3 - الفصل الثالث:خطوة الاولى في القفر

خرج كيان من عتمة الكهف خطوة بخطوة، تاركاً خلفه دفء النار التي أشعلها، ليتلقاه نسيم الغابة المحرمة البارد. كان يمسك الصخرة المدببة بقبضة محكمة، وعيناه الحادتان تمسحان المكان بتركيز شديد.

بدأ يسير وسط الجذوع الضخمة والنباتات الكثيفة، وعقله البارد يحلل موقفه الحالي: "أنا ممسك بصخرة بسيطة، وجسدي منهك من الجوع.. مواجهة وحش كبير الآن تعني الانتحار. ما الذي يمكنني اصطياده بهذه الأداة البدائية؟"

فكر قليلاً، ثم استقر رأيه: "أي مخلوق صغير، بطيء، وضعيف سيكون هدفاً ممتازاً كبداية.. أحتاج لحمًا يسد رمقي، وتجربة لا تخاطر بحياتي".

انخفض بجسده قريباً من الأرض، وبدأ يتتبع الآثار الصغيرة فوق التربة الرطبة. وفجأة، لمح بين الأعشاب مخلوقاً غريباً؛ كان أرنباً أسود اللون، لكنه يمتلك أربع عيون حادة تتوزع على جانبيه بشكل مرعب يعكس طبيعة هذه الغابة المحرمة.

توقف كيان في مكانه، وثبت نظراته عليه. فكر ببرود: "كيف أصطاده يا ترى؟"

حلل حركة المخلوق بدقة، وقرر أن ينقض عليه بشكل مفاجئ وخاطف. انتظر اللحظة التي همّ فيها الأرنب بالقفز والمشي، وفي منتصف قفزته تماماً، اندفع كيان كالسهم ووجه ضربة دقيقة وقاتلة بحافة الصخرة الحادة نحو شريان الرقبة مباشرة. سقط الأرنب أرضاً، وتوقفت حركته تماماً بسهولة شديدة.

وقف كيان ينظر إلى جثة المخلوق، وهمس في نفسه متعجباً: "هل كان الأمر بهذه البساطة منذ البداية؟"

لم يضع الوقت؛ حمل صيده وثبت الصخرة في حزامه، ثم عاد مسرعاً بخطوات واسعة نحو الكهف. عند دخوله، وجد أن النار التي تعب في إشعالها قد انطفأت. لكن هذه المرة، وبفضل ذاكرته وتجربته السابقة، لم يستغرق الأمر سوى نصف ساعة فقط ليعيد إشعال النيران من جديد.

أمسك الأرنب، ودفع عبر جسده غصناً خشبياً حاداً ليخترقه من الجهة الأخرى كسيخ بدائي، ثم قربه من اللهب مباشرة. انتظر لثلاثين دقيقة والنار تلتهم اللحم، ولم يكن يملك الصبر أو الخبرة لتنظيفه؛ لذا بمجرد أن نضج، أمسك الأرنب كما هو، وبدأ يأكله بنهم شديد بفروه وجلده.

مضغ اللحم وفكر ببرود: "إنه محروق قليلاً.. والطعم سيء ولحم حامض".

ولكن رغم ذلك، لم يتوقف عن الأكل لثانية واحدة. لقد كان الجوع شديداً وحارقاً لدرجة تخرس أي اعتراض. التهم الأرنب بالكامل ولم يترك منه سوى العظام البيضاء المتناثرة. لأول مرة منذ أربعة أيام كاملة، يشعر كيان بمعدته ممتلئة.

أسند ظهره إلى الحائط الصخري يرتاح قليلاً، وعقله التحليلي لم يتوقف عن العمل. فكر: "ما هي الخطوات التالية؟ همم.. أنا بحاجة ماسة لتأمين مصدر ماء قريب، الذهاب إلى البركة في كل مرة وسط وحوش الغابة يعد مخاطرة غير محسوبة".

أخذ يفكر ويفكر في طريقة عملية لنقل الماء وتخزينه داخل الكهف. انفتحت خزانة ذكرياته الفوتوغرافية، وتذكر شيئاً واحداً: قارورات الفخار! لقد كان يرى في قريته أنها سهلة الصنع نسيباً، ولا تحتاج سوى للطين.

نهض فوراً وتوجه نحو البركة. انحنى عند حافة الماء وأمسك بالرمال المبللة المحيطة بها، وحاول تشكيلها بيده على هيئة وعاء، لكن الرمال كانت تتفتت وتسيل من بين أصابعه. حاول مرة أخرى وضغط عليها بقوة، لكنها فشلت مجدداً.

تراجع خطوة ليراقب المشهد، وفكر: "ما المشكلة هنا؟ هل الرمال المبللة لا تصلح؟ ربما لا يجب استخدامها هكذا..."

