كان في العاشرة من عمره حين انهار عالمه الصغير لأول مرة.
في ذلك اليوم، انفتحت في الجو ظاهرة أرضية مرعبة بالقرب من قريتهم القاحلة؛ انفجار طاقة عنيف وصامت سحق كل ما حوله، وكانت والدته الضحية. منذ تلك اللحظة، تحول والده الطبيب إلى كتلة من الكراهية والجنون، يرمي على الطفل اللعنات والشتائم كلما رآه، كأنه يرى فيه سبب تلك الفاجعة. لكن الصدمة الأكبر لم تكن في كره والده، بل في الحقيقة التي بصقها الأب في وجهه فجأة وبلا رحمة:
"أنت لست ابني! أنت مجرد طفل متبنى التقطناه من العدم وأنت في الثانية من عمرك!".
لم يبكِ الطفل، ولم يصرخ. عقله لم يكن يفهم المشاعر أصلاً، كان كشاشة بيضاء باردة. لكن جسده تحرك غريزياً؛ استدار وركض خارج القرية. ركض وركض دون أن يعرف إلى أين أو لماذا، كأن أطرافه آلة تعمل بالوقود الذاتي. توقف أخيراً عندما خارت قواه من التعب، فارتمى فوق سهل معزول وغط في نوم عميق مستسلماً للظلام.
استيقظ في الصباح التالي، وقرر العودة إلى قريته مدفوعاً بآلية اعتاد عليها. لكن عند وصوله، تجمدت أطرافه أمام مشهد مروع.
القرية مُحيت تماماً. كانت ضحية صراع دموي خاطف اندلع بين مملكتي "أنورسيا" و"إيكفريا" للسيطرة على بؤرة الطاقة التي انفجرت قبل شهر. تقدم الطفل بخطوات وئيدة وهو يلهث، الأرض مغطاة بالكامل ببساط من اللون الأحمر الدموي القاني، لا مكان لأي لون آخر. الغربان والطيور الجارحة تحوم في الأفق، تنقض على الجثث المتناثرة وتنهش بقاياها في مشهد جنائزي مقزز.
تحرك بجسده الخالي من التعبير نحو منزله، وهناك وجد جثة والده. لم يكن يملك أي ملامح يمكن التعرف عليها؛ فقد داست حوافر خيول الجيشين على وجهه وصدره أثناء المعركة، لكن مئزره الطبيب وبعض الأغراض جعلت الطفل يعرف غريزياً أنه هو.
وقف فوق الجثة يتأملها ببرود آلي. سأل نفسه تساؤلاً فلسفياً غريباً: "هل من الصحيح أن أسميه أبي الآن؟". فجأة، شعر بشيء دافئ ورطب ينزلق على وجنتيه. لمس السائل بأصابعه ونظر إليه مستغرباً.. دموع. لم يبكِ يوماً في حياته، ولم يكن يعرف ما هو البكاء أو ما سببه. وجهه ظل جامداً كالصخر، وعيناه تفيضان بالماء دون أي شعور بالحزن. كان أشبه بآلة أصابها خلل هيدروليكي فجأة.
وسط هذا الاستغراب، ظهر فارس من الأفق يرتدي درعاً ثقيلاً، يمشي متذمراً وهو يتفقد المكان: "لماذا عليّ تفقد هذه القرية البائسة؟ من الواضح أنه لم يبقَ أحد حياً...".
وفجأة، لمحت عينا الفارس الطفل الصغير الواقف وسط الدماء بملامح جامدة ودموع تهطل بغزارة. احتار الفارس في أمره، وراقبه بضع ثوانٍ قبل أن يتذكر سبب وجوده هنا: يجب إبادة أي شاهد لكي لا ينكشف أمر المجزرة.
لوح الفارس بيده، وفجأة، تجسد سيف حديدي من الهواء بين يديه بفضل طاقته الروحية.. لقد كان من فئة "المُجسّدين".
تقدم الفارس نحو الطفل الذي ظل ينظر إليه بعينين باردتين ودموع مستمرة بلا سبب. همس الفارس بحزن وهو يغمض عينيه: "أنا آسف حقاً أيها الفتى..." متمنياً في سره ألا يضطر لقتل طفل مسكين، ثم لوح بسيفه بأقصى قوة لديه ليقطع جسد الصغير.
مر السيف بسرعة فائقة فاجأت الفارس نفسه، فقد كان سيفه عادياً مقارنة بالمجcompileسدين الخارقين. فتح عينيه متوقعاً رؤية جثة شطرت نصفين، لكن الصدمة ألجمته.. الطفل اختفى!
رفع رأسه بسرعة ليجد الصغير يركض في الأفق هارباً برود فعل غير بشرية. اختفى السيف من يد الفارس فجأة، وشحن طاقته ليجسد رمحاً طويلاً وثقيلاً. استعد وقذفه بأقصى قوته ومهارته وهو يفكر بقانون طاقته: "عندما ينفصل التجسيد عن جسد المُجسّد، لا يبقى طويلاً قبل أن يختفي.. في حالتي، يختفي السلاح بعد 4 ثوانٍ فقط".
أصاب الرمح ظهر الطفل بدقة وسقط الصغير أرضاً. لكن، وقبل أن يخترق الرمح أحشاءه وينزف حتى الموت، انتهت الثواني الأربع واختفى الرمح تماماً مستهلكاً طاقته المادية. الغريب أن الطفل لم يشعر بالألم، بل كان عقله يفكر بجمود: "لماذا سقطت؟ لماذا لا أستطيع الوقوف؟".
