كانت ساعات ذلك النهار تمر كما تمر الغيوم فوق بستان لا يعرف أصحابه متى زرعوه بلا صوت ملحوظ وبلا أثر إلا ذلك الظل المتحرك الذي يبدو وكأنه كان موجوداً دائماً وكنت أنا هناك في ذلك المنزل الريفي الذي يفرط في ريفيته كما يُفرط بعض الناس في ابتسامهم أي بما يكفي لأن تحسّه ويبقى مع ذلك طبيعياً تماماً جالساً في هدوء غريب النوع هدوء ليس غياب الضجيج بل شيء أثقل منه وأكثر حضوراً كأن الهدوء نفسه كان يشغل حجماً في الهواء
كان المنزل إذا أردت أن أصفه بما يستحقه أشبه بمكان اخترع نفسه للراحة دون أن يُستشار أحد في الأمر كل بهو فيه كان يُشعرك بأنك دخلت غرفة مصنوعة من خضرة وكل ممر كان يوحي بأنه يُفضي إلى حديقة لن تجدها لأنها ببساطة كانت داخلك أنت أما الستائر تلك الستائر القديمة التي تتباعد فيها الورود الرسومة على نحو يجعلها تبدو كأنها تتنفس فقد كانت خلفيتها الفضية تحمل أشجار التفاح النورماندية مصطفة على نهج يكاد يكون يابانياً كأن من رسمها أراد أن يجعل من كل قيلولة تقيلها خلفها حلماً منضبطاً ذا معنى كنت أحدق في تلك الورود المرسومة وفي العصافير المطرزة عليها وأحياناً كنت أشعر أن بإمكاني قطف إحداها لو مددت يدي بالسرعة الصحيحة ثم أعود فأتذكر أنها صورة وأن ما كنت أحسه كان شيئاً آخر تماماً رغبة في أن يكون الجميل حقيقياً لا ادعاءً للحقيقة
وإذا خرجت لحظة من غرفتي رأيت في نهاية الممشى الذي يميل عن بقية الممرات بانحراف طفيف كانحراف الفكرة عن موضوعها رأيت ستائر البهو الصغير وقد تحولت في ضوء ذلك الصباح إلى شريط قرمزي يتوهج كأنه يتهيأ للاشتعال من تلقاء نفسه كأنه كان يريد أن يحترق بهدوء وبكرامة دون أن يؤذي أحداً
وفي مثل هذه اللحظات تحديداً لا في لحظات الضجيج ولا في لحظات ما يسمى التأمل المقصود تطفو الأسئلة الأصعب إلى السطح كما يطفو الخشب الثقيل في الماء الساكن ببطء وبثقل وبشيء يشبه الاستسلام كنت أسأل نفسي وأنا أنظر إلى تلك الأوراق الخضراء الكبيرة على ضفة الماء المجاورة وهي تلمع تحت الشمس بصفاء لا يُفسَّر هل تساءلت يوماً ما معنى أن تكون موجوداً
لا أقصد السؤال كما يُطرح في الكتب التي تصف غلافاتها بالذهبي ويُباع معظمها في المطارات أقصد تلك اللحظة التي تجلس فيها في مكان هادئ وتدرك فجأة أن كونك موجوداً هو أكثر الأشياء غرابة التي حدثت لك على الإطلاق وأنك لم تُسأل عن رأيك في الأمر قبل أن يُقرر
قد يبدو هذا السؤال بلا جواب وقد يبدو بلا معنى غير أن هذا الحكم نفسه حكم اللامعنى ينطوي على مفارقة عجيبة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً فمجرد التفكير في أن السؤال بلا معنى هو في حد ذاته فعل يمتلك معنى إن الفكر لا يقوم إلا وهو متجه كالسهم الذي لا يمكنه التوقف في الهواء دون أن يكون متجهاً نحو شيء ما عقولنا لا تفكر في الفراغ في الحب يوجد محبوب في الكراهية يوجد مكروه في الحكم يوجد ما يُثبَت أو يُنفى وحتى الأرنب الأبيض الذي قد تحلم به وهو ينظر إلى ساعة جيبه حتى هذا المخلوق الخيالي العبثي تتجه إليه بنية الوعي وتجعله موضوعاً حقيقياً للتجربة وإن لم يكن موجوداً في أي مكان آخر الوعي بطبيعته قصدية ليس بمعنى أنه يقصد شيئاً بالمعنى الغائي بل بمعنى أنه لا يستطيع ألا يقصد لا يستطيع أن يكون مجرد نفسه دون أن يكون أيضاً نحو غيره
وهنا يظهر ما يُربك أكثر حتى اللامعنى نفسه يصبح معنى حين أفكر فيه حين أقول كل شيء بلا معنى أكون قد منحت هذه الجملة نفسها موقعاً داخل بنية الفكر وموضوعاً يمكن الاختلاف حوله والدفاع عنه وتفنيده اللامعنى الكامل الحقيقي لا يُمكن قوله لأنه في اللحظة التي يُقال فيها يكف عن كونه لامعنى
ثم تذهب الأفكار إلى مكان أعمق كما يذهب الماء في الأرض الرخوة لا إلى أسفل فحسب بل إلى حيث لا تعرف مسبقاً
