الفصل الثالث عشر: جدار السجان.. وبداية إدراك الضعف
بعد أن أطاح زاك بالرجل الوقح بضربة كوعه الخاطفة، لم يلتفت حتى ليرى أثر ضربته. بكل بساطة وبرود، استدار مجدداً نحو الشاشة المجسمة يكمل تفحص المهام المتاحة. لم يكن ينظر إلى أهداف تلك المهام كبشر أو وحوش يجب القضاء عليها، بل كان يراها بطريقته العملية: مجرد "طرق تدريب فريدة" واختبارات وصناعة لمساره الجديد.
بينما كان زاك غارقاً في حساباته، كان المرتزق الوقح—الذي اتضح أن اسمه "زيك"—ينهض عن الأرض والدم يسيل من فمه، وعيناه تشتعلان غضباً وحقداً. وبإشارة منه، تحركت مجموعته المكونة من ثلاثة مرتزقة مدججين بالسلاح، ملتفين حول زاك ونائين الهجوم عليه دفعة واحدة لتمزيقه.
استشعر زاك نيتهم القتالية بوضوح بفضل حواسه المحسنة. وبحركة هادئة، وضعت يده على مقبض سيفه، وقام بسحبه جزئياً وهو ما زال مغطى بغمده الفولاذي؛ لم يكن زاك غبياً، فهو يعلم أن قتل المرتزقة داخل المقر الرسمي سيسبب له مشاكل ملاحقة وقوانين هو بغنى عنها الآن، لذا كان ينوي تأديبهم بالغماد فقط.
وقبل أن تبدأ الشرارة الأولى للقتال من أي من الطرفين، شق صمت الحانة صوت عميق وجاف، تردد صوته كالجعد في أركان المكان:
"يكفي!"
وفجأة، انشقت الأرض عن سلاسل معدنية ضخمة وشفافة تشع بطاقة مرعبة، التفّت حول الجميع على شكل دائرة مغلقة.
في تلك اللحظة، تجمد زاك في مكانه. تجمدت مجموع زيك أيضاً. لم يكن الأمر مجرد قيود، بل شعر زاك وكأن جسده العضوي، وتدفق الكين في عروقه، بل وحتى الزمن من حوله قد توقف تماماً! كان عاجزاً عن تحريك رمش عين، عاجزاً بشكل مطلق ومذل.
من بين الظلال، تقدم رجل ضخم مدرع بالكامل بدروع فضية ثقيلة تخلو من أي نقوش، يعلو رأسه خوذة حربية تشبه خوذات محاربي "إسبرطة" القدامى، لكنها مصممة لتغطي ملامح وجهه بالكامل، فلا يظهر منها سوى بريق عينين حادتين خلف الشق الحديدي.
نظر المدرع نحو المرتزق المصاب وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل تهديداً يقطع الأنفاس: "زيك.. لقد سئمت من مشاكلك المتكررة مع المبتدئين. تم خصم 100 نقطة من رصيدك فوراً."
ثم التفتت الخوذة الفضية ببطء نحو زاك، وأكمل المدرع: "وأنت أيها المبتدئ.. يمنع القتال تماماً على أرض النقابة. لم أطبق عليك أي عقوبة خصم هذه المرة فقط لأنك جديد هنا."
بمجرد إنهاء كلماته، لوح المدرع بيده، فاختفت السلال الغامضة في الهواء كأنها لم تكن، ليعود التدفق للطبيعة.
تراجع زاك خطوة للخلف، واستنشق الهواء بعنف، وكان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة. لم يكن هذا التعب بسبب مجهود بدني، بل كانت صدمة نفسية وجسدية مرعبة؛ لم يسبق لزاك، منذ أن فتح عينيه في هذا العالم وتلقى تدريبات مجاهين الجحيمية، أن تم شل حركته وجعله عاجزاً وسجيناً بهذه الطريقة المطلقة.
حاول زيك أن يستجمع شتات نفسه وتحدث بقلة صبر: "سيد كينت.. لكن هذا المبتدئ هو من بدأ و..."
قاطعه المدرع بكلمة واحدة خرجت بهدوء مرعب: "اخرس."
ابتلع زيك كلماته وتراجع برعب، بينما استدار "السيد كينت" ورحل بخطوات وئيدة اختفت في الممرات الداخلية للمبنى.