كان يعرف بذكائه البيولوجي أنه إن لم يهرب الآن، فسيصبح جثة هامدة مثل بقية أهل القرية. قاوم جسده لأول مرة في حياته، ضغط على جرحه، ونهض يركض بأقصى ما منحه إياه وقود جسده الغامض.
صدم الفارس وصرخ بغضب: "اللعنة! لا يجب أن يهرب هذا الفتى أبداً!". لحق به الفارس وهو يمر بصراع داخلي ونفسي مرير: "هل هذا صحيح؟ هل من الحق قتل طفل؟". وبسبب تردده، رمى رمحاً آخر لكنه أخطأ الهدف تماماً.
شاهد الفارس الطفل وهو يدخل في غابة كثيفة ومظلمة تقع عند أطراف القرية. توقف الفارس عند المدخل، ونظر إلى الأشجار المتشابكة برعب؛ فالغابة خطيرة وتعج بالوحوش. تراجع خطوتين وهو يفكر أن طفلاً في العاشرة، مصاباً بطعنة رمح في ظهره، لن ينجو هناك حتماً. قرر ترك الأمر للقدر واستدار عائداً.
في عمق الغابة، كان الطفل يركض ويلهث وعقله الصغير يغرق في أفكار معقدة لا تناسب سنه: "يجب أن أركض.. لماذا؟ لكي لا أموت. ولكن لماذا لا يجب أن أموت؟ لماذا الموت سيء؟ لماذا لا أريد أن أموت؟".
وسط هذه الأسئلة المتشابكة، عثر على فتحة كهف صغير قريب. دخل إليه وارتمى على أرضه ليرتاح قليلاً. تذكر الإصابة التي في أسفل ظهره، وعرف أنه بحاجة للعلاج. وبفضل ذاكرته الفوتوغرافية المرعبة، تذكر الأيام الخوالي عندما كانت أمه تأخذه معها لجمع الأعشاب الطبية لوالده الطبيب. كان يعرف أنواع الأعشاب بدقة وتركيبتها.
خرج بحذر من الكهف، وجمع الأعشاب الضرورية لقطع النزيف وتطهير الجرح. وعندما استعد للعودة، أدرك أنه ابتعد مسافة عن الكهف. في تلك اللحظة، هبت في عقله ذكرى قديمة لوالده وهو يواسي فشله في اختبار التجسيد: "لا تحزن يا بني، ليست نهاية العالم.. انظر للجانب المشرق، أنت مبارك بذاكرة مرعبة لا يملكها أحد، لدرجة أنك تتذكر تفاصيل حياتك منذ سن الثالثة!".
تلاشت الذكرى وحل محلها مشهد قريته المذبوحة مجدداً. استعاد تركيزه فجأة، ليس بسبب الحزن، بل بسبب صوت زحف ثقيل ومرعب خلفه. التفت ليرى زاحفاً عملاقاً ذو حراشف خشنة وأنياب سامة (تنين كومودو)، وكانت هذه أول مرة يرى فيها كائناً كهذا.
تحركت غريزة البقاء في جسده، فاستدار وركض بأقصى سرعته متجهاً نحو الكهف. دخل الكهف بعد دقائق من الركض اللاهث، لكنه استوعب فوراً أنه اتخذ أسوأ قرار ممكن؛ لقد حاصر نفسه في مأزق مظلم بلا مخرج.
التقط صخرتين وثبت قدميه مستعداً للقتال ببرود، معتقداً أن التنين سيمزقه. لكن شيئاً غريباً حدث؛ توقف تنين الكومودو عند المدخل تماماً، وبدا الخوف والذعر واضحاً في عينيه من أعماق الكهف، فرفض الدخول، وتراجع ببطء ثم ولى هارباً في أعماق الغابة!
استغرب الطفل: "غريب.. لماذا هرب؟". لم يضع وقتاً للتفكير، أخرج الأعشاب وسحقها بالحجارة مستحضراً تفاصيل حركة يدي والده بدقة، ثم نزع قميصه ودهن المزيج على جرح ظهره، واستخدم قميصه كضمادة لفه بها حول خصره.
جلس في عتمة الكهف يفكر في خطوته القادمة. كان جائعاً وعطشاً ولم يأكل منذ البارحة، وفي العادة كان والده يحضر له الكتب والطعام ولا يعرف من أين. خرج إلى مدخل الكهف بحذر ليرى أن الليل قد حل بالفعل بطقسه القاسي، فقرر العودة والنوم لتأجيل التفكير في الطعام حتى الصباح.
استلقى على الأرضية الصخرية الصلبة، وفجأة، بدأت الأمطار تهطل بغزارة. كان مألوفاً أن تمطر مرتين في الشهر في قارة "سولاريس"، لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ إذ صاحبت الأمطار عاصفة رعدية عنيفة وبرق مرعب يزلزل الغابة، كأن الطبيعة نفسها تصرخ.
تجاهل الطفل الضوضاء والبرد القارس الذي يلف جسده الصغير، وأغمض عينيه مستسلماً لنوم عميق... غير مدرك للسر الغامض الذي ي
نام معه في ظلام هذا الكهف.