عادت به ذاكرته العميقة إلى حرفيي قريته القديمة؛ لم يكونوا يستخدمون رمالاً عادية، بل كانوا يذهبون لإحضار رمال حمراء لزجة. نظر كيان إلى التربة تحت قدميه وقال في نفسه: "هذه الرمال هنا سوداء وميتة.. يجب أن أبحث عن الرمال الحمراء.. الطين الأحمر الصلصال

تحرك كيان ببرود يبحث عن الطين الأحمر وسط أحراش الغابة. مشى لمسافة ليست بالطويلة حتى ولمحت عيناه الحادتان رقعة من الصلصال الأحمر المطلوب. اعتقد أن الأمر سيكون سهلاً، لكن الغابة المحرمة لم تكن لتمنحه هداياها ب هذه البساطة.

اقترب من الصلصال، وقبل أن تلمسه يده، داهمه شعور غريب؛ شعر بقدميه تغوصان، وجسده بأكمله ينجذب نحو الأسفل بقوة خفية. كانت رمالاً متحركة غادرة!

استغرب كيان، وفكر بعقله الصغير الذي لم يستوعب طبيعة الفخ الذي سقط فيه: "هل الأرض لا ترغب في أن آخذ الطين الأحمر؟"

بعد مدة قصيرة، أدرك الخطر الحقيقي؛ جسده لا يزال يغرق ببطء، وإذا استمر على هذا المنوال فستبتلعه الأرض بالكامل. حاول رفع نفسه للأعلى بعشوائية، لكن هذا التصرف زاد الأمر سوءاً، وجعله يغوص أسرع حتى غرق نصف جسده بالفعل تحت التربة الغادرة.

رفع يده وتمسك بكتلة من الصلصال الجاف القريب بكامل قوته، وسحب نفسه قليلاً للأعلى، لكن الصلصال انكسر وتفتت بين يديه. فكر كيان بسرعة وهدوء: "احتاج إلى شيء متين لأستطيع الخروج من هنا.. شيء لا ينكسر مثل الصلصال".

استدار بعينيه يميناً ويساراً؛ لم يكن هناك سوى الأشجار البعيدة، وبعض الحبال النباتية الضعيفة المتدلية. كان يعلم بتحليله البارد أن هذه الحبال الرقيقة قد لا تتحمل وزنه وسينتهي بها الأمر بالانقطاع، ولكنه قرر المحاولة؛ فعلى الأقل ستسحبه قليلاً نحو النجاة.

تمسك بالحبل النباتي وسحب جسده بقوة، وتحرك بضع سنتيمترات للأعلى قبل أن يصدر الحبل صوتاً حاداً وينقطع! سقط الحبل على الأرض، وسقطت معه بعض فروع الشجرة الجافة محدثة ضجة عالية في المكان.

لم تكن تلك الضجة مجرد صوت عابر؛ بل كانت سبباً في استيقاظ كائن مرعب كان ينام قريباً من المكان.

اتسعت عينا كيان ببرود وهو يرى الشجيرات تتحرك، ليظهر من بينها ذلك الوحش! إنها السحلية الضخمة مجدداً.. تنين كومودو آخر يعيش في هذه الأصقاع، وظن كيان للوهلة الأولى أنه نفس الوحش الذي لاحقه في يومه الأول.

اقترب الكومودو بزحفه الثقيل نحو كيان، لكنه توقف فجأة على حافة البقعة. بغريزته، كان الوحش يعرف بشأن "الرمال الميتة" ويتجنبها.

لم يفقد كيان الأمل، بل لمحت عيناه الحبل المقطوع الممتد بين يده وحافة الأرض الصلبة حيث يقف الوحش. بدأ بتحريك طرف الحبل على الأرض ببطء مستفزاً غريزة السحلية. لاحظ الكومودو الحركة، وانقض بفكيه المفترسين على الحبل بغباء. في تلك اللحظة، قام كيان بسحب الحبل بقوة، وبشكل غريزي، قام الكومودو بمسك الحبل وسحبه نحو الخلف معتقداً أنها فريسة تنازعه!

فكر كيان: "نعم.. لقد نجح الأمر، السحالي غبية حقاً".

وسط هذه السخرية وهذا القتال من أجل الحياة، لاحظ كيان أن الحبل بدأ يتشقق تحت الضغط الرهيب. ردد بصوت خافت: "فقط قليل بعد.. تحمل أكثر".

لم يكن كيان يشعر بالخوف، ولم يكن يخشى الموت حتى، ولكن غريزة جسده كانت تقول عكس ذلك؛ كان جسده هو المحرك الوحيد الذي يدفعه للنجاة بكل ما أوتي من قوة. تشبث بالأرض الصلبة التي وصل إليها، وسحب نفسه أخيراً خارج الفخ المائي الغادر، ناهضاً من الرمال الميتة.

استجمع رشده فوراً؛ فهو يعلم أن الخطر لم ينتهِ بعد. وقف على قدميه المنهكتين، وهو ينظر إلى الكومودو بجمود، مستعداً للهروب بأقصى ما لديه من سرعة مستغلاً ذهول الوحش

النهاية

2026/06/28 · 1 مشاهدة · 986 كلمة
Abdnor Asalwi
نادي الروايات - 2026