استيقظ كيان داخل عتمة الكهف على خيوط شمس الصباح الباكر وهي تتسلل عبر المدخل. وقف على قدميه بتثاقل، ثم خطى نحو الخارج ليتنفس الهواء النقي. كانت الشمس قد أشرقت لتكشف عن طبيعة الغابة المحرمة، لكن مع هذا الضوء، استيقظ في جسده شعورٌ حارق: الجوع والعطش الشديدان.
هو لم يعتد يوماً على البقاء طويلاً بلا طعام أو شراب. كان يعلم أن الأولوية الآن هي تأمين الماء، فقرر التحرك وسط الأشجار الكثيفة بحذر شديد، متفادياً أي مواجهة مع وحش مفترس كالذي قابله البارحة.
بعد ساعات من السير الحذر والتركيز العالي، التقطت مسامعه صوتاً غريباً؛ صوت خرير ماء خافت وحركة عشوائية. استدار بهدوء واقترب من مصدر الصوت، ليجد بركة مياه صغيرة تحيط بها بعض حيوانات الغابة الغريبة وهي تشرب.
تردد كيان في المضي قدماً؛ فالاقتراب قد يعني مواجهة خطر جهل عواقبها، لكن عطشه كان قد بلغ حداً لا يُطاق، ولا يعلم إن كان سيجد بركة أخرى في هذه الغابة الشاسعة. حسم أمره، وتقدم ببطء شديد محاولاً ألا يثير الانتباه حتى وصل إلى حافة المياه.
تأمل الحيوانات التي بدت مستنفرة، وفكر في نفسه: "أفترض أنني في مسافة آمنة بعيداً عنها..."
جلس على ركبتيه بسرعة، وغرف بيده من الماء البارد يشرب بنهم حتى ارتوى تماماً. نهض واقفاً ومسح فمه ببرود، والآن، حان وقت المعركة الأصعب: الطعام.
وقف يتأمل الأشجار العملاقة، وداهمته الحيرة: "همم.. كيف يتم إحضار الطعام بالأساس؟"
في تلك اللحظة، استجمعت ذاكرته الفوتوغرافية شتات الماضي. انفتحت أمامه صور واضحة من طفولته، ورأى أمه بدقة وهي تُحضّر الوجبات في منزلهم القديم. لكنه سرعان ما عاد إلى واقعه المرير؛ هو يذكر شكل الفعل، لكنه لا يعرف كيف يطبخ أو يصطاد في هذه القفر.
"ماذا عن الخضروات والأعشاب؟" فكر كيان وهو يحلل التربة من حوله: "أفترض أن بعضها ينبت في الأرض، أحتاج إلى البحث فحسب".
مرت الساعات تلو الساعات وهو يبحث بين الشجيرات وتحت الجذوع المتآكلة دون أن يجد شيئاً صالحاً للأكل. تملك منه التعب، لكنه رفض الاستسلام. انبعث في عقله صوت أمه مجدداً وهي تقول له ذات يوم: "لا تستسلم يا كيان، عدم الاستسلام وبذل كل الجهد يأتي بثماره دوماً".
لكن هذه المرة، خانته الطبيعة. ومع اقتراب الليل وسقوط الظلام، اضطر كيان للعودة إلى الكهف خالي الوفاض، وكل ما استطاع جمعه في طريقه لم يكن سوى بعض الأعشاب الطويلة والأوراق العريضة.
داخل الكهف، قام بلف الأعشاب حول بعضها بحرفية ليصنع منها وسادة بسيطة يستند عليها. جلس وأسند ظهره إلى الجدار الحجري البارد، والألم يعتصر معدته الفارغة. نظر إلى السماء في الخارج وفكر بمرارة: "يبدو أنكِ كنتِ مخطئة يا أمي.. بذل كل ما لديك لا يأتي بثماره دوماً".
تذكر صورتها بالكامل؛ كانت امرأة طويلة، ذات شعر أسود فحمي قاتم، وبشرة بيضاء شاحبة، وقوام مثالي. تنهد ببرود وقرر التوقف عن هذا التفكير الطويل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
التفت بعينيه الحادتين نحو عمق الكهف المظلم، وقال في نفسه: "بدلاً من تذكر الماضي، يجب أن أستكشف هذا الكهف من الداخل..."
تقدم بضع خطوات بهدوء نحو الظلام السحيق، لكنه سرعان ما توقف وتراجع.
"أنا أشعر بجوع شديد ووهن في جسدي.. لن يكون هذا التصرف حكيماً الآن. إذا خرج وحش ما من أعماق الكهف وطردني، فلن أملك الطاقة حتى للهرب في هذه الحالة".
قرر الاستماع لصوت عقله البارد، فاستلقى على وسادته العشبية البسيطة، وأغمض عينيه مستسلماً للنوم، لعل الغد يحمل له حلاً أفضل
استيقظ كيان في الصباح التالي، ووقع نظره فوراً على سقف الكهف الصخري. ردد في ذهنه ببرود: "اليوم الثالث..."
شعر بوهن شديد يثقل جسده، وفكر: "ها أنا ذا، منهك تماماً.. هل يجب أن أخرج للبحث عن الطعام اليوم أيضاً؟" تنهد وعقله يحلل الموقف: "لا، الخروج العشوائي سيكون مضيعة أخرى للوقت والطاقة. يجب أن أضمن الدفء لجسدي أولاً قبل أن يحل الليل التالي، سأصنع ناراً بدلاً من ذلك".
بينما كان يخطط لخطوته، بدأت ذاكرته الفوتوغرافية تسترجع تفاصيل قريته الراحلة. تذكر أن قريتهم كانت تقوم بطقوس غريبة مرتين في السنة؛ مرة قبل حلول السنة الجديدة، ومرة عندما يقرر زعيم القبيلة إقامة احتفال مقدس تقديساً للطاقة التي تخلق لهم الماء والطعام وبقية النعم. لم يكن كيان يفهم يوماً سبب هذه الطقوس، لكنه الآن ممتن لشيء واحد؛ لقد كانوا يعلمون الجميع في تلك الاحتفالات كيفية إشعال النار.
خرج من الكهف وحلل المحيط حوله، وبدأ يجمع الحطب الجاف، وبعض الصخور المناسبة، والأوراق سريعة الاشتعال. بعد ساعة تقريباً، عاد إلى ملاذه ومعه كل ما يحتاجه.
بدأ العمل فوراً؛ ضرب صخرتين ببعضهما بقوة مستهدفاً إنتاج شرارة تسقط على الأوراق الجافة. مرت ثلاث ساعات طويلة وهو يحاول ببرود وصبر لا ينفد، وأخيراً.. انطلقت شرارة قوية أشعلت النيران.
جلس بجانب النار يتدفأ، لكن وهجها جعله يغرق في التفكير مجدداً بشأن معدته الفارغة. تذكر سكان القرية وهم يأتون بحيوانات ميتة ويقومون بشوائها فوق النيران المتراقصة. قرر بآلية: "يجب عليّ فعل ذلك أيضاً".
نهض وامسك بصخرة كانت تبدو حادة وأكثر مدببة من البقية لاستعمالها كسلاح بدائي. خطى نحو الخارج، وفي تلك اللحظة انبعثت كلمة واحدة من أعماق ذاكرته: "الصيادون!"
نعم، الصيادون في القرية هم من كانوا يخرجون بأسلحتهم ويحضرون اللحم للجميع. لمعت عيناه الباردتان في ضوء الشمس، وقال بصوت عالٍ حسم ك
ل تردد:
"حان وقت الصيد!"