ماذا نعني حين نتحدث عن الوجود لفظ الوجود وحده مجرداً نقياً خالياً من كل تحديد لا يمنحك شيئاً تمسك به إذا قيل لك إن الحقيقة موجودة فأول ما يتبادر إلى ذهنك هو السؤال الأصعب ما هذه الحقيقة كأن الوجود كلمة بيضاء في لغة لا ألوان فيها صحيحة تماماً وفارغة تماماً في الوقت ذاته
وإذا حاولت التفريق بين الوجود والعدم وهو ما يفعله الفلاسفة منذ أن ابتدأ الفلاسفة وجدت نفسك أمام صعوبة من نوع خاص كل تفريق يفترض صفة يمتلكها أحد الشيئين دون الآخر لكن الوجود الخالص والعدم الخالص كلاهما خاليان من أي صفة يمكن أن تكون أساساً لهذا التفريق الوجود المطلق ليس شيئاً محدداً يمكنك وصفه والعدم المطلق كذلك ليس شيئاً يمكنك تحديده وحين تحاول بلوغ أحدهما في خلوصه التام تجد نفسك واقفاً على عتبة الآخر
قد يبدو هذا تلاعباً بالألفاظ وقد يضحك منه بعض الناس ويقول هل يعني هذا أن وجود منزلي لا يختلف عن عدمه وهو اعتراض مفهوم لكنه قائم على سوء فهم لطيف فالحديث ليس عن الأشياء المتعيّنة التي تملكها أو تفقدها بل عن المفاهيم في أصفى حالاتها في المكان الذي تسكنه قبل أن تلبس ثوب أي شيء بعينه
كنت في هذه الأفكار وكانت الشمس تتحرك خلف الأشجار الكبيرة على الضفة ببطء ملكي وبلا استئذان كعادة الأشياء التي تملك وقتها ملكاً تاماً والضوء كان يغير الأوراق الخضراء من لون إلى لون في ذلك النطاق الضيق الرهيب الذي يقع بين الأخضر والذهبي وكنت أتابعه دون أن أقرر ذلك كما تتابع أذنك صوتاً جميلاً لم تطلبه
وفجأة أو ربما ليس فجأة بل بعد ذلك التراكم البطيء الذي تُعدّ له الأفكار أرضاً دون أن تعلن عن نيتها خطر لي ما يخطر لكل من يمضي وقتاً كافياً في الهدوء مع أسئلة كهذه أن كل شيء له بداية ونهاية وأن لا شيء يبقى على حاله وأن الحياة تشبه قطرة ماء فوق حجر ساخن موجودة مضيئة لثانية ثم لا شيء وأن الموت تلك الكلمة التي يرفض معظمنا أن ينطقها في منتصف يوم مشمس في منزل ريفي يمتلئ بالورود المرسومة على الستائر هو الحقيقة الوحيدة التي لا تتفاوض على شروطها مع أحد
وحين توضع كل الأهداف والآمال والطموحات كل تلك الأشياء التي نسميها حياتنا ونعني بها شيئاً دافئاً وحقيقياً حين توضع في مواجهة هذه الحقيقة تبدو وكأنها تتلاشى في الأفق كما يتلاشى الدخان في السماء الصافية لا لأنها لم تكن حقيقية بل لأن كل شيء حتى الحقيقي يتلاشى
غير أن هناك شيئاً آخر شيئاً يعرضه السؤال نفسه دون أن يعلنه
الكائن الإنساني ليس مجرد موجود بين الموجودات كما يكون الحجر موجوداً أو الشجر موجوداً إنه الكائن الذي تصبح كينونته نفسها موضع سؤال بالنسبة له الكائن الذي يستطيع أن يقف أمام وجوده ويسأله ماذا تريد مني ما الذي يعنيه أنك أنت وليس غيرك وهذا ما يسميه بعض الفلاسفة الدازاين ذلك الكائن الذي يُلقى في العالم ثم يُطلب منه أن يصنع منه معنى لا لأن المعنى موجود في انتظاره بل لأن الإنسان هو الكائن الذي لا يستطيع أن يعيش دون أن يبحث عنه
الإنسان يفهم نفسه انطلاقاً من الإمكانات التي ينفتح عليها الإمكانات التي اختارها والإمكانات التي وجد نفسه ملقى فيها دون أن يُسأل لكنه في كلتا الحالتين يظل الكائن الذي يسأل وبمجرد أن يسأل يكون قد كشف عن أعمق خاصية فيه أنه الكائن القادر على أن يجعل وجوده نفسه موضوعاً للدهشة
وربما هذا فقط هذا هو الجواب الوحيد الصادق على سؤال المعنى ليس أن الوجود يحمل معنى جاهزاً كما يحمل الثمر نواته بل أن هناك كائناً يستطيع أن يسأل وأن هذا السؤال نفسه ذلك الصوت الهادئ الذي يطرح على الوجود سؤاله وسط منزل ريفي يمتلئ بالصمت وأشجار التفاح النورماندية المرسومة على ستائر قديمة هو ربما الدليل الوحيد الذي نملكه على أن شيئاً ما في مكان ما يستحق أن يُسأل
وكانت الشمس قد تحركت خلف الأشجار وكان الضوء القرمزي في نهاية الممشى قد أطفأه الغسق وكانت الستائر تهتز هزة خفيفة في نسيم المساء كأنها تتنفس أخيراً بعد يوم طويل من الانتظار