجايدن يسمعون صوت خطوات تقترب.
أسرعوا بالخروج.
خرجت لينا أولًا، ثم ساعد كاي جايدن.
مدت لينا يدها لمساعدة كاي، لكنه رفض.
تفاجأت وقالت بحدة:
— ماذا تفعل؟ هيا بنا الآن!
أجابها ببرود قاطع:
— لن أذهب إلى أي مكان معكم.
ثم دفعها وأغلق النافذة بلوح خشبي.
اقتربت الخطوات أكثر.
أسرع كاي نحو كومة الجثث، اقتلع قرن غزال حادًا،
واختبأ بينها، يراقب بصمت، منتظرًا اللحظة المناسبة.
دخل المقنّع وهو يحمل جثة أرنب.
— مجرد حيوان غبي… — قال دون أن ينظر.
لكن سرعان ما تجمد مكانه.
السلاسل على الأرض.
النافذة مكسورة.
والغرفة فارغة.
صرخ بغضب:
— لقد هربوا… أولئك الأوغاد!
كانت لينا وجايدن قد ابتعدا،
تدعمه وهو يعرج، حتى وصلا المدينة.
طلبا المساعدة فورًا.
نُقلا إلى المستشفى،
وفور وصولهما، فقدا الوعي، تاركين الشرطة دون أي معلومات.
حلّ الليل.
وكان كاي لا يزال مختبئًا بين الجثث.
راقب المقنّع حتى غادر متجهًا نحو الغابة.
خرج كاي ببطء، تفحص المكان، ثم قال في نفسه:
هذا ليس الكوخ الذي سقطت أمامه… ولا يوجد جدول قريب من النافذة. لقد وجدوني ونقلوني إلى هنا.
توقف لحظة.
المقنّع ليس المشكلة الأكبر… بل الفزاعة.
لا أعرف مكانه، ولا تحركاته.
شدّ على قبضته.
لا وقت للقلق.
خرج من الكوخ وركض بكل ما يملك.
حتى لم يعد يشعر بقدميه.
توقف، رفع رأسه…
وكان الكوخ الخشبي أمامه.
وقبل أن يستوعب الأمر، سمع صريرًا خلفه.
استدار ببطء…
وكان أرجن هناك.
لم يخف هذه المرة.
اندفع وضربه بقرن الغزال.
ضربة قوية، شعر بها كاي… لكن أرجن لم يتحرك.
أمسكه من وسطه ورماه نحو الكوخ.
أدرك كاي أنه لا يستطيع مواجهته.
فخطط للانسحاب.
حمل حجرًا كبيرًا ورماه في الجدول.
اتجه أرجن نحو الصوت.
ركض كاي بكل ما لديه،
ولم ينتبه أرجن بسبب صوت خطواته في الماء.
استمر حتى وصل المدينة…
ثم سقط مغمى عليه.
استيقظ في المستشفى.
الجميع حوله… عدا لينا وجايدن.
قال نويا بفرح:
— لقد استيقظ أخيرًا!
غمرت السعادة الجميع،
لكن كاي بقي صامتًا.
سألته الجدة بقلق:
— هل أنت بخير يا كاي؟
— نعم… أنا بخير. — قال بهدوء.
لكن داخله كان يبتعد.
شعر وكأن الظلام يبتلعه.
وكأنه لا ينتمي إلى هذا المكان.
نظر إلى يده طويلًا، ثم أمسك رأسه.
ما الذي يحدث لي؟
قرر تجاهل الشعور… وراقب الجميع بصمت.
في القبو، قرب البوابة،
كان المقنّع يقلب الأوراق.
— ما الأخبار؟
ظهر رجل الفزاعة من الظلال.
قال بصوت هادئ وعميق:
— وجدت شيئًا أفضل من الأطفال.
انحنت رقبته بشكل غير طبيعي.
— وجدت إحدى التجارب.
لمعت عينا المقنّع، وارتسمت ابتسامة عريضة تحت القناع.
— أظن أن الوقت قد حان للتحرك الجدي.
ثم نظر إلى البوابة المحطمة وقال:
— سأنقذك يا سيدي.
ومن خلف البوابة…
لم يخرج صوت،
لكن الهواء تغيّر.