الفصل الثاني عشر: بورصة المعلومات.. وبداية رتب المرتزقة
قبل أن تطأ قدما زاك عتبة مبنى الكليرون، أمضى بضع ساعات يتجول في شوارع "ألفان" الحيوية. لم تكن جولة سياحية، بل كان زاك يقوم بـ "تحسين سمعه واستيعابه" بشكل مستمر، لالتقاط همسات التجار، ومساومات المارة، وجمع أكبر قدر من المعلومات عن هذا المجتمع الجديد.
من بين ما عرفه، أن النظام المالي للمملكة يعتمد على نوعين من العملات المعدنية: "التيرا" و**"الفيرنا"**.
التيرا الواحدة تساوي تماماً 1000 فيرنا. وعلم أن تسمية العملات جاءت تيمناً بـ "تيرا"، البطلة الأسطورية التي أنقذت المملكة في الماضي البعيد، وتلميذتها المخلصة "فيرنا".
أثناء سيره، كان زاك يتفحص الرمح الأبيض النادر الذي غنمه من قطاع الطرق. بفضل قدرته على استشعار الطاقة، اكتشف أن الرمح يحتوي على مادة صهر خاصة تمنحه "تقارباً فطرياً مع عنصر الرياح". تفاجأ زاك بشدة؛ فلم يكن يعلم أن الحدادين في الخارج يمتلكون تقنيات لتضمين تقاربات العناصر داخل الأسلحة.
حاول زاك تجربة قدرته؛ ضخ طاقة الكين الخاصة به في الرمح وركز على مفهوم "التحسين". ببطء، بدأ التقارب الضعيف والخامل للرياح داخل الرمح يتضخم ويشتد حتى تحول إلى تقارب قوي وعاصف، مما جعل وجه زاك البارد يسترخي بقليل من البهجة والرضا.
تذكر زاك بمرارة محاولته السابقة في القبو لتعزيز "تقارب الفضاء" الداخلي لديه، والتي تسببت وقتها في اضطراب مرعب في طاقة الكين كادت أن تفجر جسده العضوي من الداخل. يبدو أن تحسين الأشياء الخارجية أسهل بكثير من تحسين المفاهيم الكونية الملتصقة بروحه.
في الحاضر: مواجهة الفولاذ والتروس
نعود إلى الحاضر، حيث يقف زاك ذو الجسد البشري العضوي أمام الهيكل المعدني داخل مبنى الكليرون.
تحرك الروبوت بسلاسة أثارت دهشة زاك، وصدر من جوفه صوت آلي منتظم لكنه يحمل نبرة ترحيبية مصطنعة: "مرحباً بك سيدي في منظمة الكليرون. بماذا يمكنني أن أخدمك اليوم؟"
نظر زاك إلى عينيه الزجاجيتين المشعتين ببرود: "أريد التسجيل كمرتزق."
"بالتأكيد سيدي، هل تكرّمت بإعطائي اسمك أولاً؟"
طقطق زاك أصابعه: "زاك."
أصدر الروبوت صوتاً يشبه مسح البيانات قبل أن يكمل: "والآن يا سيدي، ما هو نوع المهام المفضلة لديك؟ الاستكشاف، الحماية، الصيد، أم الإنتاج؟"
أجاب زاك بلا مبالاة تامة: "صيد البشر."
أومأ الروبوت برأسه المعدني: "حسناً سيد زاك.. يظهر في السجلات الفورية للمدينة أن هناك إنجازاً مسجلاً باسمك قبل قليل: القبض على اثنين من اللصوص الفارين ومستخدي الكين، الأخوين فين وشين."
لم تظهر علامات المفاجأة على وجه زاك؛ فهو يعلم أنه حصل على هوية مؤقتة مسجلة من قائد حرس البوابة مقابل بضع عملات من التيرا الذهبية لتسهيل المعاملات. لكن فضوله المعرفي دفعه للسؤال: "كيف عرفت أنني من قمت بالقبض عليهما؟ كان يمكنني ببساطة أن أسرق الفريسة من شخص آخر في الغابة وأسير بها للمدينة."