زاوية الحانة: بورصة الأسئلة الثلاثة
شعر زاك بحاجة لاستيعاب ما حدث، فابتعد عن الشاشة وجلس على إحدى الطاولات الخشبية في زاوية المقاهي ليرتاح ويهدئ من روع طاقته المضطربة.
بمجرد أن استقر في مقعده، انزلق رجل نحيل، أشعث الشعر، ذو عيون ثعلبية ذكية، وجلس على المقعد المقابل له مباشرة بابتسامة ودودة.
عرّف الرجل نفسه قائلاً: "مرحباً بك يا صديقي في عالم الكليرون.. أنا كيني، مرتزق متخصص في جمع المعلومات وبيعها. رأيت ما حدث للتو، وبما أنك وجه جديد يمتلك مؤهلات واعدة، أقدم لك عرضاً مجانياً لتعاملنا الأول معاً: سأجيبك على ثلاثة أسئلة تدور في عقلك الآن دون مقابل."
لم يضيع زاك أي وقت في المجاملات، وسأل مباشرة بصوته البارد: "من كان هذا الرجل المدرع؟"
ابتسم كيني وأجاب بجلسة مريحة: "هذا هو السيد كينت، مدير هذا الفرع بالكامل لمنظمة الكليرون. إنه متخصص في عمليات الاعتقال والإخضاع، ومساره الرئيسي يسمى 'مسار السجان'، وهو قادر على تثبيت أي شخص في مكانه وشل طاقته وجسده بالكامل طالما كان داخل نطاق نفوذه. مدراء الفروع دائماً من وحوش القوة."
فهم زاك طبيعة المهارة. كان ينوي في الأصل أن يسأل عن المرتزق الوقح زيك ليعرف رتبته، لكن عقله العملي أخبره ألا يضيع سؤالاً ثميناً على حثالة لا تستحق. لذا غير مسار تفكيره وسأل: "إذن.. هل هناك أي شيء مهم أو ميزة في هذه المنظمة يجب أن أعرفها كمرتزق جديد؟"
أومأ كيني بإعجاب: "سؤال ذكي. الشيء الأكثر أهمية لك الآن هو 'متجر النقابة'. تأكد أنه عند اختيارك لأي مهمة، يمكنك الدخول للمتجر واستئجار أو شراء 'سبل نقل خاصة بالمنظمة'، حيث تمنحك النقابة خصماً مالياً كبيراً وضخماً على التنقل الجغرافي لو كانت وسيلة النقل مرتبطة بمهمة رسمية، وهذا سيوفر عليك الكثير من التيرا والوقت."
هز زاك رأسه مستوعباً، ثم طرح سؤاله الثالث والأخير، وهو السؤال الذي كان يحدد نظرته للعالم الخارجي: "كم عدد فروع منظمة الكليرون في هذه المملكة؟"
أجاب كيني ببساطة وهو يرتشف من كأسه: "في مملكة تيرنا المتوسطة؟ يوجد حوالي عشرين فرعاً رسمياً موزعة على المدن الكبرى."
وقعت الكلمة كالصاعقة على عقل زاك، وظهرت لمحة صدمة نادرة في عينيه الفارغتين.
عشرون فرعاً؟! هذا يعني بعملية حسابية بسيطة أنه يوجد في هذه المملكة وحدها أكثر من عشرين شخصاً يمتلكون قوة مرعبة مساوية أو تفوق السيد كينت.. أشخاص يمكنهم سحقه وشل حركته بكلمة واحدة!
في تلك اللحظة، تبخر الغرور الذي غلف زاك بعد هزيمته للنمر الذهبي واكتمال مساره، وأدرك حقيقة ضعفه الحالي في هذا العالم الشاسع بوضوح لا غبار عليه.
نهض زاك من مقعده ببرود، وعدّل رداءه قائلاً: "شكراً لك على المعلومات يا كيني."
ابتسم كيني ولوح بيده: "لا شكر على واجب يا صديقي.. أتمنى أن تكون بيننا الكثير من المعاملات المدفوعة في المستقبل. حظاً موفقاً في عالم الأحياء."
استدار زاك وعاد إلى ساحة عرض المهام بإصرار وعزيمة جديدة، وعينين تشتعلان برغبة عارمة لزيادة القوة. اختار مهمة تناسب رتبته وتضمن له صراعاً حقيقياً، ثم اتجه بخطوات سريعة نحو متجر النقابة ليجهز نفسه لجولته القادمة.