4 - الفصل الرابع: حصار الزواحف

انطلق كيان بأقصى سرعة يمتلكها هرباً من فكي تنين الكومودو. كان يركض وعقله البارد يركز على أمرين في آنٍ واحد: حركة السحلية الضخمة خلفه، ومسار الركض الذي يتجه إليه وسط الأشجار الكثيفة.

أثناء اندفاعه، التقطت عيناه الحادتان تفصيلاً مهماً، وفكر: "يجب أن أهرب من هذه السحلية.. مهلاً، إن حركتها تصبح بطيئة جداً أثناء الدوران!"

قرر استغلال نقطة الضعف هذه فوراً؛ فبدأ يركض بشكل متعرج بين الجذوع الضخمة ليجبر الوحش على الالتفاف وتخفيف سرعته. نظر إلى الخلف ليتأكد من خطته، وابتسم ببرود: "هذا ينجح.. لقد ابتعدت عنها"

ظن كيان أنه استطاع الهروب أخيراً وتجاوز الخطر، ولكن الغابة المحرمة لم تكن لتتركه ينجو بهذه السهولة.

فجأة، انشقت الشجيرات أمامه وظهر تنين كومودو آخر يسد طريق تقدمه! تراجع كيان خطوة إلى الوراء وهو في حالة صدمة؛ كيف حدث هذا؟ "هل هذه السحلية سريعة لدرجة أنها سبقتني والتفت حولي؟ ولكنني أتذكر جيداً أنني كنت أُجاريها في السرعة في المرة الماضية.. هل كانت تتلاعب معي فقط؟"

في تلك اللحظة، سمع صوت حفيف مرعب وتكسير للأغصان يأتي من خلفه. استدار بسرعة ليرى الشيء الذي دمر كل شكوكه السابقة؛ كان هناك كومودو آخر يركض باتجاهه بشراسة!

اتسعت عيناه وهو يستوعب الموقف: "تباً! هل هناك اثنان منها؟ هذا سيء جداً!"

شعر كيان لأول مرة أن الأمر قد انتهى؛ فهو الآن محاصر بين فكين من الأمام والخلف. هجم الكومودو الأمامي عليه بغتة، فتجنبه كيان في اللحظة الأخيرة بالكاد، لكن مخالب الوحش الخشنة مرت قريباً منه وأصابته بجرح سطحي سالت منه الدماء.

تراجع مستنداً بجسده المنهك على جذع شجرة، وعقله يشتغل بأقصى طاقته رغم الألم. انفتحت ذاكرته الفوتوغرافية لتبحث عن مخرج، فتذكر تفصيلاً من اليوم الأول: "أتذكر أن الكومودو كانت تخاف من الدخول إلى الكهف في المرة السابقة.. الكهف هو ملاذي الآمن الوحيد الآن!"

قرر الذهاب إلى هناك فوراً، ولكن المشكلة الأكبر التي واجهته هي أن الطريق المؤدي إلى الكهف أصبح مسدوداً تماماً بجسدي الوحشين الضخمين. وقف كيان في مكانه ببرود وثبات، وعيناه المحللتان تنتقلان بين الوحشين، يفكر في معضلة بدت مستحيلة: "كيف أتخطى هذين الاثنين معاً.. وأهرب نحو الكهف؟"

في تلك اللحظة الحرجة، سحب كيان شيئاً كان يخفيه في جيبه؛ لقد كانت بعض بقايا الصلصال الأحمر الذي انكسر وتفتت في يده سابقاً عند الرمال الميتة. ألقى بالصلصال بقوة نحو أحد الاتجاهات، فأحدث صوتاً جذب انتباه الكومودو الأول لثانية واحدة.

لم يضيع كيان تلك الثواني الثمينة؛ سحب صخرته الحادة بيمناه، وفي الوقت نفسه التقط عصاً خشبية كانت ملقاة على الأرض بيسراه، واستخدم العصا ليشتت انتباه الكومودو الثاني ويدفع فكه بعيداً. وفي لمح البصر، اندفع نحو الكومودو الأول وغرس الصخرة الحادة بكل ما يملك من قوة في عينه مباشرة!

أطلق الوحش هديراً هائجاً من الألم، واستغل كيان الثغرة لينفذ من بينهما بأعجوبة. انطلق بأقصى سرعة ممكنة لجسده المنهك نحو الكهف، وتبعه الكومودو الثاني مباشرة، وخلفهما الأول الذي كان يشتعل غضباً من إصابة عينه.

استمر كيان في الركض مستهلكاً آخر قطرة من طاقته، وأخيراً.. ظهر مدخل الكهف أمامه، فاندفع إلى الداخل.

استدار ليتنفس الصعداء، لكن ملامحه الباردة تجمدت من الصدمة؛ لقد دخل كلا الوحشين إلى الكهف خلفه! الغضب الأعمى كسر خوفهما القديم.

لم يكن هناك وقت للتفكير، فقرر كيان الهرب نحو أعماق الكهف المظلمة. استمر في الركض وسط الظلمة الحالكة، ولم يتوقف إلا عندما لمح ضوءاً طفيفاً ينبعث من بعيد. ظن للوهلة الأولى أن هناك مخرجاً آخر من الجهة المقابلة للكهف يستطيع النفاذ منه، لكنه اصطدم فوراً بحائط من خيبة الأمل.

كان الطريق مسدوداً تماماً! والضوء لم يكن سوى خيوط شمس تتسلل من فتحة صغيرة مرتفعة في الحائط الصخري. وتحت ذلك الضوء الشاحب، قبع مفتاح هذا الغموض: هيكل عظمي بشري قديم، متكئ على الحائط، يمسك ببنانه كتاباً عتيقاً، وبجانبه سيف يغطيه الصدأ.

بردة فعل سريعة غريزية، انحنى كيان والتقط السيف الصدئ، ثم استدار ممتشقاً إياه ليوجهه نحو تنيني الكومودو اللذين وصلا إليه.

توقف الوحشان فجأة أمام كيان. ساد صمت مرعب لثوانٍ، وفجأة.. استدار الوحشان واطلقا سيقانهما للريح، هاربين نحو الخارج برعب قاتل!

وقف كيان في حيرة من أمره، وتنزيل خيوط أفكاره داخل عقله البارد: "هل كانا يمتلكان بعض الجرأة في البداية ثم تسلل الخوف مجدداً إليهما؟ أم أنهما لم يستوعبا أنهما دخلا الكهف إلا متأخراً بسبب الغضب؟"

نفض كيان هذه الأفكار من رأسه، وقرر التركيز على الشيء الأكثر أهمية أمامه؛ ذلك الهيكل العظمي.

نظر إليه بعينين حادتين ومستغربتين: "هل هذا الهيكل العظمي... هو سبب خوف السحالي الكبيرة من الكهف سابقاً؟"

انتبه كيان للكتاب العتيق المستقر بين يدي الهيكل العظمي، وتقدم بخطوات بطيئة، ثم مد يده وقرر أخذه ليعرف ما يخبئه هذا الق

فر من أسرار.

النهاية

2026/06/28 · 1 مشاهدة · 704 كلمة
Abdnor Asalwi
نادي الروايات - 2026