أجاب الروبوت بآلية: "يا سيدي، يتم التحقق من كل إنجاز وقتال بدقة داخل النطاق الإقليمي. المنظمة تعتمد على تعاقدات مع مجموعة من 'عرافي النظام الغامض'، ومجموعة من مستخدمي 'مسار العقل الداعم'. طاقتهم المشتركة تستطيع قراءة بقايا هالات الكين المتروكة في مسرح الحدث لربطها بـهوية الفاعل."
اتسعت عينا زاك قليلاً في ذهول مكتوم. ’المنظمة تراقب وتعرف أكثر مما ينبغي’، فكر في نفسه.
تابع الروبوت ماداً ذراعاً ميكانيكية تحمل إبرة دقيقة: "حسنٌ يا سيدي، أرجو وضع قطرة من دمك هنا لإتمام البصمة الحيوية وربط هالتك بالبطاقة."
أمسك زاك الإبرة، ووخز إصبعه العضوي لتسيل قطرة دم حمراء قانية فوق المستشعر اللامع.
"ممتاز سيدي، لقد تم تسجيلك رسمياً كمرتزق في منظمة الكليرون."
أخرج الروبوت بطاقة معدنية سوداء مصقولة بعناية، حُفرت عليها معلومات زاك الأساسية، وفي منتصفها يبرز الرقم (3) بخط مضيء.
أكمل الروبوت الشرح قبل أن يسأل زاك: "قبل أن تسأل يا سيدي، الرقم ثلاثة هو رتبتك الحالية. تتبع الجمعية نظام الرتب والنقاط؛ تبدأ الرتبة الأولى من صفر نقطة، والرتبة الثانية تتطلب 10 نقاط، وكل رتبة أعلى نضرب النقاط المطلوبة في 10 (الرتبة الثالثة تتطلب 100 نقطة). كل رتبة تمنحك مزايا إضافية؛ على سبيل المثال، برتبتك الثالثة يمكنك الدخول لمقاهي المرتزقة من المستوى الأول، واستخدام المتجر الخاص بالمنظمة لشراء أدوات، أو معلومات سرية للمهام، أو أغراض شخصية. وقد تم ترقيتك فوراً للرتبة الثالثة كاستثناء بسبب إنجازك العالي في القبض على الأخوين المطلوبين حيين."
مقهى المرتزقة: ترحيب حار
أومأ زاك برأسه، وتوجه مباشرة نحو المصعد السحري-الميكانيكي، هابطاً نحو مقهى المرتزقة في الطابق السفلي.
بمجرد أن فُتح الباب وقدم زاك داخل المقهى، شعرت الحانة بأكملها بحضوره. التفتت عشرات النظرات الحادة والمستكشفة نحوه؛ بعضها يحمل فضولاً والبعض الآخر يحمل تهديداً. تجاهل زاك الجميع كأنه يسير وسط جثث هامدة، وتوجه نحو زاوية الحائط حيث تظهر شاشة عرض مجسمة (هولوغرام) تعرض المهام المتاحة لمرتزقة الرتبة الثالثة.
وقف يقرأ بتأمل، وفجأة، تناهى إلى سمعه صوت خشن من خلفه:
"هاي.."
تجاهله زاك تماماً واستمر في القراءة.
"هاي.. أنت! أنا أتحدث إليك!" ارتفع الصوت بنبرة أكثر حدة وتحدياً.
استمر زاك في تجاهله كأن المتحدث مجرد ذبابة في الخلفية.
شعر زاك بظل ضخم يلقي بثقله وراءه، وفجأة، وُضعت يد خشنة وضخمة على كتفه بقوة لمحاولة إدارته عنوة.
توقفت عينا زاك عن قراءة المهام، وقال بنبرة منخفضة ومنزعجة للغاية: "أبعد يدك."
زمجر المرتزق خلفه بضحكة ساخرة: "اسمعني جيداً أيها المبتـ..."
بام!!!
قبل أن يكمل الرجل كلمته الفظة، التفت زاك بنصف دورة خاطفة مستخدماً ميكانيكا عضلاته المحسنة، ووجه كوعاً حديدياً صلباً اندفع
كالقذيفة ليستقر مباشرة في منتصف فك الرجل!